مدن بطعم البارود ..رواية..ح2!

بشرى أبو شرار

من على محطات الانتظار.. من على محطات آفلة أرنو لأفق يودع آخر خيوط شمس غاربة, وكلمات وليدة من صبح عفي.. كلمات هي لي, وأنا التي غادرت الوقت وصرت في اللاوقت لأقرأ ما تبقى من روح الحكاية..
في هذا المساء أودع نهاري كي لا أسطره أنه لم يأت بعد..أودع نهاري بحروف من براعم نيسان, قد تورق حكايات لم نكتبها بعد.. أودع هذا المساء دون أن أدق على حروف الكلمات, ودون أنشودة أودع بها يومي.. هذا المساء كان استثنائيا, أعلن فيه الربيع أنه يوم مولدي, جاءني الأصحاب, أهل وأحبة, دقوا بابي بباقات ورد من قلب نيسان, أمضيت يومي أنثر ورودي في فضاء الكون, عسى أن تصل إليهم..
هذا اليوم لم يكن لي, بل كان باقة حب مهداة من أرواح تشبهني.. اليوم وفي هذا الصباح بكى نيسان وعبثت الأمواج بالشواطئ, سافرت الغيوم, تقابل شرفتي, حبات المطر تنساب على زجاج نافذتي, تعلن لي أن الكون باكٍ, وغبش حالبيني وبين دمعات سكنها ملح الأرض..
رحلت النوارس بعيدا, أتابع وجهتها, حالت الرياح ما بيني وبينها.. رحلت النوارس حاملة حكايتي على حواف أجنحتها.. بكى الكون.. علا صوت الريح إلا من قلب مازال على دفئه, مازال يصوم عن حكايات نازفة, لم تكف تشعل حرائق في قلبي..
في نيسان تتفتح زهرات الأقحوان, تستدير لقرص الشمس, تذكرني بحكايات أمي التي رحلت وتركت لي نيسان باكيا وزهرات تقبِّل جبين الشمس, تذرف من دمعاتها عند كل مغيب.. نيسان يطل باكيا, ينشج على سواد توشحت به الأرض, يجاهد ألا يضيع ربيعنا.. يجاهد لأن تبقى زهرات الأقحوان وأوراق الياسمين بيضاء لا يطالها سواد من عبثوا وضيعوا وقتلوا.. نيسان يطل باكيا يزرع في قلبي برعمة لم تتفتح بعد..
***
يطل عليّ وجه من نور القمر:
“ميلادك لنا, ولكل من يعرف للقلم معنى, كم أشكر وجودك وتواجدك في هذا العالم المليء بالخراب, أنت ستعمرينه بابتسامتك.. أنا في مدينة “بابل” في مهرجان للثقافات, أرنو للنافذة, يطالعني شط “الفرات” يجري لا أدري إلى أين, لعله يجري نحو النيل الذي عنده أحباب لي..”
“وأنا هنا في مدينة سكنها العشق, بطلمية أنا من زمن “كليوباترا” ورومانية من زمن “هيباتيا” التي ضحّت من أجل علمها ومن أجل ما تؤمن به.. وأنت هناك ترنو لفرات حزين, وأنا هنا أرنو لنيل يريدون أن يجف ماؤه ويغير مجراه حيث آخر حدود المدى… وآه من حكايات سكنتها دمعات الحكاية, وأنت يا صاحبي الجميل ستظل تلتقط نجماتك الهاربة من زمن كان لنا.. أنت من يلتحف الغياب من هنا حتى هناك وحكاية لك لا يخبو نورها, أنا يا سيدي أبحر في هذا الوقت لأعماق روايتي التي تسكن غيمات مسافرة, الرواية تسكنني, متعبة أنا بها, كل يوم أكتب فصلا من فصول الحكاية, ألتقط الأنفاس مع كل بداية جديدة, حين تطل عليّ ألملم حروفي لأكتب إليك أناشيد الفرح..”
“كم أنت جميل أيها الصمت أمام حروفك الماسية, أفضل أن أمرر رؤوس أناملي على حروفها وأتلمس دفئها, أنت البشارة, وحروفك تتسرب نورا حتى حدود الروح..”
“كيف أحاذيك يا صاحبي الذي هناك, كيف لي أن أكتب لعاشق الحروف والكلمات؟!.. لي قيثارة وحيدة قد أجيد العزف عليها, قيثارتي من روح متعبة, تبحث عن أوقات للفرح حين تصل معزوفتي حيث أنت هناك..”
“كنت أغرد على حكايات كتبها شاعر من زمن بعيد, أستعيد من حروف كلماته حكايات من روح الوجع, وأنتِ من تعيدينني لبوابة الفرح…. هو “سُهراب سِبِيهري”.. أفقت من غيبوبتي، على شفا نهر “بابل” كان لحن العود منطفئا، وحين أصغيت جيدا سمعت نحيبا, وكانت آلات العود مضطربة.. تتأرجح على أغصان صفصافة مبتلة, وعلى قارعة السفر كان أطفال “العراق” يحدقون بخطوط “حامورابي” بلا عيون..
هل تشبه قيثارتك, عود “سهراب”؟.. كم أتمنى أن تعيدي ترميم ما تكسر من بقايا حكايات النهر من النيل حتى الفرات”
“وأنا يا سيدي أدق على حروف كلماتك, أعيد كتابتها من جديد كي لا تغادر أناملي وروحي وعقلي..”
يطل ” عذاب ” يبوح بسر نايه …. أنه واحد منا , مضغوط بورود الألفة والحنان والبساطة , سليل تربة تنجب الحزن والفقر والغبار , مدينتي يغسل تعبها وحزنها المزمن ” الفرات ” وهو الذي يشقها نصفين عبر نهر صغير هو منجم فرحها وحزنها معا ….كنت مولعا بالأغاني والاشعار التي ترددها أمي وهي ترتب امور ذلك المنزل الطيني الذي تراه قصر ” نبوخذ نصر ” وأعظم …. حياتي كتاب سطوره من رماد الجسد النحيل وفسفور الروح الظامئة …رحلت امي والوقت برد والوطن دخان ورمل وغرباء ولصوص وملل ومارينز ومحتلون , وأنا ماض في طريقي إلى مدن أربكت خطواتي الربيعية , وأخرى جددت جراحي بهمومها وحيرة انسانها وأحلامها السجينة ….لمدينتي التي ارتدت أثواب الحزن والغبار حكاية تروى على لسان النخل الذي قاوم نيران عدوانهم , ولأمي التي ابتهجت بالفقر والبساطة , وسخرت من الغنى والحياة الزخرفية , لها حكايتها المكتوبة بدموعها الحجرية وفسفور روحها الطيبة المطحونة انتظارا لما لا يجيء …. أنا المواطن مجازا , المغدور في ظل وطن مبعثر كأحلامي وخطواتي , ولدت في مدينة خارج خارطة الفرح , تاريخها الوحيد والاستثنائي هو المكتوب بدمع الفرات الخالد ….لا أحد يبحث عن أحد … الكل غريب ووحيد في وطن زاخر بالثروات …. قولوا لي هل ما زلتم تبحثون عن بقايا فرح طارىء ؟ كقشة في شوارع مدننا المريضة بصمتها وفراغها !! …. أنا لا أحد …. مبعثر كما الوطن , مبدد كحدائق أحلامنا , أناطح جبال الوقت بالكلمات , هي كل ما أملك , وفي غفلة منه , أسكب دمعا حجريا حين أجدني وحيدا , يأتيني كل يوم نبأ رحيل وغياب أحد أفراد أسرتي , تارة بفعل القهر والفقر والشوق والمرض وتارة أخرى بفعل الانفجارات اليومية التي ينفذها كلاب , بجوازات سفر صادرة من مراكز مخابرات كل الدنيا …..خذوني أسير حروف , عاشقا جريحا في انتظار لا أحد !!… كلماتي وقصائدي ورسائل عشقي هي تاريخي , هي عمري المبدد في دهاليز العواصم المستعذبة لجراحي وهمومي , ونوبات موتى المفضي إلى ولادة صاخبة …. قصائدي بكل لغات العشق والسخط والانتماء معا , هي دفاعي المستميت عني …. لا أخفي عليكم أنا متورط بالوطن , وأسأل نفسي هل الوطن متورطا بي ؟!… عذرا … لم يعد لدي ما يكفي من الدمع لأيام قادمة … أنا اللا أحد …. مواطن في اللامكان …. أنتسب لوطن لا وطن وبهجتي وفرحي وأحلامي وعشقي مؤجلون إلى يوم القيامة أو الى ساعة النزيف ” الكتابة ” ….
*** ***
“إلهام المزيني”.. صديقتي من زمن الأبيض، مضينا معا عبر طرقات أحبتنا وحفظنا مسافاتها, ضمني وهي مقعد دراسي وحكايات حب خجولة ظلت براعم لم تتفتح في قلوبنا.. ترسل لي أمنية بأن نلتقي, تعلن عن خوفها أن تكون سنوات العمر تسربت منا وغاب الوقت عن الوقت..أخذتني أمنيتها إلى حافة الحزن, وجل قلبي للسقوط فيه, طالعتني مرآتي, كدتني لست أنا, أعيد ترميم ما تبقى من الوقت لأمل هو برعمة تتجدد في قلبي لأن نلتقي ونلتقي حتى وإن كنت نثرت براعمي على تلة الوهم التي تحاذي حدود وطن كان لي..
بالأمس أمسكت بحبل هواء.. يصلني صوت “إلهام” من مدينتنا المحاصرة, تخبرني أنها تجهز حقيبة سفر, قد تخرج من عنق الحصار لتلتقي بابنتها بعد طول غياب, البوابات موصدة وأنا لم أكف أحذرها أن تخرج من بوابة الحصار, لخوفي عليها من العبور من صحراء تموج بالغليان, أخاف أن تصيبها رصاصة غدر..
كتبت إليها أن هناك من خطف بعضا من المسافرين من الحافلة, ما أدهشني أنها لم يصلها هذا الخبر، وما أدهشني أكثر سماعي منها أنها لم تعد تسمع كل محطات الأخبار, رفيقتي ركنت إلى الصمت!!!.. كيف يتبدلالإنسان فينا؟!!.. وأنا هنا أودع يوما وأستقبل نهارا من خلال محطات الأخبار.. رفيقتي تحثني أن أركن لصمتها ولا أعرف ما يحدث من حولي, تؤكد لي أنها تخاف عليّ من موجات القلق والتوتر أن تصيبني وتتعبني, حتى وإن عرفنا ما يحدث وما سيحدث.. ماذا نحن فاعلون؟!!! الناس يمرضون.. يموتون.. يفقدون عقولهم, لذا أوصدت كل محطات الأخبار..
أكتب إليها لأستعيدها من جديد:
“هي الحرب علينا, قدر نعيشه, لا حيلة لنا إلا الصبر والتصدي, حرب تكسير إرادات, حرب وجود, واغتيال الفرح في قلوبنا, هي الحرب بكل أشكالها..”
أردت أن أحيل ما أنا فيه وما صارت هي إليه إلى ماض بعيد:
“لا أستطيع أن أكف عن سماع الأخبار, كما أبي رحمة الله عليه, كان يمضي جُل وقته على الأخبار, كان يصيبني الضيق وبالذات حين يبدل المحطة من (فيلم أبيضوأسود) ليسمع نشرة الأخبار, والمذياع يجاور سريره, لا يغلقه حتى وإن أغلقت المحطات وصار يصلني صفيرها, صرت هو, هو ذاته, أحدثها وأؤكد لها..سأتابع الأخبار, قد أضمن من خلال تطور الأحداث متى سنلتقي ومتى ستلتقين بابنتك.. من محطات الأخبار وتداعيات الأحداث قد ينبثق نور يمر بنا ويحيل أيامنا لشروق متجدد،وينفك الحصار, وتبسط الأرض كفها, وتعانق تلالنا الشقراء موجات مسافرة لن يطالها الغياب.. قد نعود لداليات العنب التي زرعتها يد أبي في أرضنا هناك, داليات لاتزال تحتضن بيتنا وذكرياتنا, هل يعود الأمس البعيد؟!!!.. أم سنظل نقتفي أثر الوطن من بوابات الحصار ومن خلف الجدار..”
***
كم من المرات يدق هاتفي, وكم من المرات لا أعيره اهتماما, أقرأ الأسماء وأتبين حروفها, وحين ألتقطه لأبدأ حديثا أكاده مبتورا:
⦁ أنت بالبيت؟.. سأمر بك أعطيك حلوى تحبينها, ثم أمضي حيث أصدقائي..
أسأله وأنا على دهشتي:
⦁ لِمَ تمر بي؟!.. لك أن تحضرها معك حين تأتي في آخر الليل..
يقاطعني:
⦁ لا.. يجب أن تسلي وقتك بأكل الحلوى..
“كم أنت عجيب يا هذا.. كيف لي أن أقتل الوقت بأكل قطع من الحلوى, ومن يعيش معي يجالس رفاقه هناك, وأنا أجالس الحلوى, أي عالم هذا الذي يمضي بي!!.”
دق الباب, ذهبت لألتقط الحلوى, ركنتها على النضد, دخلت حجرة نومي أسمع آخر ما تبقى من أحداث عبر محطة أخبار أدمنتها, تبدَّل الحال من عشقي لسماع المذياع وصوت الموسيقى إلى أخبار قتال واقتتال.. شهداء, مواكب التشييع, أصوات تعلو هنا وتعلو هناك, صور من دمرتهم قذائف الغدر تستنيم على نعوش مطعمة بزهرات الياسمين, فتشت بين الوجوه عن صديقي الذي غاب “صفوح”، وحلب التي اشترت شرفها بالدم والقيامة من جديد, لم أر صندوقا ضم “صفوح”حيث مثواه الأخير, رأيت وجوها لأطفال وصبايا, “صفوح” أخذه الطريق وسبقهم, تلقى قذيفة تحمل عناوين الحقد لغدر قادم.. رحل “صفوحالمصلح” بعدما نثر وروده على وجه قصيدة لم تكتمل…
وعلبة الحلوى لاتزال على صمتها, صائمة عن حكايات موجعة, علبة الحلوى لم تؤنس وحدتي, ذهبت بعيدا حيث وجوه غابت ولن تعود, ولها مع طلوع كل نهار جديد قيامة وقيامة…
“إلهام” صديقتي لها أمنية وحيدة أن نلتقي بعد أن ينفك عن مدينتها الحصار, وأنا ألتقي كل يوم وجوها تطالعني بابتسامة أعرفها.. أحبها.. ولن ولم ألتق بها, فهل لي معك يا “إلهام” لقاء جديد حين يغيب الحصار وتشرق شمس لا تشبهها أي شمس.. شمس الانتصار..
أرنو لنافذة حجرتي, لنوافذ بيت تضمني حوائطه, أرنو للشارع الطويل, يطالعني وجه أبي وهو لاه عني, يحمل لفافة لصق في يده, يشد شريطها على وجه زجاج بيتنا هناك, يشده على المرايا, يرفع بعض الألواح الزجاجية.. يزج بها تحت الأسرَّة, كنت أتبعه وأدقق في تفاصيل ما يقوم به من مهمات لا تؤجل للمساء أو الغد..
أذكرك يا أبي في يوميات موجعة, في انفجارات على الطرقات, ورائحة البارود ورصاص البنادق, أكادني أندفع لأفتح “الجارور” وأخرج من قلبه ذات اللاصق, لأفعل ما كنت تفعله من عقود بعيدة, عاد الوقت يا أبي يلاحقني, وكأنه إرث نحمله جيلا بعد جيل, تهشم زجاج وشريط لاصق وأغطية صوفية تلفها على فتحات الشبابيك.. إنها الحرب التي تلاحقنا, أنت وأنا وأبناء من بعدنا, أجيال وأجيال, أذكرك يا أبي كلما صار الوقت يتوارى خلف اللاوقت..
***
‎2018-‎10-‎03
يتبع
لقراءة الحلقة الاولى,,أضغط على الرابط

مدن بطعم البارود ..رواية..ح1!بشرى أبو شرار