هل استجاب الأميركيون لأردوغان بالتخلي عن الأكراد شرق الفرات؟
شارل أبي نادر – عميد متقاعد
تداخلت الملفات الحساسة مؤخراً في المنطقة حول المواضيع التي لطالما شكلت عناصر الاشتباك الدولي والاقليمي في الشرق الاوسط، من اتفاق “سوتشي” حول ادلب وتعثر تنفيذ جميع بنوده، ومتابعة الحل السياسي في سوريا، الى قضية مقتل الصحافي السعودي جمال الخاشقجي وتأرجح الضغط التركي على السعودية في الموضوع، بين اتهام القيادة ممثلة بولي العهد، او اتهام مجموعة أمنية سعودية تجاوزت أوامر ورغبات وأهداف القيادة، الى تهديد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الأخير للأكراد السوريين شرق الفرات، في رسالة مبطنة لرعاتهم الاميركيين، الى القمة الرباعية الأخيرة في اسطنبول بين رؤساء روسيا وتركيا الى المانيا وفرنسا، والتي تمايزت أهداف كل من المجتمعين فيها حول المسألة السورية وأفضلية ترتيب مراحل الحل فيها.

اللافت أن هذا التداخل في الملفات الحساسة تزامن مع حراك عنيف في جنوب شرق دير الزور بين “داعش” و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وقد تمثل هذا الحراك بعمليات كر وفر بين الطرفين، بدت فيها قسد ولأول مرة في معاركها ضد التنظيم، كأنها تقاتل وحيدة وباللحم الحي دون غطاء جوي من التحالف. وظهر الأخير وكأنه غير معني بقتال أو بدعم من يقاتل التنظيم الإرهابي، أو ظهر التحالف وكأنه يمتحن قدرة (قسد) على المواجهة وحدها، فيما لو انسحب من الشرق السوري فجأة، تنفيذاً لقرار غريب، وارد في كل لحظة من قبل رئيس مثل الرئيس الاميركي دونالد ترامب.

مسار ثابت من تغليب المصالح الاميركية والتركية على مصلحة أي طرف سوري داخلي
فهل يمكن وضع هذا التراجع الاميركي في دعم قسد بمواجهة “داعش” شرق الفرات في خانة الامتحان كما ذُكر أعلاه، أو يمكن وضع هذا التراجع حقيقة كما ادعى التحالف، في خانة عدم القدرة على تنفيذ التغطية الجوية المطلوبة بسبب الأحوال الجوية السيئة التي ضربت المنطقة، أو يمكن وضعه في خانة التخلي الاميركي عن دعم الاكراد تلبية لرغبات اردوغان، لإضعافهم في شرق الفرات رويدا رويداً، تمهيدا لتذويب وجودهم العسكري ونفوذهم؟
من خلال تسليط الضوء على معطيات كل من الاحتمالات المذكورة أعلاه، يمكن التوصل الى تحديد قريب للأسباب الحقيقية للتراجع الدراماتيكي لـ”قوات سوريا الديمقراطية” أمام “داعش” في مناطق الاشتباكات بينهما شرق الفرات، وذلك على الشكل التالي:

امتحان قسد

ربما يحمل هذا الاحتمال نسبة غير بسيطة من الصحة، حيث يحاول الأميركيون تلمّس ما سيحدث ميدانياً في شرق الفرات فيما لو نفذوا انسحابا مفاجئا، هو أساساً وارد وبنسبة مرتفعة، خاصة وأن أي انسحاب أميركي من الشرق السوري سيتبعه مباشرة دخول وحدات الجيش العربي السوري وحلفائه الى مناطق شرق الفرات، دون قدرةٍ لأي طرف على ايقافه أو اعاقته، وأسباب ذلك عديدة.

وقد تم التأكيد مؤخراَ أن “قوات سوريا الديمقراطية” عاجزة عن الإمساك بشرق الفرات بقدراتها الذاتية، بمواجهة “داعش” أو الفصائل العربية المناهضة لها، وطبعاً بمواجهة الجيش العربي السوري وحلفائه.
تأثير الأحوال الجوية السيئة

أيضاً، كان يمكن أن ينطوي هذا الاحتمال على نسبة كبيرة من صحة المعطيات، لو انحصر التوقف الاميركي عن تقديم تغطية جوية لمعركة قسد في أيام العاصفة فقط، لكن حتى بعد هدوء العاصفة ما بين مساء السبت وصباح الاحد، لم تنفذ طائرات التحالف أية طلعة جوية داعمة لمعركة “قوات سوريا الديمقراطية” ضد “داعش” في مناطق هجين والسوسة والباغوز، وفي آخر 48 ساعة، تجاوزت اصابات القوات الكردية الخمسين بين قتيل ومصاب، بالاضافة لاستعادة “داعش” أغلب مناطق سيطرة قسد الاستراتيجية جنوب شرق دير الزور وامتداداً حتى الحدود العراقية شمال البوكمال.
التخلي الاميركي عن الاكراد السوريين
ربما يحمل هذا الاحتمال النسبة الأكبر من الواقعية، وأسباب ذلك عديدة، يمكن حصرها بالتالي:

– كان اردوغان يطلب دوماً من الاميركيين التخلي عن دعم وحدات الحماية الكردية وما يتفرّع عنها من مسميات مختلفة، بحجة ارتباط هؤلاء مع حزب العمال الكردستاني “الارهابي” بنظر الرئيس التركي. وجاء أخيراً اردوغان ليشدد هذا الطلب على خلفية استغلال قضية الخاشقجي ورغبة الأميركيين بانهائها بالتي هي أحسن، دون توريط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فكان التواطوء الاميركي مع الاتراك ضد الاكراد على شكل تراخٍ في التغطية الجوية بحجج واهية وغير منطقية.
– لم يكن الأميركيون مؤخراً مرتاحين بتاتاً لمسار التفاوض بين الدولة السورية والفصائل الكردية السورية الفاعلة شرق الفرات. وصحيح أن هذا المسار بدا خجولا وغير فاعل أو مكتمل، حتى انه توقف مؤخرا بشكل شبه كامل (بسبب الضغط الأميركي وليس بقرار كردي ذاتي)، لكن بقي الأميركيون يرون فيه مشروعاً قابلا للحياة والاكتمال، خاصة وأنهم لمسوا نظرة الريبة وعدم الثقة التي تولّدت لدى الأكراد تجاههم، والتي تعززت بعد تخليهم عنهم في عفرين أمام الاصرار التركي وتهديدات اردوغان.
في النهاية، انه مسار ثابت من تغليب المصالح الاميركية والتركية على مصلحة أي طرف سوري داخلي، ولا بد للأكراد السوريين من أن يكتشفوه لأنه واضح وضوح الشمس، وحتى الآن ما زالت الدولة السورية (دولتهم وراعيتهم الحقيقية) تعطيهم الفرصة تلو الأخرى، للعودة الى حضن الوطن الذي يحميهم ويدافع عنهم، والوحيد القادر والجاهز لتأمين مصالحهم وحماية حقوقهم وامتيازاتهم ضمن إطار السيادة الوطنية المعروفة والواضحة.
‎2018-‎10-‎30