د.زياد العاني

من اغرب مقولات ابن خلدون في مقدمته قوله ” ان الذكاء والحكمة العميقة تعتبر عيبا في صاحب السياسة فهي افراط في الفكر فيحمل الحاكم على شعبه ما لايستطيعون استيعابه ولا الإيمان به”.
على الرغم من تحفظات البعض على مقولة رائد علم الاجتماع او ربما أعظم عالم اجتماع منذ قرون، غير ان الواقع اثبت صحة هذه المقولة بشكل يكاد ان يكون دقيقا فترى مثلا فشل قادة سياسيين اذكياء او سقوطهم و ابتعادهم بغض النظر عن الأسباب بينما نشهد نجاح اغبياء او ادعياء او محدودي الفكر في تسلق السلم وبقاءهم في السلطة عشرات السنين.

يعطي ابن خلدون مثلا عن عزل عمر بن الخطاب لزياد بن ألي سفيان وقوله له ( لم اعزلك لعجز او خيانة ولكنني كرهت ان أحمل فضل عقلك على الناس).
منذ يومين غرد القائد مقتدى الصدر ببضع كلمات رشيقة دخلت قاموس السياسة العراقية كما دخلت مصطلحات أخرى منذ بدء تغريداته قبل بضعة أشهر كمصطلح الحكومة الأبوية و شيعي العلا …..وسني الصدى ……ومسيحي الشدى … وصابئي الرؤى ….الخ.

وفِي آخر تغريدة حول استقالة الفساد بدأها بالسلام على الشعب العراقي “الحبيب” انقل منها الجمل التالية:

“بدأنا بخطوات الإصلاح وها نحن نتمِّمها بقدر المستطاع ……نعم قد تمكنا من جعل رئيس الوزراء مستقلا بل ومستقيلا من الفساد الحكومي السابق و اوعزنا له بتشكيل كابينته الوزارية بدون ضغوطات حزبية او طائفية او عرقية و الحفاظ على “الفسيفساء العراقية الجميلة”.

هناك اعتراف بان المرشح كان فاسدا ثم استقال من فساده ولكن كم مرة استقال الرجل من هذا الفساد؟ فقد تربى في عائلة اقطاعية وتحول الى بعثي شرس ساهم بتعذيب اعدائه اليساريين بروح انتقامية بشعة وبعد سقوط البعث في فترة الحكم الاولى تحول الى الماركسية وبعد ان انتهت مصلحته معهم لَبْس لباس الاسلام وتذكر انه شيعي مضطهد فأصبح اسلاميا و جاء مع الاحتلال الذي أكرمه بمناصب رفيعة و سرق كغيره و ارتبط اسمه بقضية خطيرة وهي سرقة الملايين من مصرف الزوية التي هرب اتباعه و مرافقيه وساهم في اخفائهم وتهريبهم الى ايران وبرأوها منها. بعدها انتهت مصلحته بالمجلس الاسلامي بعد ان ارتبط اسم المجلس بالفضائح والفساد فاستقال منه ولبس لباس التيار المدني المستقل وهنا خرج مصطلح الاستقالة من الفساد على لسان المفكر مقتدى الصدر والذي اخذ بنصيحة ابن خلدون هو نفسه من خلال ترفعه عن المناصب فذكاءه وحكمته لا تتلائم بان يكون سياسيا قائدا لشعب لايستًطيع استيعاب أفكاره ذات الحكمة العميقة ولكنه نسي الحكمة او المثل المتعارف عليه بان من شب على شيء شاب عليه. وبعد مهلة السنة التي أعطاها له سيكتشف ان الرجل بقي على ما هو عليه وسيقول له بعدها مبررا استمراره في الفساد بانه لا يلام على سلوك اختطه منذ الصغر تيمنا بقول الشاعر؛

وكيف ملامتي مُذ شاب رأسي
على خلق نشأت به غلاما

2018-10-06