الدستور السوري الجديد.. هل سيشكل وجه سوريا المستقبلي؟
الدكتور حسن مرهج
بعد ثمان سنوات من حرب عبثية فُرضت على الدولة السورية، بات معالم النصر تلوح في الأفق، لا سيما بعد الانتصارات و المنجزات الذهبية التي تمكنت الدولة السورية و جيشها من تحقيقها على الصعيدين السياسي و العسكري، لكن الدول صاحبة العدوان على سوريا سيكون لها استراتيجيات جديدة تَكفل لها الحصول مكسب سياسي، بعد أن فشلت في تحقيق أي مكسب ميداني، هذا الامر يمكننا وصفة بالمصيري لجهة واشنطن و أدواتها، بمعنى أن واشنطن تسعى و من خلال السياسة أن تحصل على أوراق عجزت عن الحصول عليها في الميدان، و هذا بات واضحا للكثيرين، حيث أن واشنطن و أدواتها يسعون إلى تكريس رؤيتهم المتعلقة بالشأن السوري عبر خطوات سياسية تسمح لهم بالتدخل في صياغة الدستور السوري الجديد، لكن بالمنطق السياسي المرتبط بالمنطق الميداني فأنه لا يمكن للدولة السورية أن تساوم على ماهية وجهها المستقبلي، لا سيما بعد التضحيات التي قدمها الشعب السوري و الذي التف حول قيادته السياسية و العسكرية للوصل بسوريا إلى بر الأمان، بعدما أريد لسوريا أن تكون مسرحا للإرهابيين و المرتزقة.
لا يمكن أن ننكر بأن وضع مسودة الدستور يُعد أحد أصعب مراحل الحل السياسي للأزمة السورية، لأن هذا الدستور يجب أن يوفر الشروط الأساسية التي يريدها الشعب السوري و بمختلف مكوناته، بالإضافة إلى الوصول لصيغة تحقق التوافق بين كافة الفاعلين في الأزمة السورية، الأمر الذي سيعيد إلى سوريا الأمن و الاستقرار، و من المفيد أن نوضح أنه بموجب المادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة ، مُنح مجلس الأمن المسؤولية الرئيسية عن صون السلم والأمن الدوليين، ويمكن لمجلس الأمن أن يتصرف نيابة عن الأمم المتحدة بشأن هذه المسؤولية، ولتحقيق هذه الغاية، وافق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على قرار رقم 2254 في 18 ديسمبر 2015، برئاسة واشنطن ، بتوافق آراء أعضائه الخمسة عشر على إعداد خريطة طريق للسلم السوري والجدول الزمني بين الحكومة السورية ومعارضيها، والدعوة إلى تشكيل حكومة ذات مصداقية وشاملة وغير حزبية، وبالتالي دستور جديد وانتخابات جديدة، تجرى تحت إشراف الأمم المتحدة، بطريقة حرة ونزيهة مع حق جميع السوريين في المشاركة فيها، بما في ذلك المغترين، و تنفيذا لهذه الرغبة فقد عُقدت اجتماعات مطولة تناولت المساعي لحل الازمة السورية، لكن كان الفشل من نصيب هذه الاجتماعات، و السبب الرئيسي لهذا الفشل تَمثل في تعنت الأطراف التي تدعمها واشنطن لرفض أي مسعى جدي لإنهاء الحرب، و بالتالي كانت هذه الاطراف السورية تقوم بتنفيذ أجندة أمريكية، حيث أن واشنطن و كما ذكرنا ستحاول الحصول على أي مكسب سياسي بعد إدراكها أن الميدان بات بيد الجيش السوري.
متفقين على أن صياغة الدستور هي من القضايا المثيرة للجدل نظرا للعديد من التدخلات و خاصة من قبل واشنطن و السعودية و تركيا، و لهذه الدول أهداف تريد الوصول إليها عبر الدستور السوري المرتقب، و يمكن القول بأن هذه الدول تملك أوراق لا زالت تتاجر بها سياسيا، و إحدى هذه الأوراق هي قضية اللاجئين و تنظيم عودتهم إلى سوريا، فضلا عن تأمين المستلزمات المعيشية لهم وإعادة إعمار مناطقهم التي هجّروا منها، فتركيا مثلا تسعى إلى إعادة توطين جميع السوريين المهجرين على أراضيها في المناطق الحدودية السورية التركية، في خطوة تركية واضحة لتشكل عمقاً للنفوذ التركي داخل سوريا، الأمر الذي يمكن تركيا في المستقبل من التحكم بهم و إدارتهم بما يؤدي إلى تشكيل سدا منيعا أمام الطموحات الكردية، لكن الحكومة السورية وحلفاءها يسعون إلى الحد من نفوذ تركيا على الأرض ويقدرون خطورة هذه الأحلام التركية وتأثيرها على المدى البعيد في صناعة القرار السوري المستقل.
لاشك بأن سوريا و عبر قيادتها السياسية، تسعى جاهدة لإرساء أسس الامن و الاستقرار، و لا شك أيضا بأن الدولة السورية و انطلاقا من الانتصارات العسكرية التي تحققت بفضل صمود الشعب السوري، فإن الدولة السورية ستقوم بضمان الحقوق السياسية و الاجتماعية و المدنية لكافة السوريين و بعيدا عن أي تدخل خارجي، حيث أن سوريا للسوريين الذين دافعو عن سوريا صاحبة الدور الاقليمي المؤثر، و هنا و لنكن بعيدين عن اللغة السياسية، نقول بأن الدولة السورية التي رفضت ان تسير في ركب السياسية الأمريكية و أثبتت للعالم أجمع أن سوريا لن تكون إلى عربية و تدافع عن القضايا العربية المحقة، أما الجيش السوري الذي قدم التضحيات و حارب الإرهاب، و رغم اشكال الدعم كافة التي قُدمت للإرهابيين فقد انتصر و تمكن من الوقوف سدا في وجه تحويل سوريا إلى بؤرة إرهابية، أما الشعب السوري الذي صمد و قدم التضحيات و كان جنبا إلى جنب مع قيادته السياسية و العسكرية، و بالتالي و ضمن هذه القاعدة التي تشكلت من القيادة و الجيش و الشعب لا يمكن أن تقبل بأي دستور يكون أشبه بحصان طروادة للمساهمة في تدمير ما تم تحقيقه من منجزات سياسية و عسكرية، فالدستور السوري سيكون بتوقيع الشعب السوري الذي كان و قيادته و جيشه مثالا للصمود .
‎2018-‎10-‎10