مدن بطعم البارود..ح6
رواية

بشرى أبو شرار

من الأرض نروي حكايات هي لنا:
“من “الكباس” شرقي العاصمة “دمشق” وما بين “الدخانية” إلى “جسر الكباس”, وجيش مرابط, يواصل ليله بنهاره, ورجال وقد قدت قلوبهم من سواد الأرض, يحفرون الأنفاق ليخرجوا بركانا من فتحات الأرض, شيمتهم غدر وخيانة, عبروا من تحت الأرض عن كمائن الجيش, حوصرت “الكباس”, أخذوا”الدخانية” وتمركزوا في أعالي البنايات بقناصاتهم, صمد الجيش المحاصر من الأمام إلى الخلف, استشهد الرجال, لم يبق أحد, وهم عاثوا خرابا وتدميرا في كل مكان, يهدمون الحوائط, يعبرون من بيت إلى بيت..أعدنا تجمعنا من جديد, استعدنا مواقعنا, وأعدناهم لمنطقة “الدخانية”..
استشهد رفيقي “شعبان” أعدنا بيوت “الكباس” من جديد, ما بين دخان البيوت المحترقة والتي امتزجت برماد الأرض ولهجات غريبة نسمعها.. تشرد من تشرد وعاش في الخرائب من لا مال له ولا حيلة, القناصة يتسللون لأعالي البنايات رشاشات وأسلحة متطورة, استشهد رفيق آخر وأصيب ثلاثة, كل هدفهم أن يعبروا إلى دمشق, من “الكباس” إلى جرمانا, إلى مناطق قريبة من جوبر, اختراق الكباس لإلهاء الجيش عن دحر المسلحين من جوبر.. الكباس هي مدخل لمدينة دمشق, دم الشهيد ومن أصيب في هذه المعارك الطاحنة هو من حافظ على دمشق من السقوط, لو تأخرنا عن استرداد الكباس لسقطت دمشق.. وهناك حيث باب توما.. كم كنا نخاف لأن تضيع دمشقنا الغالية..
ظهر وجه سيدة الأرض:
“لحظة دخل المسلحون, ودعت ابني على أول الحارة, سلمته لرب العالمين, قال لي: “ادعي لي يا أمي…”.. استشهد “عبد الحميد” ليتني ما تركته وكما ذهب ذهبت أنا.. لم يتبق في قلبي خوف, قهرت على أبنائي ولكني لا أخاف, من قاتلنا سنقتله, استشهد أبنائي: “محمد أحمد الحسن”، “عبد الحميد الحسن” تركوا لي أطفالهم.. سأقول لهم أن آباءكم أبطال, حتى وإن كبروا حملنا السلاح دون خوف.. هم من أتوا إلى الأرض خلسة.. وسوف يخرجون منها أشلاء..”
***
مدن وقد صارت مذاقاتها بطعم البارود.. أقتفي حكايات من التاريخ البعيد, وقوم لم يبدلوا ولم يغيروا في أن يخربوا ويقتلوا, يهجروا, ينشروا الدمار في كل بقعة مر بها “إبراهيم الخليل” تأخذني الدهشة, تلقيني لآخر حدود الدنيا, من “دمشق” توجوا “إبراهيم” أميرا، ملك في دمشق وخرج منها ليقيم في كنعان… من “بابل” كوث, حفر نهر “كوثي” وهو أول نهر أخرج بالعراق من الفرات, خلد اسمه في كل البقاع التي مر بها, من الفرات إلى الأردن, كلدان, سورية, فلسطين, آرام النهرين… “إبراهيم الخليل” وصلة قرابة تربطه بقبائل العرب, ذو خلق رفيع وعزة نفس, يتصف بها شيخ عربي, حتى جاء إلينا من يستبيحوا الدم والأرض بحجة مملكة اليهود الكبرى من العراق.. حيث الشام ومصر.. يقتلون البشر ويحرقون الأرض, صارت البلاد دمارا وقد تلونت بلون الرماد.. وإبراهيم الخليل برئ منهم ومن إجرامهم..
من “أور.. إلى الفرات شمالا.. إلى آرام, دمشق, عمون, مؤاب, بئر السبع, القاهرة “ممفيس” كل هذه البقاع الممتدة نفثوا فيها سمومهم وحروبهم, وتزيف موروث ديني يجهلونه, بل صنعوا منه تكئة ليمارسوا إجرامهم علينا…. “إبراهيم” لم يدخل فلسطين غازيا ولا فاتحا, بل متنقلا ما بين مسقط رأسه ووادي الفرات… النبي الوحيد الذي سمي “خليل الله” زعيم سياسي وروحي, عربي قح, متصل بالقبائل العربية في جزيرة العرب وليس له أي صلة بعهد موسى واليهود الذي يقع بعد عهده بسبعمائة عام..هكذا هم.. يقيمون وجودهم على الزيف وسفك الدماء والتدمير والقتل.. هكذا تستباح دمشق.. فلسطين.. بغداد..
***
أسلمت نفسي للطريق وكأني أمر به للمرة الأولى , أنواره تتكسر على زجاج سيارتي , وبحر لا يمل من أنوار مدينته , يحتضنها في قلب موجاته المسافرة ….في هذا المساء قمر يصير هلالا , يتوارى خلف البنايات , يتبع خطاي , يرسل لي آخر ما تبقى من خيوط نوره يهمس لي ” وداعا يا ابنة الوقت ” ….. من وداع قمر آفل إلى لقاء قلب وحيد
على مقهى في المدينة القديمة ….
مثقل قلبي من حكايات عاشقة …. مثقل قلبي من ما تبقى من وقت ألملم خيوطه في دمعات الغريبة ….
” عذاب الركابي ” على موعد مع الوقت يحمل في قلبه ” رسائل المطر ” وزنبقة لا تحضر مجلس الشمس التي تغتاب العصافير …. ومن تناسل البنفسج واستعادة الأرض , ذاكرة الطفولة , وشوك لا يعرف كيف يتحرر من ذنبه كي ينال رضاء الفراشات …. هي حروف من كلمات هذا ” العذاب ” تمر بخاطري وأنا جالسة على مقعد وحيد أنتظر قدومه حيث لقاء لم يتجدد من زمن بعيد ….
” عذاب ” يتماهى وزهراته , يفتش لهن عن الأعذار , يبرر خجلها في شذاها , يبرر برد السحابة في عناقيد مائها , يبرر فوضى العاشق في هيامه …. عيني تجوب الطرقات , تمر بكل عابر سبيل , قد يطل عليّ وجه ” عذاب ” حين يدخل مقهى ” محطة الرمل ” الذي عرفناه من عقود بعيدة …. حين أطل عليّ ” عذاب ” بوجهه حضرت بغداد …. فرات … فرات …. وهو الذي استعذب حروف نهره وأطلق ذات الاسم على ابنه , ليظل فرات نهرا لا ينضب ماؤه في حنايا بيته حيث مدن المنافي البعيدة ….قد يأتيني الوقت الغائب وأستعيده من جديد وأمعن التحديق في خطوط ” حامورابي ” لحظة يطل ” عذاب ” من بيت القصيدة ” بغداد … هذه دقات قلبي ” قد يفيق ” سهراب ” من غيبوبته , ويسكن النور لحن عوده , يذبل النحيب وتورق براعم الفرح , وتعود لأطفال العراق عيونهم ليقرأوا رسائل المطر من روح ” عذاب ” الذي لم تضيعه محطات الغياب , كان بيني وبينه نضد وفنجان قهوة وعبق النراجيل حائمة في فضاء حكايتنا , يدور بعينيه في مكان لم يألفه من قبل , يعود يتأمل ملامح وجهي قد يستعيد سكينته غابت عن روحه , يعيد الكرة مرة أخرى , يمر بالجدران , بالوجوه المكدودة , يتأمل الزوايا فجأة أشار لي :
_ هي النجمة السداسية …. نجمة داود نقشا قديما الجدار ..
نقر على النضد وكأنه يودع سلامه :
_ تبا لها من نجمة تلاحقني في كل مكان , صدقيني يا وردة , وجدتها محفورة على منبر مسجد في البلد القديمة والناس لا يدركون , هل تري ما أراه الآن ؟!…
استدرت أنظر الجدار خلفي , هي ذاتها النجمة التي يقول وقد رسمها الرسام تسقط من فضاء معتم , تتلقفها ربة الجمال التي سكنت الحائط من عقود بعيدة , عصف بنا بركان , هل نقبض على ممحاة نمسح بها الجدران , نمسح نجمة لا تكف تلاحق أحلامنا , تنشر العتمة مساحات الضوء , وروح الفقد في كل مكان تحط عليه ….
غامت ملامح ” عذاب ” حائما في روحه حومة الفراشات الباحثة عن ملاذ آمن , دفس يده في جيب معطفه الصوفي وانتشل كلماته قائلة بلغة تقطر بالسخرية :
_ هذه مرثيتي من روح القصيدة يا وردة … اليك بأسئلة مشاغبة …
” الحب حياة !… الكراهية : موت !…. نكتب لننتحر !…. فلماذا تخبىء الحروف ايقاعها الصاخب , حين يأخذ الصمت كرسي الكلام ؟…. لماذا لا يجاهر النور بسحر آياته, حين يلهو باستعاراته الظلام ؟ …. إذا كان الموت ليلا طويلا !… لماذا لا نعيش الحياة , صباحا دائما ؟ …. اذا كانت الأوطان من ورق في تأملاتنا , فلماذا نسعى لنكون سطرا مهملا فيه ؟…. ليس هناك كاتب سعيد !…. فإلى متى ؟ يظل يبني بيته الورقي بجوار بركان ؟….”
ولقاء كان لي مع ” عذاب ” في قلب المدينة القديمة , بين حروف أسئلة مشاغبة لن يكف يسألها …. ولن تتوقف دهشتنا وحيرتنا لأن نجد لها اجابة تريح قلوبنا المتعبة من روح الوجع ….
***
خيمة في قلب الصحراء.. أنا ورفاق لي, نتوسد تراب الوطن, منه تشرق شمسنا، ومنه تغيب.. قال لي رفيقي:
⦁ كم أشتهي حبة مكدوس..
في خيمتي خزانة صغيرة, تسكن رائحة أمي.. أصناف من الطعام وقد جهزتها حتى طلوع الفجر لأحملها معي, حيث رحيل قد يكون الأخير، وصبح قد يكون الأخير. حملت من مطبخها مكدوسا وقد حشته بحبات الفستق, فتحت العلبة, والتي سكنتها آخر مكدوستين.. تقاسمتهما ورفيقي.. كان الخبز، وكانت ذخيرة ونسمات هواء.. ورفيق تتجاذبه الهواجس, وتسكن روحه الأمنيات ألا يمرض صغيره في وقت هو في الجيش.. هل تصغر الأحلام وتصغر حتى الموت، لصيف قد يكون الأخير..
“محمد فاتح نعال” سمي “محمد فاتح” تيمنا بمن فتح اسطنبول…
سيدتي التي هناك:
“حروفك غالية في قلبي, تأتيني ترياقا في غربتي ومحنتي التي أعيشها بعيدا عن “حلب” مدينتي التي غيَّبها دخان حرب دائرة.. حروفك كالبلور في محيط غلبت فيه الغشاوة كل شيء, صال النفاق والكذب, لم يبق إلا نور خافت قد يضيء لنا مسارا صحيحا كي لا نغوص في الوحل ونتوه عن الدرب.. نور من كلماتك هو ما تبقى لي في ظلمتي، وهو الهدية الأجمل.. كم وددت لأن أكون من رجال الأدب, قارئ عادي أنا, في غربتي كان صديق عمري هو الكتاب, وبيت لي هناك حيث “حلب” كنت الوحيد من بين أفراد عائلتي أتابع الدراسة, لم يكن هناك من يرشدني في أي الاتجاهات أمضي, وأم رحمها الله لا تعرف القراءة, كانت تطالعني بابتسامة كلما وجدت في يدي كتابا, تعلمت من كتب صاحبتها على مر سنوات أن أمة لا تعرف تاريخها مصيرها العدم, وكم يحزن قلبي لزمن صار فيه قابيل العربي يقتل, ودون أن يندم, واجتمع كل قابيل في ساحاتنا العربية..
يقال أن الحياة تولد من رحم المعاناة, وإرادة الحياة تنتصر, مع سماع دوي الانفجارات وزخات المطر، أقيم حفل عرس لولدي الأوسط على عروسه في المنطقة التي شردوا إليها, كان الحضور مختصرا على الأسرة ووالدة العروس وخالتها, وعصابات الإرهاب سرقت بيت العروس وأولها ثياب العرس, كم أشكرك على اهتمامك الذي ينبوعه أصالة متجذرة في شخصك الكريم, أطمئنك على عائلتي, اتصلت بهم في مكان نزوحهم “تركيا” كشفت عن وجهها القبيح, وحين يأتي الجيش ويطهر الأرض تهرب العصابات وتوفر لهم “تركيا” ملاذا آمنا, مستشفيات وذخيرة, تدريب وحماية, هي حرب غير معلنة كل غايتها تركيع سورية وإنهاكها والدفع بأعداد كبيرة من إرهابيين مغرر بهم للجهاد في سورية!!..
أهلي في حلب خبزهم الذي يأكلون وماؤهم الذي يشربون, وهواؤهم المطعم برائحة البارود يتنسمون.. أصبحت الحالة السورية كأختها الفلسطينية.. الغريب للغريب نسيب, وصك قرابة ما بيني وبينك وأنا أشتم هواء فلسطين, هائم ما بين سهولها ورباها..
عشرون يوما كنت أتنسم هواء فلسطين وهي على مرمى بصر, وحفيدتي التي رأيتها أول مرة, وابن تزوج في زمن الرعب, دون أهازيج الفرح, حين أسمع حكاية عرسه تمتزج سعادتي بدموع الحزن, وحكايات كثيرة لأسر لا تزال تعاني من التهجير والتشرد..
مخيم “الزعتري”تكتب فيه ألف حكاية وحكاية عن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان, تعبنا وتألمنا كثيرا حتى وجدت سورية وبشَّارها جنة العرب والعروبة, لذلك تآمر العالم عليها كما فعل أخوة يوسف, ولا أدري إن كان هذا يتبعه سبع عجاف؟..
في عودتي من ذلك الصبح, كان مروري فوق فلسطين, رأيت أرضها لأول مرة, وتنسمت هواءها جبالا وتلالا, طرقا التفافية, مضى وقت قصير حتى صرنا فوق الشاطئ على بحرها الأبيض, رنوت لشاطئها حتى غاب وبقيت زرقة البحر والسماء, دارت في مخيلتي أفكار وأفكار اشتقت للعودة هناك ولم أصل “موسكو” كم أتمنى أن تهب رياح السلام على أرض السلام وبلاد الشام, نتخلص من كابوس الغربة والتهجير.. شوقي لعائلتي وصل فوق صبري, لا أستطيع الذهاب لرؤيتهم, يعيدني الماضي البعيد ليوم كنت أسمع إذاعة “دمشق” ورسائل صوتية لن تغيبها الذاكرة, أهدي سلامي للأهل في “حيفا”.. قديما لم أتذوق طعم المرارة لقائليها كما أتذوقها اليوم, يكفي قلبك ما عانى, ولا يعرف ألم المكلوم إلا من يكلم..
هناك تحضرني سورية, وظروف معيشة ممزوجة بمعاناة وقهر, ما بين انقطاع الكهرباء, ماء, والتدفئة صعبة للغاية.. اشتقت لأهلي ولا أستطيع الذهاب حيث هم, أفكر أن أذهب إلى “دمشق” ومنها إلى “طرطوس” ومن ثم يحضرون لهناك لأراهم، وإن كان بعضا من الوقت, تذكرتك يوم كنت وأنت صغيرة تحملين الخبز إلى الفرن, وكيف انتابك الخوف لوحشة الطريق, كنت إلى جانبك أسمع دقات قلبك الصغير, التهمت الكلمات لأطمئن بوصولك بالسلامة, طفولة قاسية, يريدون توريثها لأجيالنا وقد فعلوا, بأيدي أغبياء الوطن والخونة, وهذا ما يزيد الألم ألما, نعيش حالة مد وجزر مع أعداء الأمة وأدواتها التي تنوعت بشكل لم يخطر ببال, حتى من نذر نفسه للجهاد ضد الصهاينة أرسل للجهاد والاستشهاد في سورية, لم أعد أحتمل ما أسمع وأرى..سنكتب التاريخ بدم الشهداء ودموع الثكالى والأيتام, ثمنا باهظا دفعه الشعب العربي السوري..
زوجتي والأولاد والأحفاد في سورية, أوقد الجبناء نار حقدهم واستهدفوا “حلب” سرقوا المنازل والأسواق, وسرقوا المصانع حيث “تركيا”، “حلب” تعاني من هجمة مغولية شرسة.. خرجت اليوم من المشفى, كلماتك كانت ضمادات لجروح غائرة, في البلاد التي لم تعرف الله, يقولون عن الممرضة “الأخت”..هل علينا أن نستورد ثقافتنا من الصينواليابان لأمتنا؟!.. هل جفت ينابيعنا؟!.. أم عقرت الأمهات أن يلدن رجالا؟!.. فساد في “حلب” كبير تجارة بالماء والكهرباء, والبلهاء يسفكون الدماء..
***
‎2018-‎10-‎20
يتبع