مدن بطعم البارود..ح3!
رواية
بشرى أبو شرار
صفوح المصلح” أدق على حروف اسمه، وأنا على يقين أنني لن أخطئ في حروفه, لأني طلبت منه أن يكتب لي اسمه بالعربية كي لا أقع في خطأ كتابته..وحين كتبت أستاذ “صفوح”، كتب لي: “برجاء ناديني بـ “صفوح”، ولم أتردد أن أكتب له عن إعجابي باسمه، وأنه من الأسماء التي لا تمر بنا كثيرا.. “صفوح” صفح ومصالحة..
وعاد يكمل معي حواره بأن هذه المعاني قدر لها أن تشوه وتفرغ من مضمونها, وأنه ليس متفائلا على المستوى القريب؛ مما دفعني لأن أكتب له مؤكدة بأننا لن نضيع ولن تمحى هويتنا..
اتسع باب الحوار.. “صفوح” يكتب لي أننا بحاجة لجهد خارق, لأن كل ما بناه الأجداد خربوه وبسرعة قياسية, وأن ما يحدث هدفه ضرب المجتمعات وبنيانها الأخلاقي ليستطيعوا السيطرة عليها..
بتنهيدة تجرح صدري كتبت له:
“متى نعيد صفحات تاريخنا المضئ إلى الوجود مرة أخرى؟.. الحال واحد يا صديقي، والعدو واحد والانتصار واحد… كم يسكنني الأمل في توحيد الصفوف..نحن لم نلتق يا صديقي، ولكننا التقينا على حب وطننا الغالي.. نحن لم نلتق, وكُثرٌ هم من يلتقون على استباحة الدم والأرض والعرض.. نحن معا يا صديقي وسيكون الغد واليوم والوطن لنا…”
يعود “صفوح” يلملم ما تبقى من خيوط الحكاية:
“سأكتب قصيدة بهذا العنوان.. سأرسلها لك.. أنا لست بشاعر, ولكن عندي ميول بسيطة قد تؤخذ بعين الاعتبار.. انتماؤك للوطن راق, عابر للأزمنة, والنصر لكل الشرفاء المقاومين, ولأرواح الشهداء الذين سيرتاحون في مثواهم بتحقيق نصر مؤزر مهدى لهم, لأنهم صانعوه …”
بهذه الكلمات ودَّع العالم “صفوح” من نافذة صفحتي التي يكتب لي عليها.. بهذه الكلمات أعلن أنه يكتب قصيدة لم تكتمل..
“ليلى” المغربية” ظلت تدق على الهاتف بأرقام “صفوح”.. تسمع رنينا ورنينا.. لا أحد..يسكنها أمل أن تصلإليه برنين هاتفه حيث يكون.. غاب الصوت.. غاب “صفوح”.. تعاند, تكابر على كل قدر غادر متشح بالسواد، وقد أحاط به….
تنشج حروفا من قلب الوجع هي الهذيان من فقد لا يعرف حدود الأزمنة ولا جغرافيا المكان ….
قال لي ” ستولد المشاعر فجرا …. سيعود الشعر يوما وتعلنين الحنين جهرا …. لم ينبهني أن هناك من سيقتل العشق ظهرا …. لم ينبهني …. لم ينبهني …. ”
***
“حين تخون الوطن لن تجد ترابا يحن عليك.. يوم موتك ستشعر بالبرد حتى وأنت ميت..”
هكذا كتب “غسان كنفاني”،وأنا أكتب:
“كف الصغير تقبض على الألوان, ينثرها في وجه الريح, تحلِّق في فضاء الحكاية, يرسم منها ملامح وجهه, وضحكة بريئة تزيل رماد الأرض, تطهرها من دخان بطعم البارود, يرسم ويفتش عن ما تبقى من أصحاب, قد يهزم بألوانه هدير الشر القادم نحوه..”
***
هل مر الوقت في اللاوقت، وأعلن “ميرابو عاقل” عن رحلته السرمدية؟.. هل مر الوقت وداهم قلوب أحبته بأن ساعة الرحيل قد حانت؟.. ما سر ساعة الوقت هذه؟!. وأيام وشهور وسنوات كنت بين أهلك صارت هي الحلم, هل كان الحلم من مواقيت ساعة الوطن، والوطن لا يخون.. الوطن لا يموت.. وطن هو من تراب “ميرابو” ورفاق له تشابه قصتهم قصتك يا أنشودة الحياة، ويا مرثية الفرح باستشهادك الأبي المقاوم..
“ميرابو” يعلن عن رحيل ساعة الوقت, زخات من شهب تنفك عن حصارها, تتساقط في فضاء “سورية” من “السويداء” الأرض تنتفض ما بين حزن وفرح, ما بين شجن وترنيمة عشق, اقترب نجم من فضاء الحكاية, كانت الأرض أشد قربا, فشهد الكون ميلاد آلاف الشهب, من الميلاد إلى الأفول في عرس كوني هو الأسطورة, هل تحمل تلك الشهب بقايا من حروف الأسماء؟..هل تجيد مرثية عشق سرمدي لهذا الوطن؟.. هل نقرأ من حروفها اسم “ميرابو” ورفاق له؟.. هل جاءوا إلينا في هذا العرس الكوني الفريد, فلنكتب الأسماء نقشا على كل حائط, كل صخرة, كل شجرة سنديان, تقول:
“هنا ولدت حكاية وألف حكاية.. هنا نصنع تاريخ هذا الوطن..”
لـ “ميرابو” حكاية تورق براعمها من زهرات تبوح بحكاية البطولة.. عقارب الساعة تقضم الوقت وأنت الخارج من مداراته, لا سنة تمر ولا الأيام ولا الساعات, أنت من يضبط ساعة الوقت على ملحمة البطولة والتي هي كل مواقيتنا..
“ميرابو”.. يا صديقي الأخير، لا وقت للوقت, ظلك أنت, روحك أنت هي كل مواقيتنا، من شروق شمسنا حتى غروبها لشروق جديد..لك اسم نقشنا حروفه على الحجر.. نثرنا حروفه في فضاء الكون.. في البحر، في النهر جدولٌلا ينضب ماؤه.. حين تورق براعم الحكاية لن تسقط الأوراق عن الشجر, لن تضيع الأسماء.. لن تكون وحيدا في مرحلة الغياب, لك رفاق عاهدوا وأوفوا بالعهد, ولكل منهم حكاية تشبه حكايتك…
يمضي الوقت بنا، من عام إلى عام, وشجرة الصبار تنغز أكف الصغار, تسيل دماءً, تذكرنا بدماء من سقطوا واقفين.. تذكِّرنا بأن الوطن غال، وكيف يهون الدم لأجل ترابه..
تمضي قافلة الشهداء.. يلحقون بموكب الشمس.. من نور أرواحهم تتجدد فينا روح الحياة، وأنت يا “ميرابو”، وقد أخذك الغياب وأهدانا أيقونة من روحك.. أهل وأحبة على حافة الانتظار في قريتك الغافية على كتف الجبل “العنازة بانياس” نبع البطولة والتضحيات..نرسم حروف اسمك على صفحات التاريخ, تصلنا ترنيمة من صوتك مرثية فقد أبدية.. ما أجملك يا وطن ضم تراب “ميرابو”….
***
صباح الخير “ميرابو”.. عام مضى، وعام قادم إلينا.. نجوب الطرقات, نقتفي أثر الظلال, نبحث عن ظل لك في شارع بيتنا القديم, على طرقات بيوت تشبهنا, من فتحة نافذة حفظت ملامح وجهك, من درجات لاتزال تحفظ وقع أقدامك عليها, وباب بيت لم ينس نقر كفك عليه, وصوت لك يصر حتى اللحظات الأخيرة لأن يظل مسافرا, ينثر مرثية حزن وفقد من صوت “ميرابو” العاشق لترنيمة وطنه, فكانت له معزوفته الأخيرة…
“ميرابو” يا أيقونة صبح يطل بوجهه علينا.. يصلني الصوت حيث أنت هناك:
“لا تضيعوا الصور.. لا تبعثروا الصفحات.. لا تنسوا الحكايات.. فكل حكايات البطولة والصفحات المكتوبة هي “ميرابو” ورفاق له في ترنيمة عشق للوطن..”
***
قد يمر الوقت، وتمضي سنوات العمر.. تكبر الصبية.. يكبر الصبي، وحكايات من ضحوا منقوشة على جدار الذاكرة.. لن يكونوا أحجارا وترابا.. للشجر حكاية، وللتراب حكاية, ولأحجار بلادنا وغيماته ومطرهألف حكاية.. حكاية بدايتها حين يروي الحجر أن “ميرابو” البطل ورفاقه مروا من هنا…
***
من “العنازة” “بانياس” الإعدادية في مدرسة الهنكار “طرطوس” من الثانوية “عقبة بن نافع” “طرطوس” انتسب للكلية الحربية, في السنة الثالثة ذهب لكلية المدفعية “حلب”، تخرَّج برتبة ملازم, التحق بمركبات الحرس الجمهوري في اللواء 104 كتيبة مدفعية, شارك في ملاحقة الإرهابيين, كبَّدهم خسائر فادحة في عدة مناطق من “دوما” التي بقي فيها عاما كاملا, انتقل في “تموز” إلى ريف دمشق, بساتين الرازي, القدم, يلدا, الحجر الأسود, المليحة, الميدان, ركن الدين, التضامن..
تعرَّض “ميرابو” ورفاقه لعبوة ناسفة في “دوما”، نجوا منها بأعجوبة, وبعد وقت لاحقه طلق ناري, ليستقر بجهة القلب قبل استشهاده بأسبوع في حي “التضامن” وعدة طلقات من مسدس, تعافى منها لينتقل هو ورفاقه إلى “مدينة التل” بريف دمشق لتطهيرها من المرتزقة..”ميرابو” لم يكمل مهمته حيث تربص به قناص, وأصابه بطلقة في جهة القلب كان مستقرها..
من مدرسة “الهنكار” إلى عقبة بن نافع إلى الكلية الحربية, وصوت لك يا “ميرابو” يكبر بحجم الوطن, صوت افترش التلال, الطرقات.. كنت تكتب الموال عصيا أبيا, أبى إلا أن يسافر ليحط على كل حدود الوطن, أبى الصوت أن يموت, أبى الصوت أن ينهزم, تدق بقدمك كل الساحات, تمتطي دبابة لا تضل الطريق, وصوت هادر لن يضل الطريق, لـ “ميرابو” قلب صغير, تنام فيه سورية, لـ “ميرابو” قلب صغير لا تشغله طلقات الرصاص ولا دخان القنابل, لـ “ميرابو” قلب صغير كتب عليه اسم معشوقته الأبدية “سورية” قلب لا يعرف البكاء, قلب تسكنه أهازيج الفرح وحكايات لوطنٍ لا يموت, يشدو أنا سورية.. ظل العاشق لترابه, لرفاقه, لأهله..”ميرابو” علَّق ابتسامته على كل باب وفتحة شباك, براعم الياسمين التي لم تشلح الأبيض عنها..
“إذا رحلت في ساحة القتال كفنوني.. وابعثوا بجسدي إلى المنزل.. ضعوا سلاحي على صدري.. أخبروا أمي أنني قاتلت بقوة, وقولوا لأبي ألا يحني رأسه, وأخبروا حبيبتي ألا تبكي, لأنني الجندي الذي ولد ليرحل من أجل الوطن…”
هي أنشودة “ميرابو” في مواله الأخير..
كتب “جبران” لأخيه “ميرابو”:
“أسمع صوت ابتسامتك تعشش في أعماق قلبي, قبل ساعات من الآن قلت أنك قادم لأجازة لعقد قرانك على حبيبتك التي انتظرتك ثمان سنوات, قلت لي: “لا تخف..”التل” مثلها مثل باقي المناطق التي حررناها من رجس الإرهاب”.. وهذه الساعات كان فيها صوتك الأخير, لصيف أخير.. لابتسامة أخيرة..ستظل القادم إلينا مع نسمات الوطن, ظلا سرمديا لحياة أبدية لها كل مساحات المحبة،سنشرب قهوتنا أمام بردى, وسنخبر أطفالنا أن أعواما صعبة مرت على سورية, وأن سورية استطاعت أن تتغلب على آلامها, وبقيت رغم الوجع أجمل وطن.. هكذا قالت الساعات الأخيرة لـ ميرابو البطل..”
‎2018-‎10-‎05
يتبع
لقراءة الحلقة الاولى والثانية..اضغط على الرابط

مدن بطعم البارود ..رواية..ح!بشرى أبو شرار


http://www.sahat-altahreer.com/?p=38484