مدن بطعم البارود..ح4!
رواية
بشرى أبو شرار
***

***
من تداعيات الوجع كتبت “زهراء” من دمع الحكاية:
“أنا من “حمص” عمري أربع سنوات, كنت وأمي وأخي الصغير عائدين على الطريق حيث البيت, صار الرصاص من حولنا, أصابتني رصاصة, أصيب أخي وأمي والسائق, أنا مشتاقة لأخي وأمي, آخر ما رأيته شوارع “حمص” التي أحبها, أحب أمي وأخي كثيرا, كان رحيلي سريعا , لم يمهلني الوقت لأقول لهم وداعا..”
ومن ترنيمة “زهراء” إلى مرثية “ساندرا الحسن”:
“على سطح منزلي أخذتنا الألعاب أنا وأخي, داهمنا الوقت, فكانت رصاصة قناص هي الأسرع إلى قلبي, من “كرم اللوز” من سطح دارنا في “حمص” الحبيبة لم أستطع أن أودع أخي الصغير, فكانتتلك آخر لحظات أقضيها مع أخي..رصاصة أخذتني, سرقت ابتسامتي, سأشتاق لأمي وأبي, إخوتي, كتب مدرستي, معلمتي, أصدقائي, هواء مدينتي, رائحتها.”
***
في عتمة الليل, عقرب الساعة يجرح فضاء حجرتي, أبعثر الكلمات, أطيِّر الأوراق ثم ألملمها, قد أجيد ذلك, وقد تصيبني خيبة أمل عبثية في ساعات الليل الأخيرة, أفتح الصفحات, أقرأ عناوينها, وساعة الوقت تشير إلى اكتمال عام على رحيل “ميرابو”.. جمعت قوتي أبحث عن مرثية حزن من أيقونة فرح قد تصل إليه, دق هاتفي النقال, أرقام لا أعرفها, عاد إلى صمته, وعدت أنا من جديد أبحث عن غريب يطلبني, صوت من بلاد بعيدة, تشبه بلادي, سألته عن اسمه قال أنا “علم خضور” من سورية.. سألته كثيرا.. سألني قليلا, حكيت له حكاية “ميرابو” الذي مضى وعاد في كفن, قال لي: “هو رفيقي”.. أي ليلة هذه؟! وأي وقت الذي يأتيني الصوت الهدية من بلاد “ميرابو” ورفيق دربه.. كيف أبدأ الحكاية؟

يروي “علم خضور” حكايته و”ميرابو”:
“كنت أنا و”ميرابو” وأخي علي، وأحمد، وعلاء، وخليل, وعمار, وغدير.. رفاق من حارة واحدة, رفاق الحزن والفرح.. دقت طبول الحرب, التحق ميرابو بالجيش.. أحمد, خليل, عمار ذهبوا للكلية الحربية, غدير وأنا التحقنا بالدراسة، وكأني المثقف الوحيد بينهم, نلعب معا, نسافر معا, نسهر أحلى السهرات, ونعيش أجمل الأوقات.. كان لـ “ميرابو” صوت مسافر له ترنيمة من شجن وأسى, صوت يصافح قلوبنا قبل آذاننا, وكأنه يعلن عن اقتراب موعد الرحيل, وأخي “علي” كان متميزا بيننا, يفوز بالألعاب وله ثقافته وحضوره, “أحمد” كان بيننا, ويوم دق قلبه للحب التحق بالنادي, وصرنا نتحدث عن قصة “أحمد”, بل أقاصيص لا تنتهي ومحبوبته, و”عمار” يوم نهرب من يوم دراسي نهرب إليه, خليل كان يميل إلى القصر, نطلق عليه “قزم موسكو”،و”علاء”، وكيف كان يخيف أهل حارتنا بكلبه, وكم من الصبايا يشكين منه.. هؤلاء هم رفاقي, اليوم صرت أنا وصديقي وحيدين دونهم, كنا ثمانية وصرنا اثنين, اليوم قالوا لي غدا ستصل جثامين: خليل وعلاء وعمار…
“ميرابو” لم يتوقف صوته عن الغناء.. أخي “علي” سيفوز كما كان… و”أحمد” الآن يقص حكاية شهادته مع رفاق سبقوه إليها..و”عمار” هو الآن على ذات الابتسامة, ابتسامة تعجب لها, هل هي سخرية من حياة عبثية, أم ابتسامة من روح الحياة.. هل سنعود كما كنا معا إذا لحقت بهم واستشهدت أنا وصاحبي الوحيد, كنا ثمانية, صرت أنا وهاجس الفقد أن يرحل آخر أصدقائي..
***
هو ذاته شدو العصافير.. هي ذاتها ترنيمة عشق الوطن.. هي ذاتها وجوه الأمهات “أم الشهداء”، قرية “جبلة”، قرية “أم الحويث”، وسميت بهذا الاسم لكثرة ما قدمت،تروي قصص أبطالها والتي زفتهم بيدها..حدثني ابني “فاطر”:
“كنا اثنى عشر, كان هناك قناص يتربصنا, أصيبت يدي, لم أشعر بإصابتي, عبرت بيدي المصابة ودمائي نازفة لأنقذ رفاقي, أطلقوا علينا الغاز الكيميائي, وكل هذا لم يوقفنا عن مهمتنا المقدسة, وصلت للمستشفى ويدي مهشمة, حاول الطبيب قدر ما استطاع, ذراعي مهشمة وأصابعي أذابها حريق البارود, أفقت من الجراحة فكان رفاقي حولي, نسيت كل شئ لحظة قالوا: “انتصرنا يا رفيق الدرب”
مد ساعده المبتور ليحتضن أمه, فعجز أن يلف رقبتها كما كان من قبل هذا الزمان, مد يده المبتورة فكانت الشاهد على بشاعة الجرم, على وحشية غائرة في جبين الإنسانية..
همس من جرح قلبه النازف:
“كم أخاف أن أرى دمع أمي.. وعدتها أن أعود, ووفيت بوعدي, عدت إليها ولكن بذراع واحدة”..
شال أبيض يغطي خصلات شعرها, قرط ساكن على وجع الحكاية ومرارتها, يعود يتراقص على أنشودة الانتصار:
“قبل أن يحزن ابني, يحزن قلبي, ضممته إلى صدري في لحظة كان الحنان يملأ الدنيا بحضوره”..
***
ذهبت مع الرفاق لا أخ لي, ويوم التحقت بهم كنا تسعة أخوة, نصنع تاريخنا من ذلك اليوم..أصيب “جميل”؛ حزن قلبي.. حين يصاب جندي من رفاقنا لا تضعف عزيمتنا ولا تنثني أهمس في أذنه:
“دمك ياقوت وعقيق يا رفيقي, وعيونك من نور الشمس”
رفاق استشهدوا ودفناهم في أرض “الدير” وأرض “الدير” هي أرض سورية, سقط صديقي وترك لي هدية أمانة أوصلها لأمه “علم سورية” نذهب به أينما ذهبنا وأينما كنا, نحن جيش الأسطورة، جيش جبار, لنا همة, لنا الكرامة, وقف شامخا على قمم تضاهي شموخه..وردات من لون دم مسكوب تقول “نحن منتصرون”.. أمي تبثني روحا تتجدد في قلبي بحتمية الانتصار:”ارفع رأسي بك”
***
تتحدث والدة “نمر”:
“أبنائي كل إصاباتهم في أيديهم, عظام أبنائي تناثرت وسألملمها بيدي..”نمر” كان يحدثني:”كنت أتوقع الموت يا أمي, نقاتل لأجل الوطن, لا نهاب الموت..”
أطلت قطوف العنب لتبتسم دمعات من قلب الحكاية.. تحرق قلبها تنهيدة من وجع:
“هو الله الحامي لأبنائنا.. يقاتلون لأجلك يا وطن, لا نعتدي, هم من يقتلوننا في بيوتنا..”
***
“علي” بطل.. أصيب “علي”:
“ذهبنا لنأتي بالذخيرة, وفي طريق الرجوع على طريق “داعر” خرجت علينا سيارة, وبدأ إطلاق النار علينا, أخذت إصابات, اخترقت ظهري… وطني مقبرة الإرهاب والمعتدين..لنا بلاد لا حدود لها وما زلنا نحبها..”
***
تروي أم حكاية فراق عصية:
“أكثر من عشرة شهور لم أره, نبكي معا, نتحدث معا, يطلب دعوات, أقول له “سلمتك لله…” كم مشتاقة أنا له ولجميع رفاقه, سلمت أمري لله ليرجع ولدي..”
لبلادنا سقف من سحاب, في بلادنا نرسم خارطة الغياب, وحرية الموت اشتياقا واحتراقا..
هو ذاته شدو العصافير.. هي ذاتها ترنيمة عشق الوطن, هي ذاتها وجوه الأمهات..عبر بيده المصابة ودمائه النازفة لينقذ رفاقه.. ذراع مهشمة وأصابع أذابها حريق البارود وأم لا تكف تنشد أنشودة الفرح, وأم لا تكف تردد كلمات تؤنسها في بحور الألم:
“له قلب أقوى من قلبي”
وشال أبيض يلف خصلات شعرها, قرط يتراقص على وجع الحكاية ومرارتها لتولد أنشودة الانتصار..
***
“وسيم خضور” ورفاق له من قامات السنديان.. الأرض لاتزال تلقي لنا من خيراتها, ولايزال النهر على جريانه, العصفور على شدوه والبيوت رابضة في مطارحها, وعلم يداعب الروح في ترنيمة عشق أبدية..
***
“ماهر عمران صالح”:
“التحقت بالجيش بعد الهجمة المغولية علينا..”
“ماهر” يصر أن يروي حكايته تحت ظل شجرة من ذات الأرض التي جاء منها:
“من ريف “اللاذقية” إلى “حلب”.. من الشروق إلى الغروب ونحن أبطال الحكاية, خفافيش الليل صارت تحلق فوق رؤوسنا, قذائف هي المطر الأسود المضمخ بالدم, رحلوا رفاقي “جهاد حاتم”…
من دمع الحكاية توقفت كلمات “ماهر” حالت عبارته لأن يكمل ما لا تحتمله الذاكرة التي استنامت على حزن مقيم:
“قطع الإمداد عنا, لا طعام لا ماء, كم أكلنا من ورق الشجر تحت وطأة هجمات ثقيلة, ذهب الرفاق ليأتوا بخلية نحل, في الصباح لا يخرج النحل من خليته من شدة البرد, فتحنا الخلية, فثار النحل من حولنا, تركنا المكان هروبا, وبعد فترة عدنا بفك الحصار, عدنا فأكلناهم, نشدو على تلال عشقنا حث الخطى عليها “موطني.. موطني..الجلال والجمال والثناء والبهاء في رباك.. والحياة والنجاة والهلاك والرجاء في رباك..”
“أيقظني “سليمان” في صباح ذلك اليوم, أزحت يده عن جسدي المتعب قائلا:
أحتاج للنوم لا أريد أن أصحو.
قم واشرب معي آخر كوب شاي نشربه معا.
خرجنا في مهمة, رحل “سليمان” وعدنا بدونه.. “جهاد حاتم” له ابن لم يكمل عامه الأول, نقل القنابل من الجهة اليمنى إلى اليسرى.. “جهاد” يقرأ من مصحف في جيب سترته, كان قائد مجموعة, يوميا كنا معا, سقطت, لم أغب عن الوعي, نظرت من حولي لأرى هل هناك من استشهد من رفاقي, من ريف الشام اسمه “شمس”
نظرت إلى يدي, أيقنت أنها بترت من جسدي, خاتم خطبتي ترنح وأناملي, ضممت ذراعي إلى صدري, كان صوت “سليمان غانم”:
“سقطت وردة.. سقطت وردة..”
سال الملح من دمع حارق يلسع جلد الوجه ويكوي قلوبنا..عانق بنور عينيه ورق الشجر, ألقى بتمنيات مبتورة لأن يعود مرة أخرى بل وألف مرة لساحة القتال من جديد..
“سحبنا تحت زخات قذائف الهاون, قذائف الهاون مهما حكيت عنها لن تصدقوني… أول وصولي لم تغب عني صورة خطيبتي, وكلماتها لي مودعة “عد لي يا ماهر”.. وصلت لمشفى “حلب” ويدي معلقة, سألتني الممرضة: “لم أحضرت يدك معك؟!.”.. قلت لها “خاتم خطيبتي معلق في إصبعي..”، سألتها: “هل ستبتر ساقي؟..”.. قالت: “لا” وبكت.. وأنا صرت على الوعد لأن أعود لخطيبتي”
قالت “ريهام” خطيبته:
عاد “ماهر” كما وعدني حتى وإن عاد حاملا يده المبتورة..
يكمل ماهر ما تبقى من دمع الحكاية:”أمي ماتت..”
صار يحمد الله أنها ماتت قبل أن يراها تموت، فسيموت وراءها.. دموعه غسلت الحكاية, صارت حكاية من ملح..
“بين سقوطي ووفاة أمي ثلاثون يوما.. أمي شهيدة, مثلها مثل أي شهيد, انقطع الدواء عن أمي, حيث قذائف الهاون, حيث رصاص أسود.. حيث دماء وأشلاء.. راحت يدي فداء دمعة أم تبكي على ابنها, كم أتمنى أن أتعلم الرماية بيدي اليسرى, لن أحزن على يدي المبتورة, بلدي أغلى…”
حين تطل “ريهام” عليه تبادر في سلامها من بقايا يده المبتورة….
“ريهام” وأبي, رفاقي, جيراني هم من أهدوني القوة, ولهم كل الفضل, قدمت ما طلبه الوطن, وأنا لبيت النداء, بترت ساقك.. يدك.. الروح فداء تراب هذا الوطن..
***
“علي نظير خزام”
بلدة لك يا “علي خزام” غارقة في ضباب الصبح المسافر, تشلح عنها حزنها على ترنيمة أذان ديك يعلن عن شروق نهار جديد, تتبعه زقزقات خجولة لعصافير الوادي, ونار الطابون تسكن في أحضان أحجار مشتعلة سكنها سواد الأرض, يحترق لها ويموت لأجلها.. أرغفة الخبز تسكن حنايا الأكف, تعلن عن خير لم يغادر بلادنا, يترقرق النهر, يقبل تراب الأرض, براعمها, صخورها, ضحكات أطفالها, شدو عصافيرها..
لك مدينة تسكن الغيمة, تقبل وجه الريح, تطوف بنا مرثية فراقك يا علي, توجع القلب وتدمع لها العين, مرثية من فرح وحزن, تعلن أننا منتصرون, من سبعة حروف كان اسمك “علي خزام”..
“لا تبكوني أهلي وأولادي, دمي رهنته لأجل شعب هذا الوطن..لا تبكي يا أمي, قولي لأولادي ولأخي روحي في الجنة.. وجسدي أذابه تراب وطننا الغالي..”
“علي خزام” له بيت صغير يستلقي على كتف جبل مدينته, وشرفة سكنتها زهرات اللوز ترويها يد أمه, وريح باردة تمر بها كل مساء تحمل كل الأسرار….
دخل الأحبة البرية فكان قبر “علي خزام” ما بين الأرض والغيمة, تشير طفلة نحو السماء وغيمات تحمل روحه تطوف بها الأرض.. “بابا في الجنة هناك”.. فيرحل الغيم ويرسم قلوبا, ورودا, عيونا, أسدلت أهدابها على حب تراب الوطن..
وصفوه بمحطم قاعدة الإرهاب في “باب عمرو”، “الغوطة الشرقية”، “الميدان”.. ذكر اسمه كان كافيا لزرع الرعب في قلوبهم..
“علي نظير خزام” شيخ المجاهدين, أشجار قريتك قباب من أنشودة حب وعشق للأرض, قباب تشابكت أغصانها, تميل الشمس إليها, فتجدل من خيوطها حكاية البطولة من عين “علي خزام” البطل..نتوسد تراب الأرض في مغيب الشمس, تدمع برعمات على رحيل أبطال أحبوا الحياة وصنعوا مجد الوطن..
رجال من قريتك تفرح قلوبهم على لعب النرد, يذكرون من غابوا, فتتوهج أسماء, يكبر الصوت, تكبر الدمعة, تعلن أن “علي خزام” غائب حاضر, يحيا بيننا, يحيا بحب هذا الوطن.. عُلّقَت بدلتة العسكرية بدونه, تركن للصمت المتقد بحكايات البطولة, وكلمات “علي” يرددها الكبار والصغار:
“يجب أن نزرع الفكرة.. نحب وطننا.. وكيف نكره أعداء الوطن..”
يحاكي دمع الحكاية من عيون أمه:
“أعذريني على الغياب, حامل أنا سلاحي على كتفي, للمجد فاتح أبوابي.. عائد أنالنلتقي من جديد.. أو أعود رافعا للسماء جبيني ويقولون “هاهو الشهيد”..أحجار القبور تحتضن قلوب من أدماها الفراق, تنشد أناشيد العشق لأحبة فارقوا, حوائط الرخام وقبور التحفت الصمت, وحكايات تروى لأقوال من غابوا.. “الوطن.. ثم الوطن.” كلمات أم شيخ المجاهدين الصابرة على الفقد, الصابرة على فقدان نور العين.. “رحل”علي” وأخذ النور حيث هو هناك..”على خدها الأيمن دمعة فرح.. على خدها الأيسر دمعة حزينة..
خبطات النرد تدق على جدار الذاكرة, لحكايات لن تغيبها الذاكرة ولن تسقط من صفحات التاريخ..
يردد رفاق “علي” أنه إنسان بسيط, فقير, يحب الفقراء,
“الشهيد لا يرحل عنا, الشهداء مدوا الجسور لنعبر عليها”
***
هي ذاتها العصافير.. هي ذاتها الأشجار.. هو ذاته النهر.. الحجر.. نسيم الشوق ومولد له من ذات الأرض.. هي ذاتها قامات السنديان.. سنديانة تجاور شجرة بلوط, قرية رسمت تضاريسها على سواعد أبنائها..
يقص علينا “غيث صالح” من حكايات البطولة:
“من قرية “المشاهدة” تابعة لـ “دير الزور” إلى صحراء ممتدة،إلى بنايات (المداجن) أمطرنا بوابل من الرصاص, كمين مفاجئ, أصيب خمسة من رفاقي, اشتبكنا, مر الوقت, ساد صمت حذر, خمس جثث ليست من بلادنا, ثلاثة جرحى في مسافة الخمسين متر من نقطة الاشتباك..بدأ إطلاق النار من جديد…”
سكت الكلام.. كشف عن ساقه, فبرز قائم حديدي مثبت بين ثنايا لحم قدمه…
“لم يتسرب في قلبي ألم.. رفضت أن أتهاوى على الطريق الترابي, أقمت طولي وتهاوى نصف جسدي على سواعد رفاقي..”
بيت “غيث” يحوطه حمام حط من حولنا ينقر وجه الأرض..
“كل من سقطوا أشلاء لا أسماء لهم, جميعهم تناثروا, ومن أصيبوا تركهم من كان معهم, أنا ورفاق لي صمدنا وحاربنا معا, حتى إن سقط منا شهيد لا نتركه وحيدا على أرض تنزف من دماء هي لنا..”
سنابل القمح من حولنا هي الشاهد على حكاية “غيث”، والتي هي صبر.. صمود.. قوة.. ولا يأس.. أشار لنا بيده يرنو للأفق الممتد من أمامه:
“هذه بلادي.. وكل ما صار يهون لأجلها..”
همس لضيوفه: “هيا لنمر بضيعتنا..”
لملم عكازيه وأسلم لكل يد عكازا, ينطلق في حقول من ورود الأقحوان التي تتجه صوب الشمس ولا تخطئ وجهتها.. مر بجده وهو يلف دخانه وقد افترش تراب الأرض.. شخص إليه جده قائلا بهمة وقوة تبثه حياة لغد قادم:
تعافى يا بني.. لتعود من جديد بين رفاقك في الجيش..
افترشوا الأرض.. “غيث” لمَّ عكازيه بيده اليسرى, تحوطهم تلال تزف إليهم نبأ الانتصار, وتبوح لهم بسر الحكاية.. نادى الصوت حروفا من اسم “وسيم خضور”, يطل عليهم خضورمفترشا تراب الوطن, يظهر من وجهه شاش أبيض, يغطي مساحة عينه اليمنى, يسرد حكاية قدومه حيث هم:
“أنا الآتي من منطقة “داريا” تتبعني رصاص قناص, طلقة متفجرة اخترقت عيني, اتجهت لطاقم الإسعاف المتنقل, نحن على الجبهات لا ننام, نحن كما الحق, نلتحف خطاه ليصير كما الشمس في سماء الوطن, كل المصابين ينتظرون لحظة الشفاء ليلتحقوا من جديد بالجيش..
يقبض الجد على وردة, يسكنها راحة يده, يمر بأوراقها ورقة ورقة, يهمس من قلب حكايات باكية:
“ما بدأ به الأجداد سيستمر به الأحفاد, وبابتسامة هؤلاء الأحفاد ستعود سورية أرض السنديان..”
ينفث الجد دخان لفافته.. يكمل مشوار حياة قطعة من عقود بعيدة:
“أخذوا أبي علي التركي ليلتحق بالخدمة الإجبارية في الجيش, عاد لوطنه فوجد الفرنسي, حارب فرنسا, صار حياته يقاوم الفرنساوي وبيده بندقية ألمانية وإلى الآن نحتفظ ببندقيته.. أنا في عقدي الثامن, كم أتمنى أن ألتحق بالجيش..إن أردت أن تزرع لمائة عام فازرع رجالا..
***
من ريف “اللاذقية”، “حسن مهنا” مراسل حربي في الميدان، يكتب لأمه:
“يا أمي أنا أحبك، ولكني أحب سورية أكثر”
أصيب أحد الزملاء, إطلاق نار كثيف, حملناه من تحت القنص, افترشنا الأرض, أحد القادة ينام بجواري, قلت له: “هذه أشيائي.. خذوها لأهلي”.لم أحمل سوى هويتي العسكرية, مشينا طويلا, كنا مجموعة وأنا ثالثهم, أصابتني طلقة قناص دخلت من اليسار إلى اليمين, الدم يفور في وجهي وإطلاق نار كثيف.. سقطت على الأرض, وجهي غارق بالدماء, أخذوني لأقرب مستشفى.. كم (أشرف) بضمادات على عينيّ.. كنت دوما أردد لرفاقي: “أنا مشروع شهادة، وهذا شرف كبير لعائلتنا…. راجع يا أمي, حبك ماشٍ في دمي, يعلمني الوفاء, راجع يا أمي…” وصوت يصلني.. من أين يأتي الصوت؟!.. هل هو لحن سماوي؟.. أم لحن يزف الحياة إلى الحياة من نزف من وهبوا لنا الحياة برحيلهم وبحبهم وثباتهم في عين العاصفة لأجل أوطانهم.. جيشنا كله أبطال.. هم من كل بيت في سورية, نضحي لأجل أن يعيش الأبناء.. نداء الوطن أغلى…
بعد يومين من دخولي المستشفى كنت أسأل:
“هل سيعود نور عيني لأرى أولادي، ولو مرة واحدة؟؟”
كل زائر كنت أسأله: “هل سأرى أبنائي؟…”..
عدت بعتمتي إلى قلوب يسكنها النور, حتى وإن تلونت بالغصة والألم, صرت ألمس أبنائي, أسمع صوتهم وأقول لهم:
“الحمد لله سأشفى عن قريب”..
يطبع الأطفال قبلات المحبة على جبيني, زوجتي تخدمني ليل نهار, وكل من أحببتهم من الناس وأهل الخير يساعدوني في كل مكان, تغيرت الحياة كليا, كنت لا أنام, وإن نمت أخاف أن أصحو على صدمة, هو الصبر لأجل تراب هذا الوطن, قد ألاقي الموت على الفراش, على الطريق, ولكن الشرف الكبير أنني لاقيته وأنا أدافع عن ترابه…
تقاطعه زوجته:
أستمد قوتي منه.. جميعنا اندفعنا صوب الوطن, تربية عسكرية جبلنا عليها..
عاد يروي ما تبقى من نور الحكاية:
أتمنى أن أكون آخر جريح في سورية.. ورجال على ترابها لا تهاب الموت.. لأجل الأبناء لن نتهاوى, أول جيش في هذا العالم صمد هذا الصمود, تكفيريون, مرتزقة, مصيرهم تحت ضربات جيشنا العظيم..
همسات أم لاتزال تستجدي نورا غائبا, يعود يسكن عينيه التي سكنهما وطن لن يموت..
يعود يشير للفراغ:
هذه “مايا” ابنتي الكبيرة.. “أحمد” ابني الصغير. أقول لهم أني دافعت عن تراب هذا الوطن..
سلاما سلاما يا قامة السنديان.. سلاما يا جبهة العنفوان..

2018-10-12

يتبع
***