الأزمة الروسية – “الإسرائيلية” وانعكاساتها الفلسطينية
د. محمد السعيد إدريس
الأمر المؤكد أن “جمعية يوم القدس” ومقرها العاصمة الأردنية عمّان، لم تخطط ليتزامن انعقاد الدورة التاسعة والعشرين لندوتها السنوية التي تصادف ذكرى تحرير البطل صلاح الدين الأيوبي للقدس (2/10/1787) مع كل هذا التصعيد الساخن والمتصاعد في الأزمة الجديدة المتفجرة بين روسيا و”إسرائيل” بسبب ما تؤكده روسيا من مسؤولية كاملة لسلاح الجو “الإسرائيلي” عن سقوط وتدمير طائرة الاستطلاع الروسية (اليوشن 20) مقابل ساحل اللاذقية السورية فجر الثلاثاء (18/9/2018). كان عنوان الندوة هو “القضية الفلسطينية- رؤية إستراتيجية مستقبلية” وتضمنت عدداً من الأوراق البحثية التي أعدها وقدمها نخبة من الأكاديميين والخبراء العرب درست الآفاق المستقبلية لمستقبل قضية فلسطين من منظور القوى العالمية الكبرى الثلاث: الولايات المتحدة وروسيا والصين، ومن المنظورين العربي والفلسطيني. كان السؤال المحوري المشترك هو: كيف سيكون موقف كل من هذه الأطراف من القضية الفلسطينية خلال السنوات السبع القادمة (2025) واعتماداً على أي تقديرات، ووفقاً لأي حسابات.
ولحسن الحظ أنني كنت مكلف بدراسة التقديرات المحتملة للموقف الروسي من القضية الفلسطينية، وحمل عنوان الورقة إجابة للسؤال المحوري للندوة. كان عنوان الورقة: “روسيا والقضية الفلسطينية بين محدودية الفرص وكثافة التحديات”. فمسار السنوات السبعين التي انقضت من عمر الكيان الصهيوني أثبتت وجود ثوابت روسية إزاء الكيان الصهيوني رغم صعود وهبوط مسار العلاقات وفقاً لمجرى تطورات الصراع العالمي الأمريكي- السوفييتي، ووفقاً لتطورات الصراع العربي- “الإسرائيلي”، وبالذات محورية أو هامشية القضية الفلسطينية كمحدد للعلاقات العربية مع كل من الولايات المتحدة وروسيا. فروسيا ظلت، مثلها مثل دول الاتحاد الأوروبي، تعترف بالكيان الصهيوني، وتقبل به عضواً في الأمم المتحدة، وتتعامل معه بوصفه دولة ذات سيادة لها حق الاحترام وفقاً للقوانين الدولية، في الوقت الذي لم تطور فيه موقفاً يتبنى حق العودة للاجئين الفلسطينيين كما تكفله كل القوانين الدولية. وظل دعمها لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير مشروطاً بالحدود التي لا تمس أو تهدد وجود وأمن الكيان الصهيوني. فهي إن كانت ترى أن للشعب الفلسطيني الحق في تقرير المصير كباقي شعوب العالم، وإن كانت ترى ضرورة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، فإن هذا وذاك يبقى مشروطاً بألا يهدد هذا الحق وتلك الدولة الفلسطينية المرجوة وجود وأمن الكيان الصهيوني.
فعلى الرغم من تحالف روسيا مع نظام الرئيس بشار الأسد وحلفاءه وبالتحديد إيران، وعلى الرغم من كل ما يربط روسيا بإيران اقتصادياً وعسكرياً ونووياً، وعلى الرغم من التحالف، أو على الأقل، الشراكة الروسية مع إيران في سوريا، فإن روسيا، وكما أكدت قيادة سلاح الجو الروسية مؤخراً وبشكل رسمي، ضمنت “لإسرائيل” أوراقاً قوية في سورية حسب ما جرى تواتره من معلومات سبقت وأعقبت قمة هلسنكي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي دونالد ترامب (يوليو 2018) حيث جرى الحديث عن صفقة أمريكية- “إسرائيلية” مع روسيا تقضي بتمرير وتيسير المشروع الروسي في سوريا والإبقاء على الرئيس بشار الأسد مقابل تأمين روسيا للمصالح “الإسرائيلية” الأمنية في سوريا، وبالتحديد إنهاء الوجود العسكري والنفوذ السياسي الإيراني في سوريا، وتمكين “إسرائيل” من توجيه ضربات عسكرية لأهداف إيرانية تراها خطراً، من منظور تقديرها، لمصالحها الأمنية شرط الإخطار والتنسيق المسبق مع روسيا لتفادي أية أحداث جوية غير مرغوبة بين الروس و”الإسرائيليين”.
هذا يعني أن روسيا أعطت أولوية “لإسرائيل” على الحليف الإيراني الذي تقاتل معه جنباً إلى جنب في سوريا، وأيضاً على حساب الحليف السوري نفسه، “فإسرائيل” وجهت ضربات قوية مئات المرات ضد أهداف تخص الجيش السوري. كل هذا يؤكد مكانة “إسرائيل” لدى روسيا وهي مكانة لم تأت من فراغ فهي وليدة الكثير من المحددات أبرزها بالطبع شبكة المصالح العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والأمنية مع “إسرائيل” إضافة إلى المصالح الإنسانية وبالتحديد ثقل الجالية اليهودية الروسية في “إسرائيل” التي تزيد عن المليون روسي، وثقل اليهود الروس داخل روسيا، إضافة إلى طموحات الدور الروسي المتنامي في الشرق الأوسط ومركزية “إسرائيل” في الإدراك الإستراتيجي الروسي لخدمة مصالح روسية شرق أوسطية، تعتقد موسكو أن “إسرائيل” يمكن أن تكون داعماً قوياً لها بحكم علاقاتها مع واشنطن. وأخيراً تحولات مجرى العلاقات العربية- الروسية، فكثير من هذه العلاقات لم يعد مرتكزاً على شرط الدعم الروسي للقضية الفلسطينية بقدر ما أضحى معتمداً ومتطلعاً إلى دعم روسي للموقف العربي ضد إيران.
هذه المحددات تعتبر تحديات مكثفة للتأسيس لدور وموقف روسي مستقبلي داعم للقضية الفلسطينية، لكن رغم ذلك تحدثت الورقة عن فرص قوية متاحة يمكن أن تخدم طموح التأسيس لدور روسي قوي بديل للدور الأمريكي المتراجع في دعم القضية الفلسطينية هذه الفرص كانت ومازالت تنحصر في رهانات على تدهور العلاقات الروسية- الأمريكية في ظل العقوبات الأمريكية على روسيا، لكن الأهم هو العقوبات الأمريكية على إيران، وصدامها مع مصالح روسية- إيرانية، أما الرهان الأكثر أهمية فكان على صدام مصالح روسية- “إسرائيلية” في سوريا.
الرهان الأخير كان مجرد رهان يمكن أن يحدث كغيره من الرهانات ويمكن ألا يحدث، لكنه حدث. فالصدام الروسي- “الإسرائيلي” الذي كان حادث سقوط الطائرة الروسية “اليوشن 20″، هو شرارته الأساسية، جاء ليصعد من قوة هذا الرهان بعد أن أكدت القيادة العسكرية الروسية مسؤولية سلاح الجو “الإسرائيلي” عن سقوط الطائرة الروسية، ورفض روسيا الاعتذار “الإسرائيلي” عن إسقاط الطائرة ومطالبتها “إسرائيل” بمحاكمة ومعاقبة ضباط الطائرات (اف- 16) “الإسرائيلية” الأربع وقائد السرب الذي أطلق هذه الطائرات. الرفض “الإسرائيلي” لهذا الطلب، ومنح روسيا “إسرائيل” أسبوعاً للرد، ثم الملاسنة الحادة وغير المسبوقة بين أفيجدور ليبرمان وزير الدفاع “الإسرائيلي” ونظيره الروسي ودخول قادة عسكريين روس كبار في اختبار التحدي والقدرات حول من في مقدوره أن يقهر الآخر ويدمره، تحمل مؤشرات خطيرة لتطورات لم تكن في أية حسابات بين موسكو وتل أبيب، يبقى تجييرها لصالح القضية الفلسطينية مسؤولية عربية وفلسطينية وربما يكون هذا هو الرهان الأصعب.
mohamed.alsaid.idries@gmail.com
‎2018-‎10-‎07