متحف لمشتاق جابر عبد الله (منتصر)
أحمد الناصري
وقائع وتأثير الشهادة كبير بل منقطعة النظير، وهذا يؤكد النقص والفراغ الكبيرين والحاجة للشهادات والمراجعات والنقد والتقييم في ضوء كارثة الوطن ودراسة المقدمات والأسباب. لقد وصلتني مئات الردود والرسائل والأسئلة والبحث عن ضحايا في تنظيم الداخل والجبل، وهذا واجب المؤسسة والإدارة التي تخلت عنه ولم تقم به! كما إن هناك أسئلة محرجة للإدارة لكشف قبر منتصر (الحزبي) السري وتسليم رفاته إلى أمه الناطرة وعائلته، لدفنه في مكان علني بما يليق بشهيد جميل، والرد على المعلومات والملفات والأسئلة المطروحة، وعدم مجابهتها بالصمت الذي هو دليل عجز وارتباك وورطة.
إن الصمت الجبان والتهرب والانكار، مهما طال، ليس حلاً ولا ينفع أحداً، والجرائم لا تسقط بالتقادم، رغم الصمت الجماعي العام الذليل والمخزي. والتقاعد ليس حلاً، ولا يمكن للمال أن يكون مقابل الدم، أو يمسحه أو يعبر عليه. هذه مواقف وتصورات مشينة وعار على من يقولها أو يقبل بها. لقد جرى من جديد وبشكل نهائي وضع الخائن الريفي (معيدي وهذا لقب العائلة والجد) وحشره وعزله في مكانه الطبيعي والأخير، خانة الخونة (الشواذي).
هناك صوت ركيك يحسدني على صمودي ومواجهتي للأمن العام في مأثرة لم تحصل من قبل، وكأنه جلادي أو من سلمني ووشى بي، أو منهار رعديد، وكأن الحزب للمنهارين والجبناء فقط لا غير، ولا يوجد من صمد ولو واحد. وإلا لماذا يردد سياسة الأمن العام من بعيد ومن خارج القضية (لم يكن معي غير الحزب وإرادتي وقراري وجسدي المدمى!)؟
بالمناسبة يجب فتح قضايا الخلاف الفكري والسياسي القديمة والحالية، ومعها فتح ملف المندسين، خاصة الذين لا زالوا عالقين على جسد الحزب ينهشون بعقله ولحمه ودمه، من الذين وشوا بالرفاق وقادوهم إلى المقصلة!
هذه دعوة لحوار جدي شامل، وهذه مجرد بداية مهمة… طبعاً ليس كل شيء يستأهل الرد والتعليق، فهناك شروط أساسية معروفة!
اربعون عام من الصمت المريب والموافقة (والقيادة تعرف مصلحة الحزب. والقواعد تذهب وتأتي المهم سلامة القيادة والكادر!)، وهناك من يقول (مو وقتها) ولا يقترح أو يحدد وقت. وهذه الفكرة تنطوي على دعوة لفرض الصمت المريب والمشين أيضاً!
اضع نفسي تحت أية مسائلة وسؤال وحوار من قبل رفاقي…
* هناك مبادرة وفكرة مشروع من قبل صديق فنان لفلم تسجيلي حول منتصر. الفكرة في بدايتها…
من ملف اعتقالنا وتصفية منتصر…
سبب إعادة نشر المادة، هو سماعي لخبر عن أم الشهيد منتصر، بأنها غير مصدقة بواقعة ووقيعة استشهاده، وإنها تنتظر عودته في يوم ما من المجهول. فلماذا لم يجر ابلاغ الأم المفجوعة بمصير ولدها للآن لكي تعرف مصيره وتتعامل معه كشهيد، وربما تحتاج أن تحصل على الحقوق المتعلقة به كشهيد وطني؟ ولماذا لم يجر الكشف عن قبره الحزبي السري (الحفرة) الذي ألقي فيه ونقله إلى مقبرة الشهداء أو تسليم رفاته إلى عائلته؟ وهل تستمر حالة الإنكار والصمت؟
متحف لمشتاق جابر عبد الله (منتصر)
منتصر لن أنساك
لم أنس صديقي المغدور والمقتول في الغفلة، الشهيد المنسي منتصر، ولا في لحظة من حياتي. فهو مثل طائر الفجيعة والموت، يصرخ في أعماق روحي ويهز كياني ويؤرق أيامي، ويدق بجناحيه الهائلتين على ألواح الذاكرة وجدران الروح، في كل حين، ويقلق ويقض مضاجع وضمائر القتلة الباردة، ويشير الى مكان الجريمة.
منتصر، ذكرى إنسان شجاع وجميل وواعد، سقط في ملابسات وظروف غادرة وتافهة، وهو في مقتبل العمر، وفي مفتتح زهرة الشباب وشروقها الأول. وهي ملابسات جائرة وغير طبيعية، لم يجر الكشف عنها أو مراجعتها وتصحيحها الى الآن، رغم مرور ما يقارب ثلاثة عقود على الجريمة. فصار الشهيد منتصر مثل نبتة برية خالدة، تستقر في الأرض والذاكرة، وقد عاد وحيداً الى التراب والطبيعة باطمئنان تام. ومنتصر كائن حي ضمه التاريخ بين صفحاته وجنباته البارزة، بعكس القاتل الجبان، الملاحق والمطلوب، والملطخ بالعار والشنار.
دائماً وفي كل وقت وحين، كما في كل عام، أتذكر صديقي منتصر، وأفتح ملفه الحزين وأقلب أوراقه، وأستحضر ذكراه العطرة المصبوغة بدمه الطاهر، وأتفقد وأطوف في مكانه البارد والمقفر، حيث يرقد وحيداً منسياً، وأرفع قميصه الممزق راية ولافتة بوجه القتلة، وأكتب عنه، وأجلس معه، وأحاوره وأشاكسه وأسمع آراءه الجديدة، وأستعيد تفاصيل يومياته في المواقع الحجرية، وأسمع شيء من أشعاره وقصائده القديمة التي حملها معه من بغداد الى الجبال القصية، أو التي كتبها في عزلة تلك الجبال القاسية، وفي ظروف إنسانية وشخصية، متشابكة ومعقدة، أو تلك القصائد الجديدة، التي نقشها وحفرها بدمه على قبره الكئيب والمجهول والمنسي، فأبكي عليه بحرقة ونشيج المكلوم والمفجوع بأقرب عزيز. فماذا لو كان منتصر معنا وبيننا، يتنفس ويعيش كما يريد ويرغب، فما ضر ذلك القاتل؟ ذلك هو السؤال الوجودي الصعب، في مواجهة إشكالية الغياب والتغييب القسري. لكنه سؤالاً ملتبساً ومراً!
لقد أقمت لمنتصر نصباً شامخاً في روحي وكياني، وزرعت له حديقة من النخيل والصبار والآس والسدر المتضمخ برائحة الكافور، وبنيت له معبداً ومتحفا متواضعاً مثله ومثلنا، يجلو الذكرى ويتمسك بها، ويقاوم ويطرد غبار الصمت والنسيان وسخام السنوات، جمعت فيه أشلائه ومكان الطعنة القاتلة، وشبح وأسم القاتل (القتلة)، وأداة القتل اللعينة، وقميصه الملطخ بالدماء، وآخر كلماته وقصائده وحكاياته وأوراقه، وباقة نادرة من الذكريات والأحلام المشتركة، المرمدة، والممزوجة بمرارة الجحود والتنازل والنسيان والجفاء والصمت الذليل.
لا زلت أتخيل الشهيد منتصر، ذلك الطفل المولود في عام ثورة 14 تموز الوطنية، أي في عام التحول والاضطراب الكبيرين، وأتخيل ذلك الفتي النحيل الدائر في دروب وطرقات مدينة الثورة، وأتتبع خطى وحياة الشاب الودود منتصر، وسمرته وشحوبه وهزال بنيته وذكائه وتكوينه وآماله وتطلعاته وصلابته وشجاعته النادرة. إلا أنني وفي جميع الأحوال والتصورات، بل وفي أسوء الكوابيس المزعجة، لم أكن أتوقع مصيره ونهايته المفجعة والصادمة، على أيدي من يدعون ويسمون برفاقه. وهنا تكمن ذروة وتناقض المفارقة القاسية لحياة هذا الإنسان البسيط والرائع. فلماذا قتل منتصر بهذه الطريقة الرخيصة والانتقامية؟ هل كان يشكل خطراً حقيقياً يستدعي القتل والتصفية؟؟ وهل هناك سبباً حقيقياً يستدعي ويستوجب الاعتقال، ومن ثم القتل والتصفية الجسدية، أصلاً؟ أم أنه التسرع والنزوع نحو الاستعراض الفارغ والاستزلام الرخيص، وممارسة دور سلطة وهمية تجاه رفاق عزل، والتمادي في القمع والانتقام المبيت، وخرق الحياة الحزبية الداخلية الطبيعية، بسبب الخوف من الصراع الفكري الداخلي وتطوراته ونتائجه، وتحويل ذلك الصراع إلى صراع تناحري عنيف ينتهي باعتقال مجموعة من الرفاق، وبتصفية رفيق تصفية جسدية؟ ولماذا يصمت القاتل (القتلة) كل هذا الزمن، حيث لم يكشفوا حتى الآن عن تفاصيل الجريمة، ومكان إخفاء جثمان منتصر، رغم إن بعضهم يعيش في الغرب، ويعمل في مجال حقوق الإنسان في مفارقة بالغة؟ ولماذا تصمت كل الجهات الحزبية والطبية، خاصة (الطبيب الشرطي) القاتل، مسؤول لجنة التعذيب والتحقيق الانتهازية، والمحقق الكاريكاتوري، والرفيقة الطبيبة التي فحصت جثة الشهيد، وكلفت بكتابة شهادة الوفاة؟ لكن.. لماذا تستمر حالة الإنكار الرسمي من قبل قيادات الحزب الشيوعي السابقة والحالية؟ وهل حالة الإنكار والتجاهل والصمت المريب والطويل، طريقة مبدأية وتنظيمية وأخلاقية للتعامل مع هكذا حدث داخلي خطير؟ وهل هذه الطريقة حل وعلاج دائمي ومقنع لجميع الأطراف؟ أم أنه الخوف من تجدد الفضيحة والعواقب المترتبة على ذلك الاعتراف؟ ولماذا لم تستجب القيادات الحزبية كل هذه السنين الطويلة للمطالبات والضغوطات والمناشدات التي قام بها عدد من الأصدقاء؟ وقبل ذلك كله، أتساءل، لماذا وكيف يستمر صمت وتجاهل من يدعون بأنهم أصدقاء منتصر؟ لماذا لم يكتبوا عنه باستمرار، أو يكتبوا بمناسبة ذكراه على الأقل؟ لماذا كل هذا التناسي والتنكر والجحود؟ هل جرى التنازل عن دماء الشهيد، والتنازل عن الذكرى والذاكرة، تحت حجج وأسباب وتبريرات باهتة وواهية؟ أم أن الذكرى ماتت وتلاشت بهذه البساطة وبهذه الطريقة مع الزمن، لأن العلاقات الرفاقية والصداقية مجرد وهم وكلام فارغ، وألا كيف يجري التنازل عنها بهذه السهولة؟ ولا أريد الآن أن أسأل عن مبدأية وسبب التردد والصمت الذي مورس إزاء قضية الاعتقال بالأساس، وضعف التضامن الرفاقي، وعدم الوقوف ضد هذه الممارسة الشائنة والغريبة، بغض النظر عن الاختلاف في المواقف، باعتبارها خرقاً تنظيمياً فادحاً، وسابقة خطيرة في الحياة الحزبية الداخلية، ثم السكوت وعدم فضح القسوة البالغة والأساليب القذرة والمشينة التي مورست بحقنا، رغم مشروعية وأهمية السؤال، من النواحي الإنسانية والحزبية والقانونية والأخلاقية، ومن حيث أهمية الموقف بالنسبة للحياة والمستقبل، وليس لأية لحظة أو اعتبارات مؤقتة أو عابرة.
أعرف أن مصير منتصر المأساوي، مشابه ومرتبط بمصير حوالي ألف شهيد بطل، يلفهم سكون النسيان والتجاهل المقصود وغير المقصود، أو يجري استخدامهم في دعاية انتقائية أو موسمية، من الذين سقطوا في دروب وشعاب تجربة جبال كردستان، وخاصة في مذبحة بشتآشان المنسية، رغم اختلاف الواقعة نوعياً، ورغم الاختلاف البالغ في طريقة وظروف جريمة قتل وتصفية منتصر. لكنه مصير كل الضحايا الباردة والمهملة والمنسية، وأسباب سقوطهم بالطرق المعروفة، والتي من أبرزها عشوائية التجربة، وغياب التخطيط، وتخلف قيادتها. وهذا ما يثير أسئلة كبيرة ومستمرة، فكرية وسياسية وأخلاقية واجتماعية وإنسانية، قديمة وجديدة، حول جوهر وطبيعة وشروط تلك التجربة؟ وعن أسباب وحجم الخسائر الباهظة والباردة؟ وهذه الأسئلة الأساسية ستبقى مطروحة على كل من شارك بتلك التجربة، وفي ضوء نتائجها وآثارها. لكن الجانب الأخلاقي والعاطفي والإنساني والاجتماعي هام وأساسي في تجربة الجبل، وربما هو ما تبقى لنا من دروس وآثار تلك التجربة، الى جانب بعض الدروس الأخرى، وهو يتضاعف ويكبر مع جريمة قتل منتصر.
بهذه المناسبة الحزينة والمؤلمة، نجدد مطالبنا العادلة والمشروعة والثابتة، حيث إن جريمة القتل، لا تنسى ولا تتوقف ولا تسقط بالتقادم، مهما مر أو طال الزمن، وهي قائمة وفق ناموس ومنطق قانوني وأخلاقي صارم وواضح، لا يقبل التأجيل والمماطلة والتناسي. أننا نطالب بالتحقيق لكشف ظروف وملابسات الجريمة، وكشف أسماء من قاموا بها، وأسلوب وأداة القتل، ولماذا لم تجر محاولات جادة لإنقاذ حياة منتصر، مما يعني أنه قتل بطريقة متعمدة وبإصرار مسبق، وليس بالصدفة، و(لا توجد جريمة قتل تحت التعذيب تحدث بالصدفة طبعاً)؟؟ والكشف عن القبر السري (الحفرة) الذي دفن فيه الشهيد، وتسليم جثمانه الى أهله لإعادة دفنه في مكان يليق به وبمكانته، والاعتذار الرسمي الحقيقي للشهيد منتصر ولأهله ورفاقه، والتعويض الأدبي والمعنوي للشهيد ورفاقه، وسماع مطالب وشروط أهله، والاعتذار للرفاق الذين جرى اعتقالهم وتعذيبهم بطريقة غادرة وانتقامية وغير مبدأية.
سيبقى متحف منتصر، قائماً ومشرعاً، بين سماء وأطياف الذكرى وأرض الصمت والإنكار والتواطؤ والتخاذل، رغم أنه يتكون من الكلمات والذكريات والمواقف. متحف من وفاء ورفقة صادقة ومودة وورد، يقوم في نفوس وعقول الناس، وهذا أبسط ما يمكن تقديمه لشهيد جميل كمنتصر.
ستبقى الكلمات، جرس كبير وصاخب، يقرع وينوح بلا توقف، في ذكرى مشتاق جابر عبد الله (منتصر)!
لنكسر الصمت، وننهي حالة الإنكار.
• في المعتقل الحزبي، في ناحية بارزان الشهيرة، ورغم الحراسة (الرفاقية) المسلحة والمشددة والمتشددة استطعنا سامي وانا أن نخترق الحواجز وان نتراسل من داخل زنازيننا الانفرادية المعتمة والقذرة (مليئة بالفضلات الجافة). لقد أوجدنا صندوق بريد صامت، هو مكان التواليت. كنا نكتب رسائل مكثفة وقصيرة بحروف صغيرة، حفاظاً على القلم والورق، نسجل فيها آخر أساليب وممارسات التحقيق والتعذيب والضغط والتهم الجديدة ونستعد للرد عليها. كما كنا نكتب بيت شعر صغير أو جملة قوية أو نكتة صغيرة، مع ملاحظة مكررة اتلف الرسالة بعد الانتهاء من قراءتها. كما اتفقنا على إشارات بسيطة. فإذا وضعنا اليدين خلفنا فمعنا ذلك أننا كنا في التحقيق الليلة الفائتة، وإذا كانت القضبة مضمومة فذلك يعني إن هناك رسالة سنتركها في المكان المحدد. أما مهند الذي أصبح جاري في الزنزانة فقد اتفقنا على طرقات خفيفة، فعندما نسمع أغنية جميلة لنجاة الصغيرة أو ماجدة الرومي وقبلهما فيروز نحتاج إلى طرقتين، أما إذا كانت الأغنية عادية و(نص ردن) فطرقة واحدة تكفي ثم نضحك بعدها. في أحد الأيام داهموا زنازيننا للتفتيش، لكن ماذا يفتشون لا اردي؟ ووجدوا عندي نص جميل عن أشياء بسيطة اذكر منه…
للمجلات الملونة، لإذاعة مونت كارلو، للنساء، للرسائل التي لم تصل (وقصة الرسائل التي لم تسلم لي ولم تصلني انها مرسلة من صديقة عزيزة في الشام بواسطة رفيقة عزيزة وقد حجزوها واطلعوا عليها واستخدموا المعلومات الشخصية البسيطة في التحقيق، حتى تصورت أن الحزب على دراية وعارف بكل شيء شخصي وعام). لكن المفيد وبعد اطلاعهم على النص رفعوا الحجر عن الرسائل وعرفت مصدر معلوماتهم الشخصية…

عام). لكن المفيد وبعد اطلاعهم على النص رفعوا الحجر عن الرسائل وعرفت مصدر معلوماتهم الشخصية…

Bilden kan innehålla: 1 person, sitter
Bilden kan innehålla: 3 personer, personer som står och utomhusBilden kan innehålla: 7 personer, personer som står, träd och utomhusBilden kan innehålla: 2 personer, personer som ler, utomhus
 
 
 
 

‎2018-‎10-‎11