العراق.. أي بدائل عن التوافقات الهشة بين الفرقاء الأكراد؟
عادل الجبوري
على مدى الأعوام الخمسة عشر عاماً الماضية، كانت القوى السياسية الكردية العراقية، تأتي الى بغداد بعد كل انتخابات، وبعد الشروع بعملية تشكيل الحكومة الجديدة، بموقف موحد منسجم، حيث تضع خلافاتها وتقاطعاتها الداخلية جانبا، وتفاوض وتساوم وتضغط للحصول على أكبر مكاسب وامتيازات للمكون الكردي، في المفاصل التنفيذية والتشريعية الاتحادية المختلفة.

بيد أن الأمر اختلف هذه المرة تماماً، فلم تستطع القوى الكردية الرئيسية حصر نطاق الصراع والتنافس فيما بينها في حدود الساحة الكردية، لتكون بغداد ساحة جديدة لذلك الصراع والتنافس بدلا من أن تكون نقاط التقاء للمصالح والارادات الكردية الداخلية المختلفة.

وتمحور الصراع والتنافس الكردي في بغداد حول منصب رئيس الجمهورية، وبما أن كل المساعي والجهود التي بذلت من قبل اطراف سياسية مختلفة، لاحتواء الموقف وتجنب التصعيد، عبر ايجاد صيغة توافقية مرضية لكل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، باءت بالفشل، لينتهي الامر الى انتصار الوطني الكردستاني في هذه الجولة على غريمه التقليدي الديمقراطي الكردستاني، بتولي برهم صالح منصب رئاسة الجمهورية، بعد حصوله على أغلب أصوات أعضاء البرلمان العراق الاتحادي في مقابل عدد متواضع جدا مما حصل عليه مرشح “الديمقراطي” فؤاد حسين، فإنه من المتوقع والطبيعي جداً أن تتجه الأمور الى المزيد من التأزم والتصعيد، الذي لا بد أن ينعكس سلبيا على عموم المشهد الكردي العام.
وبما أن خيار التوافق والتفاهم داخل البيت الكردي، قد غاب أو غيّب في موضوع اختيار رئيس الجمهورية، فلن يكون غريبا ولا مفاجئا ان يغيب ويتلاشى في الموضوعات والخطوات الأخرى اللاحقة، بل وأكثر من ذلك، لن يكون غريباً أن نشهد اطلاق رسائل سلبية ومقلقة من كلا الطرفين، وتبادل اتهامات قديمة – جديدة من خلال المنابر السياسية والاعلامية العلنية.
واذا لم نشأ أن نعود بعيداً الى الوراء، ونخوض في الكثير من حقائق ووقائع الصراع الكردي – الكردي، بأبعاده السياسية والعسكرية والفكرية، فإن الرجوع قليلا، والتوقف عند افرازات وتبعات الاستفتاء الكردي حول انفصال الاقليم عن العراق في الخامس والعشرين من شهر ايلول – سبتمبر من العام الماضي، يعزز حقيقة واضحة، مفادها أن الاستفتاء ساهم بقدر معين في إحداث تصدع جديد في البيت الكردي في فترة زمنية حرجة وحساسة للغاية بالنسبة لمواطني اقليم كردستان العراق، تمثلت اضافة الى الاوضاع الاقتصادية السيئة، والتحديات الامنية المقلقة، بتغيرات وارتباكات واضطرابات في الخارطة السياسية الكردية، جراء غياب زعامات سياسية كبيرة، مثل الامين العام للاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني، والمنسق العام لحركة التغيير(كوران) نوشيروان مصطفى، وبروز عناوين ومسميات حزبية جديدة.
ربما لا يختلف اثنان على أن التوافق القلق والهش الذي وجد في اقليم كردستان بين الحزبين الرئيسيين قبل حوالي عشرين عاما، لم يكن له ان يتحقق لولا ضغوطات وترتيبات خارجية، كان للولايات المتحدة الاميركية دور محوري ومؤثر فيها، وفق ما اقتضته مصالحها، وعليه فإن ذلك التوافق القلق والهش معرّض للتصدع والانهيار في حال لم يحرص الاكراد أنفسهم على ادامته بالحد الادنى، وفي حال رفعت اليد الاقليمية والدولية عن دعمه ورعايته.
تبدو مؤشرات الآونة الأخيرة غير مشجعة، وحملت بين طياتها ملامح التأزيم والتصعيد، فقبل انتخابات الثلاثين من ايلول – سبتمبر الماضي، أعلن رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني ومسؤولين اخرين في الحزب، أن الحكومة الكردية القادمة ستشكل وفق مبدأ الأغلبية لا التوافق، وبعد اجراء الانتخابات وظهور نتائجها، التي بينت فوز حزب البارزاني بالمركز الاول، بات الحديث عن حكومة الاغلبية يطرح بصوت عال، وهو ما بدا وكأنه قرار وتوجه باستمرار التصعيد الكلامي ضد الاتحاد الوطني.
إضافة الى ذلك، وجد البارزاني في الذكرى السنوية الأولى لانسحاب – أو خروج – قوات البيشمركة الكردية من محافظة كركوك، وتسليمها للقوات الاتحادية، مناسبة وفرصة لتوجيه الاتهام لخصومه بخيانة لكردستان والشعب الكردي، متعهدا باستعادتها من جديد، في ذات الوقت، رد الجانب الآخر بحملات سياسية واعلامية مماثلة ضد البارزاني وحزبه.
من يضمن أن لا يلجأ الاتحاد الوطني الى تشكيل ادارة مستقلة في السليمانية حينما يصل الى طريق مسدود مع غريمه الديمقراطي
ثمة من يرى أن طي صفحة التوافق الهش بين الفرقاء الاكراد، يعني فتح الباب واسعا لكل الخيارات والبدائل السيئة، ولعل مثل هذا التصور، ان لم يكن واقعيا بالكامل، فهو قريب جداً من الواقع، اذ انه بحكم خصوصية واستثنائية الظروف والاوضاع العامة، ما زال الوقت مبكرا لمغادرة مبدأ التوافق في العراق عموما وليس في اقليم كردستان فحسب، ولعل مجريات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة تؤشر الى تلك الحقيقة بكل وضوح.
ربما يستطيع الحزب الديمقراطي الكردستاني(البارتي)، الحاصل على خمسة واربعين مقعداً من مجموع مقاعد البرلمان الكردي البالغة مائة وأحد عشر مقعداً، اقناع كتل صغيرة للتحالف معه من أجل تشكيل أغلبية تتيح له الذهاب الى تشكيل الحكومة بعيدا عن حزب الطالباني(اليكتي)، وحتى الهيمنة بشكل أو بآخر على مقاليد البرلمان المحلي للاقليم، بيد أن القضية لن تنتهي عند هذا الحد، لتسير الامور على ما يرام، بل على العكس من ذلك تماما، لأن الاتحاد الوطني الكردستاني الذي حصد 21 مقعداً فقط في انتخابات برلمان الاقليم الاخيرة، لن يقف متفرجا ومكتوف الأيدي، فهو يملك قدرة عسكرية لا تقل عدة وعدداً عما يمتلك الديمقراطي الكردستاني، ويمتلك جغرافيا واسعة، تحظى بأهمية استراتيجية من جهتي الشرق والجنوب، وله حلفاء وأصدقاء في بغداد، وفي الفضاء الاقليمي، وهذه كلها عوامل لا يمكن تجاهلها وتجاوزها، والاحتكام فقط الى لغة الارقام التي أسفرت عنها الانتخابات.
من يضمن، أن لا يلجأ الاتحاد الوطني الى تشكيل ادارة مستقلة في السليمانية، حينما يصل الى طريق مسدود مع غريمه الديمقراطي، ويجد أن أبواب أربيل موصدة أمامه، لاسيما وأن هناك تجربة أو تجارب سابقة في هذا السياق، ولو حصل ذلك، فإن الاثار والتبعات السلبية سوف تنسحب على مجمل الوضع الكردي، بدءا من دهوك، مرورا بأربيل، وصولا السليمانية، وعند ذلك، لن يكون الحديث عن مقاعد برلمانية وحقائب وزارية مهما الى حد كبير في قبال حقائق ومعطيات من نوع آخر على الارض، وقبال مزيد من المشاكل والازمات والضغوطات على المواطن الكردي، الذي يتطلع – كما هو حال المواطن العراقي في بغداد والبصرة والنجف وبابل ومحافظات البلاد الاخرى – الى تحسين أوضاعه الحياتية المعيشية والخدمية، أكثر من انشغاله بالعناوين والمسميات السياسية والحزبية التي تتصارع وتتدافع على المواقع والمناصب والامتيازات والنفوذ.

2018-10-22