كشاهد عيان على أكتوبر الأسود عام 1993.. ربع قرن على قصف البرلمان الروسي..

حقائق لا يعرفها العرب

سلام مسافر

 

قبل 25 سنة شهدت موسكو أحداثا خطيرة، غيرت وجه روسيا. سلام مسافر غطى تلك الأحداث ساعة بساعة وشهد حرق البرلمان الروسي ومحاولة اقتحام مبنى التلفزيون.

وكلما أطلقت الدبابة قنبلة، أو رشت المجنزرات مبنى مجلس السوفيت الأعلى، كلما تعالت التصريحات في البيت الأبيض بواشنطن، تؤازر بوريس يلتسين وتدعمه في القضاء على آخر معاقل الشيوعية”!

 

 أطلق ليبراليو روسيا المتأمركون على المبنى الفخم لمجلسي السوفيت الأعلى، ومجلس الجمهوريات لروسيا الاتحادية، اسم “البيت الأبيض” تيمنا بالبيت (العتيق) في واشنطن.

لكن المبنى الروسي، المشيد من الأجر الأبيض؛ في العقد الأخير من الحقبة السوفيتية، تسوّدت طوابقه العليا بالقصف من دبابتين، كانت إحداهما، ترابط أمام المبنى منذ أيام، وتوجه مدفعها إلى البرلمان الروسي، سوفيتي، اللون والنكهة، والانتماء، وظهرها للسفارة الأمريكية في موسكو التي تحاذي (البيت الأبيض) بمسافة لا تزيد عن 100 متر.

ولم يكن، المتظاهرون الذين وصلوا بالآلاف من مختلف أنحاء روسيا، لمساندة النواب المعتصمين في المبنى احتجاجا على مرسوم رئيس جمهورية روسيا الاتحادية، بوريس يلتسين، يتوقعون أن تقدم السلطات على تطويق مجلس السوفيت، وتقطع الماء والكهرباء عن مرافقه، وتبث موسيقى صاخبة من مكبرات صوت ضخمة متنقلة للتأثير نفسيا على المعتصمين المرابطين مع مئات الصحفيين على مدى أسبوعين، منذ أن أصدر يلتسين مرسومه الشهير رقم (1400) في21/9/1993 بحل مجلس السوفيت الأعلى وإجراء انتخابات مبكرة.

انقلاب عالمي

غالبية المواطنين المعتصمين مع النواب، قدموا من خارج موسكو، فتحولت الساحات والشوارع المجاورة، إلى مساكن مؤقتة في الهواء الطلق، وتحت درجات حرارة، تنخفض ليلا إلى 10 درجات مئوية وربما أقل.

وكنا، نحن الصحفيين، المرابطين مع المعتصمين، نتوجه في الصباح نحو (البيت الأبيض) ونعود إلى بيوتنا، مع حلول الظلام في تلك الأيام الخريفية العاصفة، التي شهدت أحد أهم أحداث القرن العشرين، إن لم تكن أهمها بعد الحربين العالميتين، والثورة البلشفية في روسيا، وقيام الاتحاد السوفيتي، وانهياره المدوي مطلع تسعينيات القرن المنصرم.

ولم يتردد البيت الأبيض الأمريكي الذي يبشر منذ قيام (الأمة) الأمريكية، بالديمقراطية، عن تقديم شتى أنواع الدعم والمؤازرة لبوريس يلتسين في حل، ومن ثم قصف البرلمان الروسي المنتخب.

وصرح الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون؛ بأن اعتصام النواب الروس المحتجين على حل البرلمان، (سكرة الموت لنظام راحل).

وفِي كل يوم، كانت أعداد المعتصمين تزداد، ومعهم، قوات مكافحة الشغب (الآمون)، يقودهم حارس يلتسين الشخصي ألكسندر كورجاكوف، الذي نشر في ما بعد مذكرات كشف من خلالها عن حجم الفساد وإساءة استخدام السلطة في حقبة يلتسين الكارثية في تاريخ روسيا المعاصر.

فعلى مدى الأسبوعين بين مرسوم حل المجلس، وقصف المبنى بالدبابات، أصدر يلتسين 1200 مرسوم؛ غالبيتها؛ تقضي بخصخصة مؤسسات وممتلكات الدولة ومصانع القطاع العام.

وتحولت مؤسسات عملاقة، بنيت بعرق وجهد ملايين المواطنيين السوفيت، بين عشية وضحاها إلى ملكية حفنة من اللصوص وقطاع الطرق والمرتشين.

كان عراب الخصخصة أناتولي تشوبايس، يد يلتسين اليمنى حينها، والنائب الأول لرئيس الوزراء، يحمل أضابير المراسيم وفقا لاعترافات كورجاكوف، إلى يلتسين في مهجعه، ليقوم بالتوقيع عليها، مغمض العينين، ثملا لا يقوى على الوقوف!

 نهب روسيا

على مدى تلك الأيام، وفيما كان العالم يتابع الأحداث، المتسارعة في روسيا، التي تبلغ مساحتها سدس اليابسة، أجهزت الأوليغارشية الوليدة من رحم الحزب الشيوعي السوفيتي على ممتلكات الدولة وحولتها إلى خردة، تباع بالمفرق.

وتبدّى واضحا أن قرار يلتسين حل البرلمان المنتخب الذي منح أول رئيس لروسيا، بعد انفراط عقد الاتحاد السوفيتي، صلاحات واسعة، لم تطفئ عطش يلتسين إلى السلطة، وطمع حاشيته، للاستيلاء على ممتلكات الدولة في أسرع وقت وبثمن بخس.

 

وبعد عام، وفي الذكرى الأولى لمذبحة (البيت الأبيض) تفاخر تشوبايس بنجاح برنامج الخصخصة، وقال بالحرف (نجحنا.. نجحنا رغم أنف من يقول إن الممتلكات بيعت بأسعار بخسة وبطرق ملتوية وعن طريق الرشى والاختلاس. فليكن ذلك، المهم انتصرنا على النظام البائد وأنجزنا الخصخصة)!

وقبل وفاته ببضع سنوات، اعترف إيغور غايدار، رئيس وزراء يلتسين، مطلق برنامج “العلاج بالصدمة” للتحول من النظام الاشتراكي السوفيتي إلى الرأسمالية، بأن مصانع تخريط الماس في روسيا، مثلا، بيعت “بسعر حذائين إيطاليين فاخرين”!

اعتراف غيدار بالنتائج الكارثية لعملية الخصخصة، التي أدت إلى استيلاء حفنة من المضاربين وتجار الشنطة، والسوق السوداء على معظم ثروات روسيا، وحولتها إلى دولة كسيحة على مدى عقد وأكثر، لم يكن تكفيرا عن الذنب، بل في سياق صراع مراكز القوى وسط زبانية يلتسين.

سحب الأزمة تتجمع

في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول عام 1993، سرت بين معتصمي البيت الأبيض شائعات، عن نية إدارة يلتسين، إخراج النواب ومؤازريهم بالقوة من المبنى، إذا لم يستجيبوا إلى النداء الأخير بإخلائه.

ولاحظنا تحركا كثيفا للقوة المسلحة المدججة بالسلاح، وغالبية أفرادها ملثمون، يحملون بنادق رشاشة، وتجهيزات الطوارئ، فيما كان أنصار البرلمان المنحل، يتسلحون ببنادق صيد أو مسدسات قديمة، ولم تكن مظاهر التسلّح بادية للعيان بين المؤازرين.

واتضح لنا من حركة النواب في المبنى والاجتماعات المتوالية؛ أن الخلافات تدب في صفوفهم، وأن أجهزة يلتسين نجحت في استمالة أعداد منهم، فتركوا المبنى وخذلوا رفاقهم.

ولم يكن قادة الاعتصام يتمتعون بروح قيادية، تتناسب وحجم الكارثة المحدقة بهم، فقد حاول ألكسندر روتسكوي، نائب رئيس الجمهورية الذي انشق عن يلتسين، والتحق بالمتمردين، تزعم المعارضة، لكنه أخفق، ولم يشفع له ماضيه العسكري، كطيار حارب في أفغانستان ونجا بأعجوبة من الموت إثر تحطم طائرته فوق جبالها.

فقد اتسمت تصرفات الجنرال المسرح من الخدمة، لأسباب صحية، بالارتجالية، واتخاذ القرارات دون تمحيص، والإسراف في الخطابات الرنانة والغرور.

أما رئيس مجلس السوفيت الأعلى، أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة بليخانوف الحكومية، روسلان حسبللاتوف، فإن أصوله الشيشانية، لم تساعده كثيرا في السيطرة على تشرذم المعتصمين، وتفشي مرض الزعامة بين صفوفهم.

وكان عالم الفيزياء، فالنتين سوكولوف، رئيس مجلس الجمهوريات آخر من يفكر بالزعامة.

فالأستاذ في جامعة موسكو، وصل إلى رئاسة المجلس بفعل مكانته العلمية وليس لحرفته السياسية، عدا عن أن المنصب، شرفي لا يتمتع بصلاحيات كبيرة.

كنت أشعر أثناء اللقاءات معه، أن الرجل الستيني الوسيم، متورط مع المعتصمين، لكن رجولته وأخلاقه كعالم ومثقف، تحول دون أن يترك النواب في محنتهم ويغادر المبنى الذي لم يعد صالحا للعيش بعد قطع الخدمات الضرورية عنه.

كان سوكولوف، عارض حل مجلس السوفيت، وانضم إلى المعتصمين أملا في أن يراجع يلتسين قراره. وربما راهن أيضا على موقف دولي، معارض لحل برلمان منتخب.

لكن حسابات الفيزيائي خسرت، أمام كيمياء المعادلات الدولية التي لا تتفاعل مع الأخلاق والقيم العليا.

 إخلاء للشوارع مريب

 كانت قوات الشرطة، خلال الأيام التي أعقبت مرسوم يلتسين المرقم ( 1400) تنتشر بكثافة في مركز موسكو، والشوارع، والساحات المجاورة لمبنى مجلس السوفيت الأعلى، وتضع الحواجز والأسلاك الشائكة، لمنع وصول أنصار النواب المعتصمين.

 

ولم تكن تسمح إلا لوسائل الإعلام بالاقتراب من المبنى ودخوله من البوابة رقم 20، التي كانت في الأيام الخوالي، مدخلا للصحافة وضيوف المجلس.

وواجهت الصحافة المرئية، صعوبة، مواصلة العمل داخل المبنى لفترة طويلة، بسبب قطع التيار الكهربائي عن أرجائه. وكان المراسلون يضطرون إلى الخروج بين الحين والآخر لشحن بطاريات الكاميرات، وأجهزة الإنارة. وشهد المبنى حضورا غير مسبوق في تاريخ روسيا لوسائل الإعلام الغربية والأمريكية، والإسرائيلية.

 شهد يوم 3 أكتوبر/تشرين الأول، حالة غريبة، فقد اختفت الوحدات العسكرية، والشرطة وحتى شرطة المرور من الشوارع، وتلاشت الوجوه الملثمة لقوات (الآمون) أو المهمات الخاصة. ووجدت الجماهير الحاشدة المناصرة للسوفيت المنحل، نفسها مطلقة الحركة، فأزالت الحواجز والأسلاك الشائكة، وتوجهت بالألوف نحو المبنى، والتحمت مع النواب المعتصمين.

واقتحمت أعداد غفيرة مبنى محافظة موسكو، المحاذي لمجلس السوفيت، واستولت على مكاتبه بقيادة الجنرال المتقاعد ألبرت ماكاشوف، ولم يعترض، أحد، طريق الجموع المنتشية بنصر موهوم، وقد انحشرت بالمئات في باصات كبيرة، متجهة بقيادة الجنرال المثير للجدل ألبرت ماكاشوف نحو مبنى الإذاعة والتلفزيون الذي أطلق عليه الجنرال وأنصاره اسم “تل افيفنيه” تحريفا لكلمة ” تيليفيدينة” كناية عن سطوة عناصر غير روسية على وسائل الإعلام في البلاد.

 

ووصلت الجموع إلى المبنى، الذي ويال الغرابة، اختفت قوات الشرطة من حوله، ولم يبق إلا عدد قليل من الحراس شبه العزل.

وأغلق من لم يهرب من المبنى، الأبواب الزجاجية بوجه المطالبين بإلقاء بيان (إلى الأمة) كتبه النواب المعتصمون، كما أوعز الجنرال ماكاشوف. وحين وجد الأبواب موصدة، لسيارة شحن كانت تقله وأنصاره، بتهشيمها واقتحام المبنى عنوة.

انطلقت فجأة من داخل المبنى، إطلاقات كثيفة من الرشاشات والمدافع المحمولة. وكنت بين مئات الصحفيين، خلف الجموع الزاحفة. وشاهدنا تساقط بعضهم بفعل طلقات كان قناصة يطلقونها من برج التلفزيون.

تراجعت الجموع، تحت الرش الكثيف للطلقات، ولاذت بالشوارع القريبة. ودخلت مجاميع منهم إلى موقف سيارات مجاور، اعتقدته، موقفا خاصا للمنتسبين في”تل افيفينية” وقامت بتحطيم ما تقع أيديهم عليه، واختاروا السيارات بماركات أجنبية تحديدا. وبينهم سيارتي ماركة “بي أم في” التي تحمل لوحة (7 ك) الصفراء رمز مراسلي وسائل الإعلام الفرنسية، حيث كنت حينها مراسلا لإذاعة “مونت كارلو”.

ولم نعرف في حينها من أطلق النيران على مقتحمي مبنى الإذاعة والتلفزيون، ويبقى الملف طي الكتمان إلى الآن.

لكن الصحافة الروسية المعارضة، وصحافة الأحزاب القومية واليسارية الروسية التي تشرذمت بعد انفراط عقد الاتحاد السوفيتي؛ تؤكد، خلال إحياء ذكرى المجزرة، أن كتائب “بيتار” الفصيل المسلح للشبيبة اليهودية، كانت داخل المبنى، وصدت بقوة السلاح المطالبين بمخاطبة الشعب الروسي مباشرة عبر القنوات التلفزيونية الحكومية!

 

اضطررت لأن أستعير سيارة جار لي للعودة إلى مجلس السوفيت الأعلى، لمعرفة تطورات الوضع هناك بعد ليلة دامية في (أوستانكينو) مقر التلفزيون. كان المبنى يغرق بالظلام، ويتنقل النواب المعتصمون، ومن أصر على البقاء من مؤازريهم وعدد محدود من المراسلين الأجانب، بينهم صحفيون أمريكان، كانوا أبلغونا في الصباح، أنهم ينتظرون حدثا مدويا اليوم أو غدا!

هل هناك حدث أكثر دويا من محاولة اقتحام “اوستانكينو” واضطرار محطات التلفزة الحكومية إلى البث من ستوديوهات “شابلوفكو” الاحتياطية القديمة!؟

ومن “شابلوفكو” وجه غينادي زيوغانوف سكرتير الحزب الشيوعي الروسي، نداء إلى “المدافعين عن مجلس السوفيت الأعلى” التوقف عن أعمال العنف، والركون إلى الهدوء وطالب يلتسين بمنع القوات الأمنية من الاعتداء على المحتجين السلميين وناشد الفرقاء العودة للسلم الاجتماعي.

ويكون زيوغانوف، ربما، أدرك مخاطر انجرار روسيا إلى حرب أهلية، وقدّر أن خصوم النظام القديم، يستخدمون صلاحيات يلتسين، لحرق المراحل، وأنهم لن يتوانوا عن حرق الأخضر واليابس وصولا إلى هدف خصخصة روسيا، مستندين إلى دعم بيوت المال العالمية وإلى واشنطن والعواصم الغربية.

وأكد لي زيوغانوف، بعد أن هدأت العاصفة، أن النداء الذي وجهه لم يكن تراجعا عن معارضة يلتسين “بل لحقن الدماء”. ووصف من انتقده من قوى اليسار المتطرف، واليمين القومي بأنه خان القضية، قائلا: “هؤلاء مصابون بمرض الطفولة اليساري”. مستخدما المصطلح اللينيني الكلاسيكي المعروف.

هجع الليل، وألقى الخريف مصفر الأوراق بظلاله ثقيلة على المبنى المظلم، فيما واصلت جموع منكسرة من الهجوم الفاشل على “أوستانكينو”، المرابطة أمام السوفيت الأعلى، تشعل مواقد من أوراق الخريف، والقمامة وأغصان الأشجار المتساقطة، طلبا للدفء في زمهرير الليلية الخريفية التي حملت في الصباح الباكر ليوم 4 أكتوبر/تشرين الأول 1993 نهاية أول مجلس للسوفيت، منتخب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، اعتبره يلتسين والزمرة التي حكمت روسيا عائقا أمام مشروع “بيع روسيا” أو هكذا وصف الشيوعيون وحلفاؤهم الخصخصة.

حقائق لا يعرفها العرب!

ربع قرن على قصف البرلمان الروسي (الجزء الثاني)

R

عدت إلى مسكني القريب من مبنى التلفزيون شمال شرقي موسكو، منتصف الليل، واتصلت بورشة تصليح للسيارات أعرف أنها تعمل لساعة متأخرة.

ورجوتهم إعادة بعض الرونق إلى سيارتي التي تكسر زجاجها الأمامي بفعل ضربات الناقمين على رأسمالية يلتسين، فوقعت معاولهم برؤوس المساكين. إذ أن لوحة (7ك) الصفراء ضرورية كالهواء للتنقل في مدينة تعيش حال الطوارئ.

انطلقت؛ بعد ليلة ارق امتزجت برائحة عوادم السيارات في ورشة التصليح الخافرة، نحو مجلس السوفييت الأعلى، في شوارع شبه خالية من المارة، وأجواء مكهربة، وبدت حركة السيارات ضعيفة، لا تشبه المعتاد في ساعات الزحام.

 كانت الجموع تقلصت حول (البيت الأبيض) وتبدى مكفهرا على خلفية غيوم تتجمع حاجبة شمسا باردة، انعكس شعاعها الباهت على نهر موسكو المثقل بتاريخ طويل من المآسي والحروب.

 دخلنا المبنى، كان التوتر يخيم على الوجوه، فقد بات مؤكدا، بعد “غزوة اوستانكينو” الفاشلة بقيادة الجنرال البرت ماكاشوف، أن إخلاء مجلس السوفييت من المتمردين، صار قاب قوسين أو أدنى.

ولاح أن مفاوضات تجري مع حسباللاتوف وروتسكوي، وبقية قادة الاعتصام لتسليم أنفسهم. وإخلاء المبنى.

أخذت الجموع تزداد، وتعالت الهتافات تطالب بمحاكمة “قاتل الأبرياء بوريس يلتسين” وسط أخبار متواترة غير رسمية، عن أن المئات قتلوا في هجوم التلفزيون. وظهر بعض قادة المجلس إلى الشرفة ولم يكن بينهم حسباللاتوف، فقد اعتكف رئيس المجلس في مكتبة متلفعا بمعطفه من شدة البرد وبدا شاحبا تطوق هالات سوداء عينيه المحمرتين.

sokolov.krasu.r

لم يلبث الهدوء طويلا، حتى انطلقت رشقات من الرصاص باتجاه المبنى، أعقبتها قذائف دبابة، أشعلت النيران في طوابقه العليا، وسادت الفوضى داخل الأروقة، فقد كان الجميع يبحث عن ملاذ بين المكاتب الغارقة في دخان القصف العنيف. وتجمعنا داخل قاعة الاجتماعات الصغرى الخالية من النوافذ والشرفات الخارجية.

توقف القصف للحظات ودخلت قوات “امون” وبدأت بطرد الحشود من البوابة رقم 20 التي تكدس في مدخلها حملة بنادق الصيد من أنصار البرلمان المنحل.

كنت مع ” فرناندو” المراسل الإسباني، في مكتب رئيس مجلس الجمهوريات البروفيسور بنيامين سوكولوف. وشعرنا أن الرجل يدرك حجم الورطة التي وجد نفسه داخلها، مع أنه لم يكن خائفا أو خاضعا، لكنه كان يخشى الإهانة على يد قوات الدرك المعروفين بالقساوة والصلف.

 وتعطلت لغة الكلام !

فهم زميلي الإسباني بلغة العيون، أن علينا إخراج البروفسور من المبنى وتجنيبه الإهانة والاعتقال.

نزع الأستاذ سوكولوف نظارتيه واعتمر قبعة غطت جزءا من ملامحه وسلمناه كاميرا، وأحطنا به وكأنه ضمن المجموعة الصحفية.

قلت لفرناندو. يكفي أن نصل إلى سيارتك التي تحمل الرقم الأحمر الدبلوماسي والتي ركنها في مكان قريب. وبعدها سأتولى إنجاز المهمة إلى النهاية.

بصعوبة شق الصحفيون طريقهم إلى الخارج. ونجحنا في الوصول إلى الزقاق الملاصق للسفارة الأميركية، حيث سيارة الزميل الإسباني التي تحمل لوحة دبلوماسية، وأجلسنا الراكب الثمين في  المقعد الأمامي، وتحركنا به نحو سيارتي التي ركنتها ليس بعيدا عن السفارة الأميركية، فيما القصف متواصل والرصاص ينهال على المبنى الأبيض من مختلف الجهات. والنيران تشتعل في الطوابق العليا.

لم تنسحب الجموع، إلا بعد أن تكثف القصف، وجرت محاولات لاقتحام المبنى. ويلوح أن جثثا كثيرة سدت الطريق، وضعفت الإرادة، بينما وحدات (امون) تلقي القبض على من لم يفلت، وتنقلهم إلى جهة مجهولة.

قيل إن عمليات “إعدام ميداني” جرت في الملعب المجاور. وإلى الآن ما يزال مصير مئات المفقودين مجهولا. وصدرت تقارير وأفلام فيديو تتحدث عن آلاف الضحايا.

من الصعب تقدير عدد القتلى في قصف مجلس السوفييت الأعلى، لأن سلطات يلتسين عتمت على  ملف تحقيق لم يفتح أصلا.

وصلنا بعربة فرناندو إلى سيارتي بلوحتها الصفراء (ك7). فقد كان الزميل الإسباني يخشى أن ينكشف أمرنا، ويتعرض للمساءلة من سلطات بلده، والوقوع تحت طائلة القانون الذي يحرم استخدام اللوحات الدبلوماسية في أعمال تخل بتعليمات البلد المضيف. وكنا منذ البداية اتفقنا على التفاصيل.

 انطلقت بالبروفيسور بنيامين سوكولوف عابرا الجسر الذي كان يغص بمئات المتظاهرين، يحملون صور يلتسين، ويحييون سقوط مجلس السوفييت والشيوعية!

غلفنا الصمت، وشعرت أن الألم يعتصر قلب رئيس مجلس الجمهوريات وهو يرى بلده ينهب، والجماهير تهتف بحياة كبير اللصوص!

ولشدة حزنه ظل ممسكا بنظارته الطبية السميكة بيديه، لم يضعها على عينيه وكأنه لا يريد رؤية الشارع الغاص بمتظاهرين كانوا يصفقون وكأنهم في سيرك، لقصف برلمانهم المنتخب!

أوصلت المرحوم سوكولوف ( توفي عام 2011 عن 76 عاما) إلى منزل ريفي في ضاحية بموسكو. وسمعت بعد ذلك أنه عاد إلى الخدمة في ديوان الرقابة المالية، ولم يتعرض إلى التحقيق والاعتقال أسوة بقادة مجلس السوفييت الأعلى الآخرين.

أثناء الأحداث، كان معنا صحفي أمريكي متخصص بالشؤون الروسية والسوفيتية، يكتب لكبريات الصحف، اسمه ديفيد ساتر، وعرف بتحمسه ليلتسين وفريقه “الإصلاحي” ويروج لما اسماها “روسيا الديمقراطية”.

بالأمس وبمناسبة مرور 25 سنة على قصف (البيت الأبيض)، كتب ديفيد مقالا بعنوان “نهاية الديمقراطية الروسية” أقر فيه بأن حل وقصف مجلس السوفييت الأعلى، جريمة أجهزت على التجربة الديمقراطية الروسية وقبرتها إلى الأبد!

هكذا هم بعض صناع الرأي الأمريكان، يقتلون الميت ويمشون في جنازته!

2018-10-06