حكومة عادل عبدالمهدي المرتقبة بين ضغوط الدولة العميقة ومطالب الشعب العراقي المشروعة

 

فارس العاني

 

   يواجه العراق ومنذ اكثر من خمسة عشر عاماً حالة من عدم الاستقرار ضربت تداعياتها كل مقومات الحياة ويأتي في مقدمتها تدهور الوضع الأمني رغم التحسن البطيء الذي طرأ في السنتين الاخيرتين مقارنة بما قبلها  ، ناهيك عن التدهور في الصحة والتعليم وتفشي الأمية بشكل غير مسبوق  وانعدام الخدمات الضرورية مما تمخض عن  ذلك فقدان مئات الآلاف من البشر نتيجة الصراعات والحروب والأمراض  وهجرة إعداد لا تحصى من العلماء والكفاءات وذوي الخبرة الى شتى بقاع العالم للتفتيش عن الأمان والعمل والعيش الكريم الذي فقدوه داخل وطنهم بسبب هذه الصورة السوداوية التي عصفت بالوطن طيلة هذه السنوات وما قبلها اذا اردنا ان نكون منصفين لذلك ،  لكن الذي جرى طيلة الخمسة عشر سنة الأخيرة فاق اللامعقول في بلد يمتلك من الخيرات الطبيعية  والكفاءات البشرية لا تمتلكه  بلدان المنطقة الاخرى التي هو جزء منها  ، ولا  بد من القول هنا ان الذي  يتحمل هذا التدهور هي القوى والأحزاب التي تصدرت العملية السياسة الخائبة بعد الاحتلال وتوّليها للسلطة دون ان  تقدم للوطن وشعبه اَي منجزملموس بسبب اعتماد مفهوم المحاصصة بكافة اشكالها المرَضية وهي الطائفية والمذهبية والعرقية لتشمل كل مؤسسات الدولة وكانت نتيجتها إقصاء وعزل اصحاب  الكفاءة والنزاهة والحس الوطني ، وفق هذا النمط السيء دخل العراق في النفق المظلم بعدما تحكمت به قوى شتى ليس من اهتمامها الوطن وشعبه بقدر ما يكون اهتمامها بمصالحها الذاتية ومصالح قوى خارجية تتلقى التعليمات منها !  وهي ظاهرة لم تكن معروفة لدى العراقيين منذ تأسيس الدولة العراقية .

 إذاً العراق اليوم امام مفترق طرق وهو ينتظر تشكيل حكومته المرتقبة ،. فإما ان ينتقل الى مرحلة تصحيح العملية السياسية وتكون مقترنة بتوفير الخدمات الضرورية بكافة أنواعها ومعالجة ظاهرة البطالة الهائلة من خريجي الجامعات والمعاهد وغيرهم وكذلك محاسبة الفاسدين الذين نهبوا المال العام وبخلاف ذلك ذهاب البلد الى المجهول لا قدر الله.

  اذاً مهمة إصلاح الحالة العراقية الراهنة تقع اليوم على عاتق السيد عادل عبد المهدي الذي تم تكليفه رسمياً بتشكيل الوزارة بعدما تم ابعاد حزب الدعوة الاسلامي وحلفائه عن قيادة السلطة التي استمرت  لما يقرب من ثلاثة عشر عاماً والتي تمخض عنها دخول العراق في اوضاع وازمات لا يحسد عليها .   لقد قوبل تكليف عبد المهدي من قبل العراقيين بارتياح وترقب وبدعم وتأييد إقليمي ودولي ، لذلك فهو امام مهمات صعبة جداً اذا ما اراد انتشال العراق من الواقع الذي يعيشه كما تعهد قبل تكليفه بمهمة تشكيل الوزارة  ، لهذا عليه ان يستغل الدعم والتأييد الداخلي والخارجي مستنداً الى حراك  الشارع العراقي ومطالبه المشروعة التي  قدم من اجلها التضحيات وان لا يعيد او يكرر سياسة سلفه العبادي في تقديم الوعود تلو الوعود بدون شيء ملموس يوقف ظاهرة الفساد المالي والاداري الذي اجتاح مؤسسات الدولة وعلى اعلى المستويات  ، نعم المهمة الملقاة عليه وعلى طاقمه الوزاري الذي تعهد بأختياره من ذوي النزاهة والوطنية والكفاءة  ليست مهمة سهله  لان هناك من يتربص به  اذا ما شعروا باستهدافهم  باجرائاته التي سيقدم عليها وهؤلاء المتربصين كُثر لانهم تغلغلوا في كل مفاصل الدولة وكونوا لأنفسهم ( دولة عميقة )  ، وعلى البرلمان في دورته الحالية  ان يثبت وطنيته وإخلاصه للجمهور ألذي صًوّتَ له وان لا ينساق وراء من يعملون على تحقيق مصالحهم ومصالح احزابهم  على  حساب مصلحة الوطن وشعبه ، وعلى البرلمانيين الوطنيين الحريصون على وحدة واستقرارونهضة العراق ان يسلكوا نفس النهج عندما تمردوا على توجيهات رؤساء  كتلهم اثناء التصويت السري  على منصب رئاسة الجمهورية واختاروا المرشح المناسب للمنصب في المرحلة الراهنة  ونتمنى عليهم ان ينحازوا وبشكل علني الى جانب الشعب الذي انتخبهم في كل القرارات التي سيتخذها البرلمان في دورته الحالية والتي تصب في مصلحة الشعب وحاضر ومستقبل العراق وان يغادروا خنادق  المحاصصة المقيتة بكافة اشكالها والتي كانت السبب في انهيار البلد .

لذل على القوى المتضررة التي ستحاول عرقلة او إسقاط الحكومة الرشيدة والكفوؤة ..   كما وصفها رئيس الجمهورية برهم صالح  اثناء خطابه الاول الذي وجهه للشعب العراقي  ،  على تلك ( القوى) ان لا تتجاهل رد فعل الشارع

الغاضب حيالها  وحيال من يقف ورائها ويدفعها لزعزعة الأوضاع وخلط الأوراق في الداخل انسجاماً مع ما تطلبه قوى خارجية !تسعى لجر العراق الى جانبها على حساب مصلحة العراق في ضوء الصراع الذي تشهده المنطقة وعلى الحكومة المرتقبة وصناع القرار فيها ان يضعوا نصب اعينهم أولاً واخيراً مصلحة الشعب العراقي فوق مصالح الآخرين الذين لا يريدون لبلدنا الاستقرار والازدهار وان يتم تعامل الحكومة القادمة مع المتغيرات الدولية واحداث المنطقة وفق رؤية تبعد بلدنا عن التورط في اي صراع قادم لان شعبنا لم يعد يتحمل اكثر مما تحّمَلَهُ طيلة العقود الماضية  ٠

خلاصة ما تقدم وكما يقول المثل:    الكرة اليوم في ملعب رئيس الوزراء عادل عبد المهدي الذي تعهد قبل التكليف بأن يضع العراق على الطريق الصحيح بعيداً عن المحاصصة التي انهكت البلد وفرقته ،  وهذا يتطلب منه قبل كل شيء ان يرفض مرشحي الكتل والأحزاب رغم ادعائها انهم مستقلين وان يكون حراً في اختيار طاقمه الوزاري  ويبدأ في عملية الإصلاح وتفكيك الأزمات الداخلية التي تعصف بالعراق  بهدف الوصول الى بناء دولة المؤسسات التي ينتظرها العراقيون ، ونجاحه في مهمته هذه ستحسب له وتجعل منه (المنقذ ) في نظر العراقيين واذا حدث العكس فسوف يتحمل المسؤولية بأعتباره المسؤول الاول والأعلى في السلطة التنفيذية . واذا ما وجد انه ليس بمقدوره تجاوز ضغوط الكتل ومافيات ( الدولة العميقة ) فمن الأفضل له ان يعتذر عن مهمة تشكيل الوزارة ويضع الكرة في الملعب الاخر ويترك القرارللشارع العراقي ليتصرف وفق الطرق  التي يرتأيها للحصول على حقوقه  المشروعة سلمياً .

كاتب وسفير عراقي سابق

2018-10-08