توتر «نووي» بين واشنطن وموسكو
محمود الريماوي
يبدو التنافس بين موسكو وواشنطن في هذه الآونة أسوأ مما كان عليه في ظل حقبة الحرب الباردة. فقد تم، على سبيل المثال، التوقيع على المعاهدة النووية بخصوص الصواريخ قصيرة المدى والمتوسطة في عام 1987 بين الولايات المتحدة، التي مثلها الرئيس الأسبق رونالد ريجان والاتحاد السوفييتي ممثلاً برئيسه آنذاك ميخائيل جورباتشوف. وقد سُمي الصراع بين القطبين ب«الحرب الباردة»؛ لأن الطرفين كانا يتجنبان بمختلف الوسائل وصول الصراع بينهما إلى نقطة احتكاك ساخن. ومسألة الحد من التسلح بينهما، احتلت مركز الصدارة في التفاهمات؛ بعد أن بلغت صناعة الأسلحة مستوى خطراً؛ تمثل بالأسلحة النووية، وهو النوع الأول من الأسلحة في العالم، الذي يستحق وصفه بأسلحة الدمار الشامل.
تأخذ واشنطن على موسكو اندفاعها في إنتاج أسلحة نووية قصيرة المدى (500 كيلومتر) وإنشائها قواعد صواريخ كروز «النوفيتور»، وتعد ذلك انتهاكاً للاتفاقية بين الجانبين، وترد موسكو بأنها أكثر التزاماً بالاتفاقية من الطرف الأمريكي (ممثلاً بحلف شمال الأطلسي الناتو)، الذي يستعد لنشر قواعد صواريخ متوسطة المدى في أوروبا. ولا تتوقف موسكو عند ذلك فهي تهدد باستهداف الدول الأوروبية، التي سوف تنصب فيها هذه القواعد. وفي هذه الأجواء، أعلنت واشنطن يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، عزمها الانسحاب من الاتفاقية، التي مضى على توقيعها نحو ثلاثة عقود، وتم إيفاد مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون إلى موسكو؛ لإبلاغ المسؤولين الروس بهذا التوجه، وقد خيّم التوتر على أجواء الزيارة، التي التقى فيها بولتون بالرئيس فلاديمير بوتين.
وفي هذه الأجواء، وصف آخر رئيس للاتحاد السوفييتي ميخائيل جورباتشوف، في آخر إطلالاته النادرة، انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى بأنه أمر غير مقبول، وأن توقيع المعاهدة كان «انتصاراً عظيماً». وقال الرجل إن «قرار الرئيس دونالد ترامب بالتخلي عن معاهدة الصواريخ النووية، التي أبرمتها واشنطن مع موسكو بمثابة الإعلان عن سباق جديد للتسلح النووي».
ومن التصريحات المثيرة وذات الأهمية في هذا الشأن ما صرّح به لوكاس كليسا، الخبير العسكري لدى حلف الناتو، بأن انسحاب الوﻻيات المتحدة «فاجأ إدارة التحالف، التي لم تتوقع تلك الخطوة؛ بعد تعهد الوﻻيات المتحدة بالإبقاء على الاتفاقية النووية في اجتماعها مع أعضاء الحلف في يوليو/تموز الماضي». وأضاف قائلاً: إنه «لم يعد للحلف أي تصور حيال تحركات الوﻻيات المتحدة بعد الانسحاب».
يذكر هنا أن الوﻻيات المتحدة والاتحاد السوفييتي أزالا قواعدهما لصواريخ «كروز» من نطاق أوروبا منذ إبرام اتفاقية الصواريخ النووية؛ لكن أوروبا تعود مجدداً ميداناً للتنافس والنزاع القطبي.
الدولتان العظميان تبحثان مستقبل أوروبا في غياب الطرف الأوروبي، ورغم أنه لم تعد هناك أوروبا غربية، وأخرى شرقية، إلا أن القارة العجوز عادت كمركز للاستهداف الثنائي الروسي الأمريكي. وإذ باتت أوروبا في مجملها وفي إطار الاتحاد القاري حليفة للولايات المتحدة، إلا أن واشنطن تتخذ قرارات متعلقة بأمن القارة، بصورة منفردة. وحتى القرارات داخل حلف الناتو باتت تتخذ بصورة منفردة من طرف واشنطن بعيداً عن الحلفاء الأوروبيين ( أو معظمهم)، ولا يزال الخلاف الأوروبي مع واشنطن حيال الاتفاق النووي بين الغرب وإيران، طرياً في الأذهان.
والراجح في ضوء ذلك، أن يسيطر هذا التطور على تفكير وأجندة المراكز الدولية النافذة في عالمنا، في ما تبقى من العام الجاري وخلال العام المقبل؛ إذ إن مسألة التفاهمات حول مديات التسلح، ونصب قواعد الصواريخ، ظلت تمثل ركناً في التفاهمات الدولية. وأن تتم إثارة التنافس النووي على هذا النحو ومصحوباً بتهديدات متبادلة، فذلك يعد كسراً للمحظور، وتجاوزاً لخطوط حمراء ظلت تضبط الإيقاع الدولي منذ زهاء ثلاثة عقود على الأقل.
ومن المفارقات أن موسكو ظلت تسعى خلال الأشهر القليلة الماضية للقاء قمة أمريكية روسية، لتطويق تفاعلات ما تعده دوائر قضائية أمريكية، تدخلات روسية في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فإذا بمسألة تزيد أهمية وخطورة تُثار فجأة، وتتعلق بمعاهدة تتعلق بنصب صواريخ، متوسطة وقصيرة المدى حاملة لرؤوس نووية. وهو ما يضفي إثارة بالغة على القمة المزمعة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل بين الرئيسين ترامب وبوتين؛ وذلك بعد أن اتسعت شقة الخلاف بين الجانبين، وباتت تلامس هذه المرة مسائل شديدة الحساسية تتعلق بالأمن الاستراتيجي للدولتين العظميين كما لأمن أوروبا والعالم بأسره.
‎2018-‎11-‎02