هل تصلح أفكار عبد الناصر للمستقبل
عدنان برجي/ عضو اللجنة التنفيذية للمؤتمر القومي العربي

اسئلة كثيرة تطرح علناً او همساً حين يتم إحياء مناسبة تتعلق بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر وقد مضى على رحيلة قرابة خمسة عقود؟ فلماذا هذا الإصرار من مؤيّديه ومحبّيه على إحياء هذه المناسبات؟ وهل تصح افكاره التي فجرّها قبل 70 عاما لمستقبل الأمة العربية و الظروف قد تغيرّت والأحوال قد تبدّلت؟ ألا يُعتبر التمسّك بالماضي مجرّد حنين لزمن جميل مضى، أو تعبيرا عن تقصير في إبداع ما يساعد الأمّة على النهوض حاضرا ومستقبلا؟.
أسئلة مشروعة لا شك. لكن قبل الإجتهاد في الإجابة عليها، اسمحوا لي ان اعيد على مسامعكم بعض البديهيات وهي:
1- إن عبد الناصر ليس مقدّساً ولا معصوماً. انما هو رجل صاحب تجربة فيها الصواب وفيها الخطأ.
2- إن فشل القائمين على تطبيق فكرة لا يعني فشل الفكرة نفسها، ففشل انظمة قومية او احزاب قومية لا يعني فشل القومية نفسها.ّ
3- ان الهوية التي هي العروبة، ليست لباساً نرتديه في زمن الإنتصار ونخلعه في ساعات الشدّة. فالعروبة انتماء لأمّة وليست انتساباً لأنظمة او لأحزاب تتقدم بتقدمها وتتراجع بتراجعها.
والعروبة كما نفهمها هي عروبة حضارية، عروبة تجمع ولا تفرّق، توحّد ولا تبدّد، ترد كيد العدو وتشدّ ازر الصديق.
هي عروبة لا تستثني طائفة او جماعة ولا تجعل من الأكثرية في دين معين او في قومية معينة، اكثرية غالبة او اكثرية لاغية.
هي عروبة مؤمنة بغير تعصب، عروبة تدرك ان ارضنا هي مهد الرسالات السماوية الخالدة وذلك ليس عبثا، ولا مجرد صدفة سيما وان القرآن جاء بلسان عربي مبين وفيه تأكيد على الرسالات السماوية التي سبقت.
4- ان المبادئ ثابتة لا تتغير بتغير الأشخاص، على عكس الأساليب التي يجب ان تتطور وتتغير وفق الظروف والامكانيات.
5- ان أمّة لا تملك مشروعا محدّدا، ولو كان بمثابة الحلم، تتخبط في مسارها خبط عشواء، فلا يمكن لها ان ترسم طريقها ولا يمكن لها ان تواجه، كما ينبغي المشاريع القريبة والبعيدة، الهادفة الى الاستفادة من حالة الفراغ. ومشاريع الأمم كما تعلمون ليست مشاريع صغيرة حتى تتحقق سريعا، وان كنا في عصر السرعة.

أما في الاجتهاد للإجابة على الأسئلة التي طرحت فسوف اتبع التحليل الرياضي، وهو يقوم كما تعلمون يقوم على : تجميع المعطيات وتحديد الأهداف واختيار الأدوات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف انطلاقا من المعطيات المتوفرة.

اولا : في المعطيات:

أ- موقع يتحكم وثروات تغري.( يمكن مراجعة الموقع الجغرافي للوطن العربي)

عبقرية المكان (تعبير مقتبس عن المرحوم الدكتور جمال حمدان) .

فالمنطقة العربية تمتد من المحيط الأطلسي غربا الى الخليج العربي شرقا على ما يقارب 6700 كلم ، بين مدينة نواكشوط في موريتانيا ومدينة مسقط الواقعة على ساحل الخليج العربي. اما امتداد الوطن العربي من الجنوب الى الشمال فيبلغ نحو 4500 كلم .

وتبلغ مساحتها ما يقارب 14 مليون كم مربع، اي 10.2% من المساحة الإجمالية للعالم، 28% منها في آسيا و72% منها في افريقيا.( اي انه اكبر من الولايات المتحدة الأميركية وأكبر من قارة اوروبا). ( يحي نبهان : اطلس الوطن العربي، يافا العلمية للنشر والتوزيع).
ويطل الوطن العربي على ثلاثة بحار ( البحر المتوسط والخليج العربي والبحر الأحمر، وتتصل هذه البحار مع طرق الملاحة العالمية في المسطحات المائية الكبيرة مثل المحيط الأطلسي والمحيط الهندي) ويمتلك اربعة من المضائق المهمة التي تتحكم بالمداخل البحرية، ( مضيق جبل طارق الذي يربط بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، ومضيق باب المندب الذي يربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، وقناة السويس التي تربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، ومضيق هرمز الذي يربط الخليج العربي وبحر العرب وهو المضيق الذي يسيطر على حركة تصدير النفط من دول الخليج).

باختصار فان الوطن العربي يحتل موقعا استراتيجيا على خريطة العالم اذ يربط بين آسيا ذات الكثافة السكانية العالية، وافريقيا ذات الموارد الطبيعية الهائلة، واروبا ذات النزعة الاستعمارية التاريخية. ومن حيث الثروات فالدول العربية تستحوذ على اكثر من 55% من احتياط النفط العالمي وتمتلك ما يزيد على ربع الاحتياطي العالمي من الغاز( 27.5% من احتياط العالم).

ب: في التحديات: التجزئة والتخلف والتبعية

ان ابرز معضلات تواجه الأمة يمكن جمعها تحت باب التجزئة والتخلف والتبعية.
لقد مر على الدولة الوطنية قرابة سبعين عاما او اكثر لكن هذه الدولة فشلت على اختلاف نظمها السياسية وتوجهاتها الاقتصادية وارتباطاتها الخارجية وأمكانياتها الذاتية، في إحداث التنمية او في الحفاظ على امنها الوطني.هذا من جهة اما من جهة ثانية فإن الاستعمار الغربي لم يبدل في اهدافه وان بدل في اساليبه ومراكز قيادته، فحين يفشل الإحتلال المباشر يلجأ الى إثارة النعرات والأحقاد وبث الفرقة والأنقسام بين ابناء المجتمع الواحد والدولة الواحدة كما شهدنا وشاهدنا في لبنان وسورية وفلسطين والعراق وليببيا ومصر واليمن والمغرب والجزائر والسودان وكل ارض عربية.
ان استعراض محطات مفصلية متباعدة في الزمان والمكان تؤكد هذه الحقيقة الساطعة. فمن حكومة بريطانيا برئاسة بلمرستون عام 1840 الى مؤتمر كامبل بنرمان عام 1907 الى وعد بلفورد عام 1917 الى وعد ترامب عام 2017، تبقى سياسة الاستعمار ثابتة في دعم الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين بوصفه كيانا فاصلا بين المشرق العربي ومغربه، وجميع الاستعماريين يدركون جيدا ان لا قضاء على التخلف في ظل التجزئة، ولا حرية لوطن او كرامة لمواطن في ظل الاحتلال.

ثانيا : في اهداف النضال العربي

اكتفي بهذا القدر من المعطيات التي اعتبرها موضوعية ليس فيها من التهويل اي شيء. وانتقل الى تحديد الأهداف وهي بشكل ملخص وكما عبرت عنه جموع الشباب العربي في تحركه خلال العقد الحالي وفي اكثر من دولة عربية:
التحرر من الاستعمار والصهيونية وتحرير فلسطين وكل الارض العربية المحتلة.
بناء مجتمع العدالة الاجتماعية بما يحفظ حقوق كل مواطن عربي بحياة حرة كريمة.
وجود آليات ديمقراطية تتيح المراقبة والمحاسبة وتداول السلطة واحترام الدساتير وتطبيق القوانين.
اي انها اهداف ثورة يوليو التي قادها جمال عبد الناصر عام 1952. وللتذكير فقط اعيد على مسامعكم الأهداف الستة التي رفعتها ثورة يوليو في 23 تموز 1952 وهي:
القضاء على الاستعمار واعوانه، القضاء على الاقطاع، انهاء احتكار وسيطرة راس المال على الحكم،اقامة العدل الاجتماعي، اقامة جيش وطني قوي، واقامة حياة ديمقراطية.

ثالثا: في الآليات المطلوبة لتحقيق الأهداف انطلاقا من المعطيات.

في الحقيقة نحن امام تجارب متعددة يمكن اختصارها بنموذجين:

الاول: نموذج تجربة جمال عبد الناصر وفيها تركيز شديد على الاستقلال القومي ووحدة الأمة العربية، ومواجهة الاستعمار بكل السبل، ومحاربة الصهيونية حيث لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف، بل على العكس فان ما اخذ بالقوة لا يسترد بغيرها (حرب الاستنزاف ثم حرب اكتوبر في ظل تضامن عربي انطلاقا من ان لا صوت يعلو فوق صوت المعركة بمعنى تغليب التضامن على سياسة المحاور العربية)، وحيث الديمقراطية السياسية متلازمة مع الديمقراطية الاجتماعية التي كان من اجلها الاصلاح الزراعي وتعميم التعليم وبناء المصانع، واشراك قوى الشعب العامل من عمال وفلاحين ومثقفين وشباب وراسمالية وطنية غير مستغلة في ظل نظام موجه يضع خططا مرحلية كل خمس سنوات، وهذه التجربة نراها اليوم في الصين وكان سبق لرئيس فنزويلا الراحل هوغو شافيز قد نصح به القادة العربية في اجتماع عربي – اميركي جنوبي.
هذه التجربة، واجهت الاستعمار في حرب 56 وانتصرت عليه ثم واجهت النكسة الكبرى عام 1967 على ايدي التحالف الصهيوني الاستعماري، لكنها في المحصلة حققت انتصار تشرين 1973، وحققت تنمية زراعية وصناعية بنسبة لا بأس بها، وعدالة اجتماعية يمكن وصفها بالمقبولة بالحد الأدنى.

الثاني: نموذج تأصيل وتعميم القطريّة ( وطني اولا)، وفيه تغليب للعصبيات الطائفية والإثنية على حساب الإنتماء القومي وحتى الوطني ( تقسيم السودان والقبول بمشروع الشرق الاوسط الجديد الذي شرحه بتفصيل ممل شيمون بيريز في كتابه الشرق الاوسط الجديد)، مسايرة الاستعمار ( مقولة السادات ان 99% من اوراق اللعبة في يد اميركا)، تفاوض واعتراف بالعدو ( كمب دافيد، مؤتمر مدريد، اوسلو ووادي عربة، مفاوضات لمدة 25 عاما بين السلطة الفلسطينية والعدو برعاية متعددة الجنسيات)، القضاء على القطاع العام وبيع ادوات الإنتاج والمراهنة على استثمار القطاع الخاص وفق ما يشاء.

فماذا كانت النتيجة: تثبيت للاحتلال وتمدد للاستيطان و تهويد للمقدسات ومنع للعودة وامعان في تشريد ليس الفلسطينيين فحسب بل العراقيين والليبييين والسوريين وقبلهم اللبنانيين، وهجرة للشباب والعقول، وعجز في الميزانيات ومديونيات هائلة،و فساد مستشر، ووقف للصناعات واستيراد للمواد الغذائية الاساسية.

تجربة عبد الناصر عاشت ثمانية عشر عاما وحققت ما حققته، والتجربة الأخرى بلغ عمرها قرابة خمسة عقود، اي قرابة ثلاثة اضعاف مرحلة جمال عبد الناصر، ولم تحقق سوى الخيبات وانهار من الدماء.

فهل نحاول استعادة تجربة ناصر ام نكرر التجارب الفاشلة؟.

قد يقول قائل لقد تغيرّت الظروف فكيف لنا ان نستعيد تجربة مرّ عليها خمسة عقود، أليس في ذلك لغة خشبيّة؟ أليس ذلك عجزا؟.
هنا نأتي الى اختيار الأساليب التي يجب ان تُتبع. وهي بالتأكيد ليست أساليب الخمسينيات والستينيات.
ليس منطق تقسيم الأمّة بين فسطاطين تقدمي ورجعي.
وليس الاستجابة للوحدة الإندماجية.
وليس الإصلاح الزراعي وتأميم الملكيّات.

انما هو تكامل الوطنيّات فلا إلغاء لأيّة وطنيّة ولا قهر لأيّة جماعة، انما تكامل اقتصادي وفق خطط مرحليّة قد تبدأ بشبكات القطار ونقل البضائع بدون جمارك وفتح أبواب الإستثمار العربي بغير تعقيدات.
قد تبدأ بمحاولة سد الفجوة الغذائيّة مثلا بدل الإعتماد على الخارج في ابسط مقومات الحياة.
وكل ذلك مقرر منذ الستينيات في اطار الجامعة المهلهلة – جامعة الدول العربيّة.
وقد يكون في ابداع اساليب يبتكرها الشباب العربي وقد بلغ عدد الجامعيين فيه عشرات الملايين وهو يوضع بين خيارين أحلاهما مر: الهجرة او البطالة.
ان شبابنا العربي ليس عاقراً فكرّياً بدليل إسهاماته الكبرى في بناء تقدم الآخرين وبعضه يدفع حياته ثمنا لعبقريتّه ووطنيتّه في آن والنماذج كثيرة.
تبقى اشارة اخيرة في معرض الأساليب وهي ان التجربة الحزبيّة وفق ما كان سائداً قد يكون قد عفا عليها الزمن ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي يبدو ان تنظيم ادوات ضغط من خلال اختيار مواضيع محددة قد يكون اكثر فائدة وانجع تأثيرا.

بيروت 6/10/2018