الضياع الاستراتيجي للحلف الاستعماري المتصدّع
د. رائد المصري
بهدوء… فسياسة ترامب المعتمدة اليوم في التشدّد برفع الحمائية وبإعلانه الحرب التجارية على العالم، لهي بمثابة إعادة بناء كاملة لمنطق التبادل التجاري الحرّ الذي كان قائماً بين الدول، والذي رعتْه وحكمته منظّمة التجارة الدولية ضمن مبدأ تقليص سيادة الدول، وترْك الأسواق كي تنظّم بنفسها حركة السّلع والرساميل، وأيّ خلل يحصل تضبط هذه المنظمة إيقاعات التعامل به، وهذا ما يحاول حاكم البيت الأبيض التخلّص منه وتغييره، حيث إنّه وبسرعة قد حصل ميل متزايد لدى معظم دول العالم بالتخلي عن العملة الأميركيّة التي تقود العالم نحو أزمات وإفلاسات وتقوّض مشروعها الاستعماري، وبعد أن ضاقوا ذرعاً من هذه الغطرسة والحصارات ومن الإفراط في العقوبات الاقتصاديّة لترامب، ومن الانخراط في حروب هزّت استقرار العالم وأمنه واقتصاده… وإليكم آخر تفاصيل الأحداث وهذا الضياع:

بعد تصريحات ترامب المهينة بحقّ المملكة العربية السعودية ومليكها، يردّ وليّ العهد محمد بن سلمان بأنّ: السعودية لن تدفع مقابل أمنها وهذه الأسلحة الأميركية ندفع ثمنها، ليعود ويطرح من جديد أسهم أرامكو في السوق المالية عام 2021، ويقول أيضاً إنّه مستعدّ للسّماح للحكومة التركية بدخول القنصلية في اسطنبول للبحث عن الكاتب الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي الذي اختفى في قنصلية المملكة باسطنبول. ويكشف وهذا الأهمّ عن إبرام صفقة مهمّة وكبيرة مع الكويت بشأن الحقول النفطية في المنطقة المحايدة بين الكويت والسعودية المتنازع عليها منذ عشرات السنين، لا سيّما أنّ الزيارة الأخيرة لأمير الكويت منذ أشهر عدّة للولايات المتحدة الأميركية كان قد طلب فيها ترامب من الكويت زيادة إنتاج النفط لتعويض النقص في النفط الإيراني بعد إتمام العقوبات، وكان جواب أمير الكويت حينها بأنّ مقدرة الكويت على الإنتاج محدودة ولا زيادة، عندها كلّف ترامب محمد بن سلمان لإجراء محادثات مع الكويت لحلّ الخلاف على المنطقة المحايدة ومعاودة ضخّ وتشغيل حقلي النفط في الخفجي حتى لو لم تحلّ أزمة المنطقة المحايدة إذا كانت تتطلّب وقتاً. فالمهمّ البدء بزيادة إنتاج النفط، وهذا كان على رأس أولوية المحادثات في زيارة ابن سلمان الأخيرة الى الكويت…

من ناحية مقابلة يبدو انهيار التحالف مع أميركا المعتمد بالأصل على قوة سلاحها وصناعته، وشيكاً بعد توقيع الهند صفقة شراء صواريخ أس 400 الروسية بقيمة تزيد على الـ 5 مليارات دولار، وذلك في تحدّ واضح للتهديد الأميركي بفرض عقوبات على نيودلهي، وهو ما بدأ يعزّز من قرار استقلاليّة الهند في سياساتها القريبة أصلاً من منظمة دول بريكس . وهو ما يؤكّد كذلك على متانة هذه العلاقة وهذا الحلف الاستراتيجي المهمّ في ظلّ حالة الاستقطاب الدوليّة الرّاهنة والتي ستؤدّي حتماً لأن ترفض الهند الالتزام بالعقوبات الاقتصاديّة المفروضة من إدارة ترامب على إيران، وخاصّةً الحظر النّفطي الذي تستورد منه حوالي 500 ألف برميل وأكثر يومياً.

هناك حرب تجاريّة أعلنها ترامب على أوروبا وكندا والصين وروسيا عدا عن عقوباته على إيران وتركيا، وفرضه ضرائب عالية على الواردات إليها، حيث فرض ضرائب على واردات تعادل 200 مليار دولار على بضائع الصين وحدها، والتي أجبرت على ما يبدو اليوم لأن تلعب الدور الأكبر في توحيد العالم ضدّ أميركا لإنهاء هيمنتها الاقتصاديّة وبالسرعة القصوى. فهناك قرار قد ظهر من قبل الدول المذكورة بالتخلي عن الدولار كالصّين وروسيا وإيران ودول الاتحاد الأوروبي، وربّما سيؤدي إلى إضعاف وإنهاء مفاعيل سلاح العقوبات الاقتصاديّة الذي تستخدمه إدارة ترامب بإفراط هذه الأيّام، لأنّ الاستغناء عن الدولار عالمياً سيقلص عملياً من القدرة الشرائيّة للمستهلك الأميركيّ وسيجعل قيمة الواردات مرتفعة جداً وفوق مقدرة الفرد الشرائيّة للمواطن الأميركي.

هناك أيضاً القرار الروسي بتزويد سورية بمنظومات الدفاع الجوية أس 300 الصاروخية، حيث أتى القرار وتزامن مع التطورات الميدانية في مسار الحرب السورية، هذا القرار الروسي ليس رداً على إسقاط الطائرة الروسية قبالة السواحل السورية، بل هو يبدو كعمل استباقي لردع أعداء سورية ومنعهم من تقويض وتفكيك مندرجات اتفاق سوتشي حول إدلب التي تعجّ بالفصائل الإرهابية التكفيرية، ولتقطع الطريق لإحباط أيّ محاولة من شأنها تقديم الدعم للفصائل الإرهابية. وهذا بدوره يعزز بالمعنى الاستراتيجي فرصة الحدّ من تأثير التدخّل الأميركي العسكري باستهداف سورية بذريعة استخدام السلاح الكيميائي الذي تتدرّب عليه قوى وفصائل الإرهاب. وهو ما أربك الأميركي نتيجة تزويد سورية بهذه الصواريخ المتطوّرة، ومعها إسرائيل التي تمتلك أحدث أنواع القاذفات والطائرات الحربية، فكانت الخشية ومع اقتراب نهاية الحرب على سورية أن تلجأ إسرائيل ومن ورائها أميركا إلى محاولة قلب الطاولة على المنجزات وبعثرة أوراق اللّعبة السورية التي تمّ تحقيق منجزاتها على الصعيدين السياسي والميداني، وانطلاقاً من الحرص الروسي بالحفاظ على الوقائع التي فرضت وتعززت في سورية، كان لا بدّ من فرض توازنات تساهم في الحدّ من تطاول الاعتداءات الصهيونية على الأراضي السورية أو من خلال الأجواء اللبنانية.

وعليه يكون القرار الروسي قد جاء بناءً على قناعة لدى القيادة الروسية حول نية إسرائيل بعدم الرغبة في إنهاء الحرب على سورية من أجل إبعاد الدولة السورية عن موقعها الإقليمي المؤثّر، وكذلك ما يتعلّق بالتخوّف الروسي من التهديد الأميركي الذي يستهدف تمركزها في سورية. إضافة إلى أنّ روسيا تدرك بأنّ واشنطن لن تتنازل عن ورقتها الوحيدة المتبقّية في يدها المتعلّقة بالشمال السوري، وعليه جاء القرار الاستراتيجي بتزويد الجيش السوري بأحدث أجهزة التشويش الإلكتروني فضلاً عن منظومات صواريخ أس 300 . ومن هنا كانت الرغبة الروسية بإحداث تحوّل استراتيجي تستطيع أن تستخدمه في إعادة صياغة الحلّ السياسي في سورية وفي دول الإقليم وفق رغبتها وقدرتها، وليس من باب التأثير الأميركي المربوط بحماية إسرائيل وبقاء هيمنتها على دول المنطقة. إذن هي مؤشرات تصدّع تبدو صادمة في تغيير بنية وهيكلية المنظومة الاستعمارية الغربية التي تتّكئ على بعض الرجعيات الخليجية ونواطير النفط والكاز والتي بدأت تأكل أبناءها بعد أن عجزت وفشلت في تحقيق مشروعها التفتيتي لدول المنطقة… فهل يتّعظ العرب من تجارب الاستلحاق بالغرب؟؟
‎2018-‎10-‎08
أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية