مدن بطعم البارود..ح8!
رواية

بشرى أبو شرار
سركيس زخم” يصرخ في وجه قاتليه:
⦁ اقتلوني لأجل المسيح..
دخلوا بقلوبهم التي قدت من سواد الأرض..خلعوا البوابات, داهموا البيوت, ومغارات الجبال ضمت أهل معلولا,, يعلو صوت من الجحيم:
⦁ جئناكم بالذبح يا عبَّاد الصليب.
يهمس الجد من تداعيات ضعفه, وقد أسند جسده المنهك لمغارة من حنين:
⦁ خلقت مسيحيا ولن أموت إلا مسيحيا.
من نوة الشتاء كان هجومهم, اجتياحهم, خرابهم..امتدت أيديهم لتكبل راهبات الدير, يذهبوا بهم بعيدا حيث تستباح الدماء حيث هم.. معبر معلولا على رصيف الانتظار, وجه مريم العذراء, وجه المسيح, ودخان البارود, أحال كل الجدران إلى سواد، وصبية تعتلي درجات دير كانت فيه طفولتها, تبحث عما تبقى من نور الحكاية, تنتشل أيقونات محروقة, وصوراً ممزقة, تضمهم لصدرها, تمسح براحة يدها ما علق بها من سواد, تمسح بدمعات من ملح الحكاية, تبكي, تصرخ, تقول:
“هي معلولا الباقية فينا..”
قذائف يطيرونها ومرماها دير القديسة “تقلا” دير القديسين “سركيس وباخوس”.. يسافر رصاص البارود, يزحف الدخان, يلون فضاء الحكاية كل ما تبقى من “معلولا ”
اقترب نيسان من نيسان.. تقدم الجيش, سالت دماء, سقط شهداء في مساحة زمن أسود..أحرقوا صورة مريم, أحرقت الأيقونات الخشبية, أيقونات سكنت “معلولا” السلام من مئات السنين..
في نيسان دقت ساعة الوقت.. تعود معلولا من جديد.. يلملم فيها الإنسان جراحه وآلامه.. هل نرمم الإنسان الذي كان في معلولا ونعيده من جديد؟..
“شام ما المجد؟… أنت المجد لم يغب..”
تلونت معلولا بألوان البهاء, وأجراس انتزعت عنها, حملت دمع الحكاية, حملوها بعيدا, ينادي واحد منهم:”من يشتري أجراس معلولا؟”..
مات الصوت, غابت دقات الأجراس, سكنت بحرا من ملح, رأيت أجراس معلولا في يوم عودتها, محمولة على الأكتاف, وقد نالها رصاص غدرهم, وثقوب غائرة سكنت جوانبها تعلن أنها عادت رغم وجع الحكاية ورغم كل ما صار, عاد صدى أجراس الكنائس من جديد, أجراس معلولا عادت لكنائسها الأم, لم يمت الصوت, بل تحولت أجراسها إلى إعلان للبشارة في نصر قادم لا محالة..
“معلولا” وجبال حارسة لها, لم تخن ولم تضيع العهد.. جبال نحتت على وجهها حكايات البطولة..وتعود للحكاية ترنيمتها, وللصبية ضحكتها..من حكايات البطولة والصمود تولد مرثية الفرح في قلوب أمهات فقدن أبناءً لهن. يترنمن بحكايات من روح الأسطورة, يرددن, ينشدن رغم دمع الحكايات المبكية.. “معلولا الباقية كما جبالها الشامخة.”
***
تكتب وردة:
“هل للوقت وقت؟!. صباحك من نور قلبك صديقي الذي هناك.. سأغيب عن يومياتنا, لأني حين ألتقي بك أجاهد لأجمع ما تبقى مني على حافة الوقت.. لي قلب صغير, فستقة من حزن تثقل روحي من حملها.. عبر المسافات التي تأخذني بعيدا، أرسل لك ما تبقى من الوردة هدية.. ستجدني حين يقبل الوقت وأجمعه براعم محبة لا يطالها الجفاف. لن أغيب طويلا”..
***
“سيدتي الجميلة.. حين لا يجمعنا الغياب, لا يستطيع الوقت إلا أن يجمعنا, عطر الوردة في خلق فضاء لنا, قد لا نتمكن من لملمة أوجاعنا كي تجمعنا من جديد.. كم أننا في حاجة إلى تأمل أعمق قد نجد مسربا لما يعترينا من جفاف الوقت وطول المسافات..سأظل على حافة الوقت أنتظرك.. سأظل على رصيفه أجمع نسماتك الآتية.. نسمات هي منك ستحمل لي دفئها لحظة تتلفع بعزيمتها.. للوقت أبوابه، وللمسافات أبوابها, ولك أنت يا سيدة البهاء والحضور باب مشرع نحو الدفء والانتظار المضمخ بالشوق.. أنت يا وردة القصيدة.. هل لي أن آتيك وحتى إن غابت حروفك لبعض من الوقت”..
***
هل غابت “وردة” تقتفي أثر “زنوبيا” التي تقف وحيدة في وجه العاصفة..”تدمر””مدينة النخل”الساكنة من قديم الزمان في المخطوطات البابلية، قيل عنها مملكة “ماري” “تدمر” تحمل دلالة المقاومة, والبلد التي لا تقهر, آرامية, سورية, من الآرامية كتبت “تدمرنا” وهي المعجزة.. ما الذي تبقى لوردة من أثر الوردة؟!.
هل ترحل وردة لتبقى “زنوبيا” التي قاتلت جيوش روما هي الملكة المحاربة.. قاتلت جيوش روما ولم تستسلم إلى أن ماتت.. رحلت “زنوبيا” عن مملكتها.. لم تعد هناك تلك المرأة التي توجت بالعمامة الكسروية.. وصالت بجيوشها من البسفور إلى النيل.. ملكة الصحراء تقول لـ “أورليان” قائد جيش الروم:
“سقطت تدمر يا أورليان.. لكن قوة الحضارة ستهزم حضارة القوة..”
هي زنوبيا المكان والزمان.. رحلت زنوبيا وتركت إرثا إنسانيا يحمل معاني العزة والقوة والصمود.. تسقط تدمر في يد الإرهاب, يبكي الحجر.. تتهاوي أعمدة الحكاية, تنحر الرؤوس, تلقى في صحراء مملكة لم تنته ملحمة البطولة فيها, تدمع عين صقور الصحراء..
تهاجر العصافير لتجمع أعشاشها من جديد، و”وردة” لها روح هناك.. روح حائمة تبحث عن أثر لمليكتها هناك.. وحكايات هي نقش على الحجر تحكي عن ممالك قامت وممالك زالت, من سقوط مملكة الأنباط, البتراء، إلى تدمر التي كان مولدها وسط الصحراء.. تدمر وينابيع وعيون.. تحيط بحدائقها الرمال.. من هيكل الشمس إلى الرواق الأعظم, مدافن المدينة.. عربية عربية.. أبراج مستطيلة، وقد كتب عليها اسم “أذينة” “زنوبيا”.. تدمرية عربية تحسن الآرامية, تمتطي جوادا, ترتدي لباس الحرب وعلى رأسها خوذة رومانية مرصعة بالدر والجواهر..
تزوجها “أذينة” ومن بعده أعلنت الاستقلال, فرضت سلطانها على مصر والشام والعراق إلى أنقرا وآسيا الصغرى..
كم كرهك الأعداء يا زنوبيا الحكاية, جاءوا وفرضوا الطوق والحصار, سقطت تدمر..ولم تسقط زنوبيا من قلب الحكاية. ولم تمح حروف اسمها من مكان يشهد أنها كانت هناك ملكة عربية.. واليوم هل تأفل شمس زنوبيا.. وتغيب وردة عن أثر الوردة.؟؟..
***

“خالد الأسعد” عاشق لزنوبيا، عاشق للحضارات، لم يغادر مملكتها وظلال تحفظ تاريخ معشوقته الأبدية.. غدرهم ورايات من الأسود وظلام ليلهم صارت بعتبة داره, يقتادونه, يعذبونه, غابت عنه الروح العاشقة المتقدة بالنور والحب, رفض أن يدلهم على سر الحياة لحضارة ممتدة من قبل التاريخ, فكان ذبحه وتعليق جسده على أعمدة تدمر ليلتحق بصانعي الحضارة ومجد الإنسانية.. هكذا تكتمل مسيرة زنوبيا في آخر رجل يلحق بركبها في مجد وشموخ وإباء..
***
من مطار “كوريس” العسكري حامية الكلية الجوية.. وصوت من عنفوان الأرض يصل لآخر حدود المدى:
“لا تبتهلوا لأن يفك حصارنا.. بل رددوا لينصرنا الله ويدحر أعداء الأمة.. أرض ندق بأقدامنا عليها تفجرت فيها ينابيع ماء.. الأرض تروي عطشنا.. وليخلع كل من يقترب من تراب هذا الوطن حذاءه حيث أقدس وأطهر أرض..”
يصل الصوت.. يكبر السؤال:”من صاحب هذا الصوت؟!”؟..تأتي الإجابة برعما يكبر في قلب الحكاية:”مقاتل”
نحن قوة الله عند الخطر.. نقاوم.. نصمد.. لنا أم واحدة هي أمنا سورية.. وأنا ألبي نداء أمي سورية.. أقاتل لأجلك.. لأجل أن تبقى أمي بخير. صوت أي مقاتل هو صوت سورية الصمود المقاومة.
***

هل يراني صديقته الدمشقية؟..هل يرى مني بقايا من أثر الوردة؟.. هل أنا من ستفتح عين الليل بابتسامة النهار؟..
يوم تحدث معي صديقي الذي هناك قال لي:
“كنت أراك في شرفة البيت, أتأمل ملامح وجهك في ماء الفسقية, وعطر لك حائم من مباخر شامية.. أمضي إليك عبر الشوارع الجليدية.. كان لك ثوبك الأخضر.. كانت لك خصلات شعر يسكن إليها ليل مدينتنا.. أمضي حيث تكونين.. وأنت الغارقة في حلم هو الأخضر.. أصل لعتبة دارك بعد طول المسافات البعيدة, أنفض عني غبار الطريق لأسكن في ليل عينيك, يستسلم جسدي لمدينة أصل إليها في ليلة هي الحلم..أبطال حكاياتنا رحلوا وطواهم الغياب, هناك أنت وبرعم من زمن الصبا لم يتفتح في قلبي.. أراكتنشدين أنشودتك على قيثارة الوقت, كم أخاف على قيثارتكأن تتهاوى.. تتهشم.. تضيع أغنياتك الدمشقية.. أنا هنا ومن على مقامات البوح.. أبوح لك بحبي الذي كان.. أكتب كلمات عشقي على نوافذ بيتك الزجاجي.. لن تنطفئ جذوة عشقي يا سيدة البهاء ونور الحكاية.. لن تنطفئ جذوة عشقي حتى وإن مضيت في طرقات دمشقية في وحشة ليل شتائية..
***
يلملم أوراقا تلونت بالحيرة والألم.. يسكنه السهوم.. تأتيه نسماتها حيث هي هناك.. يجمع حروف أبجديته.. يلون بها حكايته..
“دمشقية أنت الهوى والدفء والحنان.. جدار الوقت يتهاوى على أعتاب المسجد الأموي.. شامخ على تراب الوقت, وبخار الأنفاس التي سكنت جدرانه.. وعرق لدراويش أحاطوه بهالاته المقدسة.. جدار الوقت يترنح نحو الهاوية, ووقت غادره, لم يبق إلا شياطين لا يكفوا أن يكسروا الوقت والجدار بمناجلهم.. وأنت هناك تنثرين دفئا لم يغادر.. أنت أخت الدفء والنور.. وتاريخ لم يغادر حتى عن الحلم.. أراك حيث أنا هنا وأنت هناك.. دمشقية الهوى، وذاكرة ضد المحو.. تحملين نايا يشدو أنشودة حزن آت من عمق التراب والجدار ورفات الذين مضوا وقضوا على أعتاب الدروب الدمشقية في:”الغوطة” و”الحميدية” و”باب توما”.. وسط دمشق وريفها.. أنت يا امرأة الحكاية والدفء والنور الآتي وذكرى ما ذهب وضاع.. أنت يا وردة النور.. وأثر التجدد.. ولحن يولد من رجع صدى أصوات من غابوا ولهم كل الحضور..
“أنا هنا على محطة الانتظار في منفاي لن أكف أقضم من أيامي انتظارا.. وأمل لابد وأن يأتي ذات وقت حاملا بشرى ودفئا.. سأظل هنا على حافة الوقت أنتظرك.. وأرجوحة من غايات الرجاء ستنقلني إليك.. قد أراك في شرفة نورك وبهاء دثارك وعطرك الدمشقي”.
***
كيف نحسب الوقت؟.. والوقت براح لنا.. وقت هو لي.. يأتيني من روح فنجان قهوة وحيد ينتظرني كل صباح، وعتمة لم تغادر, وصبح وقد تلون بالظلال.. نور الحكاية يسكن فنجان قهوة وحيد, أتوسد الليل أبحث عن وجوه غابت وعن قلوب ماتت, وعن ضياع الإنسان.. أراوح الوقت أقتفي أثر دمعة من بلور..أراوح الوقت قد يهديني حكايات كانت لي..هل أنا هي أنا؟… أم هي غيري؟.. كل ما حولي ينداح إلى قتامة, كل ما حولي ينداح لصفرة الموت..
من سنوات بعيدة كنت أحفظ حدود مدينتي, أحفظ كل خطوط الجغرافيا, خطوط العرض والطول, ألون مدينتي بالأخضر, أبي علمني أن الخريطة هي مفتاح الطريق حيث نريد أن نحث الخطى, نفرش أوراقنا, نقتفي أثر مدننا, تلالنا, سهولنا, بحيراتنا, بحرنا من حدود الجغرافية..
علمني أبي كيف نرسم خريطتنا وعلمني أين يجب أن يكون قلبي, أخذ قلبي معه, تمدد قلبي من محيط إلى خليج, وعاد من رحلته وأسكنه في بقعة أنبتت عظامي وسكنت فيها روحي..
رحل أبي, غابت خطوط العرض والطول, ذوت المدن, غابت, تردمت, صارت إلى رماد.. أنا وقلبي وأنت الذي هناك تعرفني من خيوط الحكاية, ننسجها أنا وأنت من خيوط الشمس, نكتب حكاية وطننا, وشمس له لن تغيب.. قد نعيد للمدن بهاءها, قد نجمع خريطتنا بعد أن تناثرت وسافرت بعيدا, هربا من عين العاصفة..
***
دالية عنب تذكرني بداليات زرعها أبي في أرضنا هناك.. داليات تحتضن بيتنا وذكرياتنا.. هل سيعود الأمس البعيد؟!.. أم أننا سنظل نقتفي أثر الوطن في حكايات من صور لوطن هو لنا..
للمدن سحرها.. يتلون بدمع البحث عنها وألم الانتظار.. آهة الفقد والغياب، وقلب من بلورة دمع على مدن رحلت.. وأوطان نحملها في براح الروح وحجرات القلب, وطننا المسروق ومدننا الغائبة.. صارت آهة الفقد وروح الوجع, مفاتيح تقاوم صدأ الأيام نحملها في عقولنا, وردات نور وقطرات من روح الندى.. مدننا هنا.. هناك.. ما بين الخرائط المبعثرة, انداحت لخطوط عرض وطول مشوهة, كم نشتهي أن نراها, وكم نشتهي أن نلون مدننا بالأخضر؛ حيث مجرى نهر وجدول ماء..
ليتك تأتي إليّ حيث أنا هنا لنرسم حدود المكان, قد نعيد للحكاية روحها, وللوجوه الغائبة ملامحها. ونلون أعلامنا على قطعة قماش, نكتب عليها أمنياتنا, أحلامنا, وحنينا صار مرثية أيامنا الضائعة.. تعالي حيث أنا هنا، قد يعود للشمس شروقها.
***

“متى يرتوون من دمائنا؟!..””تعز” تحت النار.. من لا يحب “تعز”؟!.. “تعز” أعطتكم الحياة, فتعطونها الموت, أعطتكم سلاما ومحبة, فتبادلونها هذا الحب بالقصف والتدمير..
ظلمة أصابت مملكة سبأ من قبل التاريخ, وبطن من بطون العرب, من عدنان إلى قحطان، وحكايات أبي يوم علمني أنساب العرب, أشار لي نحو اليمن, قائلا: “جئنا من هنا.. هنا منبتنا وأصولنا”..
من ” محمد الديلمي “إلى “فايز البخاري”، وحروف ينثرونها في فضاء بلادهم, هاجس يسكنهم أن تضيع مدن هي لهم, تغيب ملامحها, يموت من عليها.
” هناك أشباه رجال , لا يرون في اليمن إلا يد الغرب يستدعونها لأن تأتي وتعبث بحضارة اليمن وتركيعها من صلابة شموخها … تبا لكم يا من هنانت عليهم أرضهم وعرضهم ….”
“يونس الناصر” لم يتوقف يوما أن ينثر أوراق الياسمين الدمشقي تحت القصف, تحت الردم في تشييع مواكب الشهداء, يرسم علم بلاده على راحة يده, في قلبه وفي شرايين جسده.. وحكايات لم تسقطها ذاكرة يحيا بها.. عن زمن جاحد يذبح الياسمين ويتنكر للأبيض..
في “اليمن” أطلت أشباح الموت, لوَّنت السماء بلون البارود, تقذف بكرات اللهب في كل موطئلقدم, وفي كل مطارح شهدت براعم طفولة وليدة.. أطفال تلونت أجسادهم بغبار الردم ورماد البارود, انداحت جلودهم إلى رماد, دماء تطل من كل الوجوه, يخط السؤال على مسامات جلودهم “بأي ذنب يستباح دمي؟!”، وصبي على مطالع الجبال ونتوءات الصخور وقد تساقط جلده, يحمل آلامه فوق حدود الصراخ, فوق حدود الألم.. يبحث عن بيته الذي كان.. أب.. أم.. أخ.. لا أحد, لا يظهر منه سوى بنطال وقد طاله الحريق, يتعرى الجسد وقد تلون بالأحمر، وصبي وحيد غفلت عنه أشباح الموت, يلامس ما تبقى من أنامل في كف أخيه الصغير وما تبقى من جسده كان يلتحف الردم.. يتوسد أسقف وأعمدة خرسانية تهاوت عليه, لم يظهر منه سوى بقايا كفه الصغير وقد تلون بخيوط من دمه, دماء لم تبرد, يتحسس أخوه أنامل تتوسد دمع الحكاية, ومنديلا أبيض يجفف به نهرا من دماء..
منديل له دمعات من دم الحكاية وقد تلونت بالأحمر, هو ما تبقى من حكاية الدم المسفوك على تراب اليمن، وقوم وجهتهم اغتيال الحضارة والتاريخ والإنسان في معركة وجوده..”باجل” وقفت في وجه الزمان حارسة لـ “باجل” القديمة.. قلعة “صيرة” وقد سويت بالأرض, متحف “عدن” التاريخي الذي يضم إحدى عشرة قلعة, تناثرت أحجارها.. قلعة “القاهرة” التي تعانق مدينة “تعز” لم يتبق إلا أسوار لم تخن عهدها لحمايتها ولكن هي اليد المجرمة التي استباحت فضاء الحكاية التي كانت تدمر وتقتل وتعود لتتوسد ضميرا غاب عنها.. حصون أثرية في “صعدة” هو العبث لطمس الهوية وتاريخ الشعوب..”
“وليد الخميسي” يطيِّر كلماته:
“ما انتصرتم إلا لحماقات الأمير.. نزيف النفط غزير.. يقولون أغزنا؛ فقتلنا وقهرنا.. لم يبق سوى شيخ ضرير.. لم يمت إلا الضمير..ما اشتريتم غير لؤم الكاذبين وولاء الخائنين…. ما زلنا نتوشح الابتسامة , نعتنق الأمل , نبعث من بين الركام والرماد لأننا عنقائيوا السمات ولا يمكن أن نموت إلا كالأشجار واقفين ….. ”
***

يعود ” عذاب ” يطير كلماته المحمولة على رسائل المطر ….” أمي قصت لي سيرتك وسيرة ” دورا ” ” فلسطين ” وأنا في رحمها كنت أكتب شعرا كما الرسام السريالي ” سلفادور دالي ” كان يرسم وهو في رحم أمه , عشقت نساء كثيرات وأنا في رحم أمي , ذقت مرارة الخيانة ويوم ولدت لم أجد لي أبا لأن المرض خيانة عظمى , غيبه الموت قبل ان أنطق بكلمة أبي , كانت أمي الأب والأم , الآن عرفت لماذا اكتب شعرا … لأني غاضب من العالم والكون والحياة …. وعرفت لماذا فضلت الغربة لأنها الوطن الوحيد الذي لا يأخذ جمركا على ضحكاتي العسيرة …. أعتذر اليك يا وردة لأني كثيرا ما أجد نفسي في الهذيان وكثيرا ما أكون صادقا في البوح الذي لا يحتاج إلى حبر وأوراق …
” هو الوقت يا سيدي …. هي الحكاية تكتبنا ولا حيلة لنا فيها …. أنت من تهديني قريحة من روح الملائكة …. نعم لأننا نسير من مشيئتها وأنت معي من ” دورا ” حتى مدننا التي تلونت برماد الأرض … هي مدننا الغائبة الحاضرة …. شتات نقشته على جدار قلبك , وشتات هو نزف في روحي …. أنا التي تسير من روح ملائكة محبة لقلوب تشبه قلب “عذاب ” وقلبي …. مهما علا جدار الوجع لن تهزم ارادة الحياة فينا …. ستبقى والدتك ووالدتي ووطننا من سر حياتنا ووجودنا قبل الوجود …. وبوح يدركني وأعرفه … لا يحتاج إلى حبر وأوراق …
” ما اروع أبجديتك سيدتي …. ما أصعب همك …. وما أعمق جرحك …. وما أشده نزفا ” الروحان المتشابهان يلتقيان ” شكرا للرائع ” مويان “

*** ***

صديقي “فاتح نعال” يهديني زهرات سكنت روح الأبيض، وأحمر من دمع الحكاية يلون البراءة فيها، وآخر يشكو التشظي.. صار حروفا تخيطها الكتابة, وكتابة مزقها القراء.. يا وجع قلبي من كلمات تمزقت حروفها.. يا وجع قلبي من خيوط لم تعد تسكن ثقب إبرة نخيط بها حكاياتنا الباكية.. وأنت يا صاحبي هناك, تهديني صوتا.. تهديني حياة.. صوت مسافر يقطع صحراء الربع الخالي يبحث عن قلب مسافر تخونه محطاته, قلب تناثرت عليه الثقوب, ونزف علم على الطرقات, قلب لا يكف يكتب بالأحمر, قد يترك أثرا يدل عليه.. صوت يلد الفرح من برعمة لن يذبل عودها.. لن يموت الصوت.. لن تموت الحكاية.. لن تغيب شمسنا الأبدية..
***
هي مسارات الوقت من بوابات الغياب.. أرسم خطوطها من دمعات بطعم الملح.. كم أعاتب السؤال.. كم أعاتب الوقت.. من أين يأتيني كل هذا الحزن؟!! وروح هي لي, تنثر أحزانها على سفود الوقت.. أنا الوحيدة هنا.. ضاعت حروف أبجديتي.. أفتح شاشة الحاسوب، وفراغا سكن عنواني.. غابت الأسماء.. غابت المدن.. غابت الروح حيث فراغ لا منته…
للمسافات سطوة البعد وقهر من هوة القسوة.. عناوين مدن لا تغيب، وأماكن لا تغيب، وأرواح لنا تطوف في البعد بحثا عنا..
سيدتي قد نعود ونلتقي.. قد نقف على تخوم مدن غابت حتى وإن لوّنها دخان البارود.
(اليوم يا صديقي تورق الحروف من جديد.. نرسم مواسم البهجة.. ألملم حروفي وأنثرها في وجه الريح, قد تصلك هدية من روح غابت وعادت من جديد..)
غارقة أنا في لُجة الفرح, همس لي يطلب مني أن يحدثني جانبا, انتحيت ركنا قصيًّا أستعلم الأمر:
⦁ لحظة رأيتك أصابني سهم نفذ إلى فؤادي.
لُذت بمقعدي أبحث عن مسرب لكلمات:
⦁ كم أعجبتني رؤاك ودخولك لدائرة الحوار وعلما نستزيد به و… قاطعني في لهجة هادئة تحمل كل معاني الرفض:
⦁ لا أريد سماع كل هذا…
أتهيأ في مجلسي لجولة جديدة قد أجد مهربًا:
⦁ هل ما أنت فيه جديد عليك؟أم أنك كثيرا ما تقع بما أنت فيه, ينفذ إلى قلبك سهم وسهم
⦁ هي المرة الأولى من لقاء أول, أنا لست بصعلوك مارق ألتقط كل ما يمر بي, لحظة سقط شالك من على كتفك كدت نفسي تائهًا ولن أعود.. لحظة طالعت وجهك وكأني أندفع نحوك وأضمك قد تصلني رائحة زيتونة لا أزال على ضفاف بحيرة تقابل بيت لي كان هناك..
رقَّ قلبي لحاله.. قاطعته برقة خجولة:
⦁ ما حيلتي يا سيدي.. أتمنى أن تتغلب على ما أصابك.
كان وجهه صلدًا, خاليًا من أي تعبير قد يصلني.. هو يبحث عن مدينته التي هناك.. عن رائحة المدن في قلب الطوابين.. هل أصابه الهذيان؟.. يصحو من سبات سنوات بعيدة. لملم أوراقه وهاتفه ومضى عبر الممر الطويل..
***
لا لغة هنا لغريب. كيف أقرأ خطاي؟، ومن ضاعت خطاه يا سيدي كيف له أن يقرأها؟!…
رجالٌ من خيرة شباب الوطن يطلون عليّ عبر الشاشة الصغيرة, يتحدثون عن مهاراتهم القتالية وخبراتهم التقنية وكيف يقتحمون الصحاري, أحدهم يتحدث كيف أخذ إرثه القتالي من والده, حارس لحدوده وبلاده وحذر من تسلل ذو الرايات السوداء داخل وطنه.
أنا التي غاب عنها الحلم هاربًا, أحلم بأن أمر بسوق الروم, الحرير, سوق الخيَّاطين, مسجد الأمويين, يحوِّطني غبار المدن, غبار من وجع الحكاية, آلام, هجرات, لجوء، قذائف تغتال الحياة.. تستبيح الغد في وضح النهار ومن جب الغدر.
غريبة أنا في مدن المنافي البعيدة.. زنوبيا العائدة إلى ساحة الأمويين تضمد الجراح النازفة, لم ترد محتاجًا, لم تخادع, لم تساوم.. أرنو لحافة نهار آفل قد يأتي إليّ ويحملني إلى مدينة لم يلوِّنها الرماد.. بدمعات أغرقها الملح، غادرت مدينة ومدينة, أخذتني محطات الغياب, أبحث عن ملاذ آمن لروح أنهكها طول المسافات, أمضي لطرقات لا أعرفها ولا تعرفني ووجوه تنكرني, صرت الأشد غربة عن نفسي وعمَّن حولي, يسكنني الحلم وأمنيات بعيدة.
قد يجمعني بك لقاء الغد أو ما بعد الغد، هاربة أنا من أعرابي يتعقب ملامحي وبقايا من ظلي, سأقول له كلمات لم يسمعها من قبل, سألقي له بآخر ما تبقى من حروف الحكاية, أجمعها بعدما تشظت على حواف المدن البعيدة.. أنا الغريبة هنا والغريبة هناك..
مقعدي في الطائرة مقعد وحيد, يحاذيني مقعد وحيد, تطالعني وجوه غريبة وأنا الأشد اغترابا عنها, تركت حجرتي هناك ومحطات الأخبار والحكايات الدامية, منهكة أنا يا صاحبي على محطات الانتظار, تسألني ابنتي: “هل أكلت بعضًا من الحلوى؟” والحلوى بجواري ويدي ترفضها, حتى المذاقات التي كنت أحبها صرت الأشد بعدًا عنها, هكذا بدأت رحلة الغياب من قلب محطات الوصول..
في قلب المطار فتحوا حقيبتي, حقيبة كنت أقبض عليها بيدي, ولكنها الآن مستلقية على الطاولة الخشبية وقد فُتحت على كتب وكتب, حقيبة صغيرة تحمل عذابات سنوات كم أخاف أن تتسرب من قبضة يدي وتصير لا شيء..
كتبي تركن للصمت, تنظر راحة يد قد تفتح أغلفتها وتصل لسر الحكاية, نظر لي الرجل وفي عينيه سؤال, وأنا سارعت وقلت:
⦁ هي لي.. ووطن هو لي..
أغلق عليها, لتعود كتبي من جديد تلتحف الصمت وسنوات الغياب.. أنا هنا في الفندق أتوسد وسائد ليست لي, وسريرًا وحجرة ومساحات الجغرافيا كلها ليست لي, ما أريده لم يعد لي, أتلمس طرفًا من نهار قد يجمعني بسيد الحكاية, قد تدلني ملامحه عن مسرب للهروب, وها أنا على سفود الوقت في انتظار غد قريب قد يهديني حلمًا هو لي..
أبحث عن بقايا وطن بين وجبات الطعام, طالعني زعتر وزيت، حمص الشام. قد تهديني مذاقاتها دفئًا من وطن غابت ملامحه خلف بوابات البارود والدخان..
***

تسألني عن مخارج حروفي، وكيف لم يصير عليها التدجين وخلق جديد؟!.. كيف لي أن أغادر حروفي والتي سكنتها براعم من جذوري ووطني.. تهديني قارورة عطر حين تطالعني تدخل البهجة إلى قلبي, عطر يروق لي وهو حبيس قارورته, كيف ليدي أن تمتد لقارورة وتفتحها, يتسرب عطرها في فضاء الحكاية؟.. كيف لي أن ألملم عطرًا هو الهدية منك.. قارورة سكنت رف خزانتي, تسكنني كل معاني الجمال منها..
تسألني عن ملامح كانت لي وأنا الهاربة من ملامحي لتشكيل جديد.. ملامح تجاهد لأن تبقى على حافة إشراقة الصبح هربًا مغيبًا قادمًا يأتي به المدى, فتكون مرة وحيدة.. ربما أخيرة.
سيدتي لم أكن أعرف أن الأرواح تتلاقى إلا حين التقيت بك.. أيقنت أني أعرفك منذ آلاف السنين.. تلاقينا ولا أظن أننا سنفترق.. كم أشكر الوقت الذي جمعنا على ساعته.. لكِ الود ولكِ ألف قصيدة لن تكون الأخيرة ولا الوحيدة..
سيدي.. يوم ضج السؤال في عقلي وقلبي سألت أستاذي “أمل دنقل” يشبه من؟.. أجابني بعفوية: “أخناتون”.. وأنا التي تعب منها السؤال, أرسم ملامح لصاحبي الذي هناك ما أن تكتمل ريشة الفنان فيها حتى يخبو اللون وتغيب اللوحة, في هذا المكان أرسم ملامحك من عبق الأمكنة..
تتمدد اللوحة, تتجاوز محيط غربتنا ونأي مسافاتنا, لوحة تحمل دمعة من بلور مضمخة بالحنين.. لوحة لا أحد إلا أنت… لوحة لا أحد الا أنا.. صارت لي ملامح وصارت لك ملامح من روح الحياة.. ترسم ملامحي من كلمات هي براعم في قلبي لن يصيبها الجفاف.. ملامح هي لي ترسمها من كلمات وتلوِّنها من روح الحكاية.

يتبع
‎2018-‎10-‎29