مدن بطعم البارود

رواية


بشرى أبو شرار

إهــــداء
إلى رسائل الكرز وتمنيات لأن أستطيع كتابتها ….
رسائل الكرز لونها بلون العناب … ألونها بالأحمر وأحكيها من غصن يورق في روحي, أنثر أوراقها في فضاء حكايتنا, أوراق لا تستسلم للريح ولا لنوات قادمات….

بشرى أبو شرار

في الشام ….
في الشام أعرف من أنا وسط الزحام. يدلني قمر تلألأ في يد امرأة.. يدلني حجر توضأ في دموع الياسمينة ثم نام.. يدلني “بردى” الفقير كغيمة مكسورة..ويدلني شعر فروسي عليّ: هناك عند نهاية النفق الطويل محاصر مثلي سيوقد شمعة, من جرحه لتراه, ينفض عن عباءته الظلام.. تدلني ريحانة أرخت جدائلها على الموتى ودفأت الرخام: “هنا يكون الموت حبا نائما”.. أنا أنا في الشام.. لا شبهي ولا شبحي…. أنا وغدي يدا بيد نرفرف في جناحي طائر..
في الشام أمشي نائما، وأنام في حضن الغزالة ماشيا, هناك أرض الحلم عالية, ولكن السماء تسير عارية وتسكن بين أهل الشام..

في مصر:
منذ اللحظة الأولى تسمي نفسك: “ابن النيل” كي تتجنب العدم الثقيل, هناك أحياء وموتى يقطفون معا غيوم القطن من أرض الصعيد, ويزرعون القمح في الدلتا, وبين الحي والميت الذي فيه تناوب حارسان على الدفاع عن النخيل, إذ تمشي على أطراف روحك في دهاليز الزمان, كأن أمك مصر قد ولدتك زهرة لوتس قبل الولادة, هل عرفت الآن نفسك, مصر تجلس خلسة مع نفسها: “لا شئ يشبهني” وترفو معطف الأبدية المثقوب من إحدى جهات الريح…

أتذكر السياب
إن الشعر يولد في العراق؛فكن عراقيا لتصبح شاعرا يا صاحبي..
أتذكر السياب..
لم يجد الحياة كما تخيل بين دجلة والفرات, فلم يفكر مثل جلجاميش بأعشاب الخلود, ولم يفكر بالقيامة بعدها..
أتذكر السياب..
في هذا الفضاء السومري, تغلبت أنثى على عقم السديم وأورثتنا الأرض والمنفى معا, لم نحلم بأكثر من يدين صغيرتين تصافحان غيابنا, حدادون موتى ينهضون من القبور ويصنعون قبورنا.. لم نحلم بأكثر من حياة كالحياة, وأن نموت على طريقتنا: “عراق.. عراق.. ليس سوى العراق..”
محمود درويش

بين لونين أستقبل الأصدقاء.. الذين يرون سريري قبرا.. وحياتي.. دهرا
وأرى في العيون العميقة.. لون الحقيقة.. لون تراب الوطن!..
“أمل دنقل”
***

ليس حبرا!..
هو دم نازف من شرايننا والأوردة.. عمر بأكمله..
بلى لم يكن أزرق.. هو أحمر.. وكان قانيا.. قانيا..
دائما يفضح القلب!.. لكنه الوقت.يجعله أسود كمداد السنين!
ليتنا كنا نكتب دائما بالطباشير، إذا لبقي كلامنا ناصع البياض
على ألواح سوداء أو خضراء..
ليتنا كتبنا منذ البداية وحتى النهاية بالطباشير..
إذا لكان لكلماتنا دائما ظل من غبار..
كل ذرة بيضاء منه تحمل بصمة أنملة واحدة من أناملنا!!! قبل الرحيل..
د . نزار بني المرجة

هو إيقاع العناق بين أبدية الجغرافيا وعشق السنين..
يولد الفجر من خيط شفق وغسق وبينهما لمسة ضوء وندى وبراعم ياسمين والموعد بين حلب ودمشق تنتفض في القلوب نبتة برية, تزهر دما, اسمها “فلسطين” بورك جنوب العرب في لبنان.. وجنوب العرب في فلسطين وجنوب جنوب اليمن.. كل الجهات جنوب وكل الجهات فلسطين..

ناصر قنديل

شهداء كثر سلمو رفاتهم لتحت الأرض مع أشهاد يدبون فوقها , فمن هو فوق الأرض يتحادث مع من هم تحت الأرض , يتواصلون بالوحشة , يتواصلون بالفقد وهنيهات الحزن الذي يقطعها التسليم بغلاوة الانسان الحاملة لغلاوة الأوطان ….
الناس نبات الأرض …. والوطن نبات الأرض , التاريخ نبات الأرض والشتات نبات الأرض … كل شيىء فينا ولنا أصله الأرض ….

فايز انعيم

بغداد …. سرقوا من تحت وسادتك … الشمس فاحترقوا بحقيقتها , وعادوا الى شيطانهم رمادا !! ودون أن يعرفوا قيدوا يديك الرائعتين بعطر البراءة , لانهم محاصرون بوابل ذنوبهم الكبيرة …. بغداد … دموعك الحجرية … كل الزمن , بهجتهم الهشة … بلا تاريخ !!…. بغداد …. لك ياقوتة الصبر , ولهم صدأ الرهان !! هم ضائعون كسطر في كتاب الرمال !! قالوا : ان صلاتك كانت قضاء , وهم وثنيون حتى النبض الأخير …. انهم أطلقوا النار على قلبك الياقوتي , فاحترقت اسماؤهم !! انهم لا يملكون الوصول الى عناقيد المجد … والخلود التي تثقل يديك !!…

عذاب الركابي

أنتم يا من ترقصون على جثة سورية طمعا في سطوة زائفة وولعا في التقرب للشيطان الأكبر … ولن تجديهم القرابين , فما يحدث على ترابك سورية محض خواء …. فلتحيكي من جلود الشهداء عباءة فالشتاء لئيم , ولينثروا رماد الشآم من أعلى المآذن , وليملأوا الدم من شرايين المتعبين … لسورية المجد …. وللبغاة الزوال ….

وليد محمد الخميسي

كان هناك لي بيت وأرض, وهنا لي بيت بلا أرض , هناك كان لي ماض , وكنت أملك ناصية يومي …. كنت أزرع أحلاما تشرق بهية في غدي , وأنا هنا بلا ماض …. يومي بطاقة سوداء تسلمني بعناد ونزق إلى غد أشد سوادا …. هنا أنا بلا جذور … بلا دعائم …. بلا أصل ….
واقع يغبشه دم …. يخنقه دخان قنابل تهدم بيوت مدينتي , تمزق أجساد أبناء مدينتي , تنشر الدمار والموت في كل أجزاء مدينتي … أنا مجرد قرمة خشب ملقاة على قارعة طريق , تركلها كل حين قدم نزقة , تتحسسها يد معروقة هزيلة , ثم تأكلها في النهاية نار ملعونة …. أنا هنا لا زلت أروي كل يوم حكاية الغرب …..وأغصان شجرة الجوافة لا زالت حطبا يتقصف في قلبي … تلة الرمل الشقراء لا زالت تنهال على جسدي المحطم فتخنقني …. ” عطاف ” الميتة لم تزرع ما يؤكل … وشمس مدينتي ما زالت نائمة في البحر …..

ماجد أبو شرار

في هذا الصباح شق الصوت قلب الفضاء, طائرات عابرة إلى سمائنا, توجع الروح وتخيف القلب, ما أن يصرخ الصوت حتى ترنو العيون بحثا عنه, فلا أحد.. هو الصوت في لحظات زمنية فارقة تحط على قلوبنا وتسكن أرواحنا.. صار الشارع غريبا، والوجوه شاردة.. هل هي الحرب؟.. هل تعود إلينا ونعود نجمع الأشلاء ونترقب عودة من أتعبنا فراقهم, وحكايات غارقة في دمع مالح لا يبارح الصدور..
هل هي الحرب؟!.. وهل ما مضى من عقود بعيدة كان استراحة محارب قديم إلى أن يكبر الولد ويشتد ساعده وتلون جلده شمس الحياة.. هل جاء الوقت لنعيد عقارب الساعة إلى الوراء قبل أن تتكسر حرابها..
…. أشباح لا تكف تلاحقنا, تترصدنا, تغتال أحلامنا, تكبر الصبية, يكبر الصبي, وقبل أن تكتمل معزوفتهم المغردة, تصير معزوفة حزننا الأبدية..
***
مدنٌ هي الحلم.. مدنٌ تطاردنا, تسكن ثنايا جلودنا, نتنفسها.. مدن نعرفها وتعرفنا.. مدن قد تكون جاحدة كما أطلق عليها صديقي الذي هناك..ومدينة هي لي، وصفت بأنها المجاورة لمصر, أبحرت بين أوراق كتاب “قبطي في عصر مسيحي” ظهرت لي مدينة أعرفها وتعرفني, مدينة “هيباتيا, كرموز, كوم الشقافة, كوم الدكة, بطلمية, رومانية, بيزنطية”، وحكام بطالمة كانوا محبين للثقافة والعلم؛ فأرادوا أن تكون لهم مملكة تزهو على غيرها, وفلسفة لأفلاطون تضرب بجذورها.. “الإسكندرية”
***
كل ما حولي ينداح إلى رماد.. توارت الحقائق خلف اللاشيء
ماتت الحكاية.. مات اللون…. غابت اللوحة.. أستقبل يومي بوحشة الصمت, هل تغلق الدائرة وتحكم الغلق حيث بداية تصير إلى نهاية؟..
في طفولتي كنت أغرق في بحر الصمت, وها أنا ذا على حافة الأفول يكبر الصمت في قلبي وروحي, يطبق على مخارج الحروف, يصير صمتي بداية لنهايات تتجدد في قلبي مع طول كل نهار جديد..
***
من مدينتي البعيدة هناك يصلني الصوت.. وما تبقى من حكاية تسكن مسامات جلدي.. صوت سكنه الخوف.. هي تحب.. تكتب لي:
“هل صار الحب محرما؟..”
قلت لها:
“أجمل ما في الدنيا هو الحب, من حب الأم, الأهل, الوطن.. وحب لحبيب يستحق أن يسكن حجرات القلب..”
أخذت كلماتي وغزلت منها وشاحا يطرز ليل أيامها.. ما حكايتي ومدينة لي هناك؟.. ما أن تتفتح براعم الحب حتى تجد اليد لتمتد إليها.. تغتالها.. تلفظ أنفاسها الأخيرة على تلالها الرملية, وموجات تعانق الشط لتمحو بقايا أسماء كانت حياة..
***
صديقي الذي هناك يلتحف غربته واغترابه على سفود وقت لا يمر, يستقبل شمس مدينة ومدينة, ويودع نهار مدينة ومدينة, إلا قمر بلدته الذي توارى في قلب العتمة.. صديقي الذي هناك يرسل لي عنوانا وعنوانا, أطيِّر كلماتي.. لا أحد..أعود أبثه شكواي وعناوين تضل الطريق.. ما سر عناوين مدن غابت شمسها وأفل قمرها؟!..
***
في المساء وعلى تداعيات رحيل يوم آفل، جلست ألملم أحذية الشتاء, أوسدها أقمشة تحميها من شهور خواء.. أحذيتي حبيسة خزانتي, أخاف عليها أن يطولها الجفاف, أسعفها بدهانات تظهرها جديدة, أكفكف دمعات وتشققات جفت لطول سجنها.. أحذيتي غيَّبها الحزن لطرقات لفَّها ضباب الحكايات الموجعة.. لم يعد الطريق كما كان.. تراجعت خطواتي واستسلمت لحزنها أحذية كنت أصحبها طوال رحلتي وشقاء أيامي..
***
ومن المدن الغائبة حيث هناك، حيث أطراف الخليج.. يكتب لي قلب لم يلوثه دخان المدن:
“صباحك من نور القرنفل وبهاء الأوركيد.. دمت عطرة كعادتك.. عطرة بالنور والدفء..”
قلب يراني من مدن المنافي البعيدة.. كدتني أنا المرأة الوردة.. المرأة العطرة بالنور والدفء.. قد أكون هي، وقد تكون أنا..
***
أقبل الليل.. ومضى النهار باكيا لرحيله.. وحبات الندى تتساقط من على براعم حكايات وليدة, كنت أخال الوردة تبكي, بين حنايا الجذور كانت ضفدعا عجوزا..
***
من على الضفة الأخرى للنهر, أرنو لما تبقى لي من تردم أيام كانت.. أحدث نفسي.. لا أحد.. أجاهد لتصل كلماتي.. لا أحد.. وقلب لي مشطور بين عذابات الماضي وحاضري.. ابنة تجاهد لترميم ما تكسر من مرآتي.. تلملم بقايا ما تهشم مني.. تلصق هنا وتلصق هناك قد تظهر ملامحي لها من جديد..
هل هو الوقت؟.. أم أننا صرنا في اللاوقت؟.. هل صار للوقت براعم قد تورق في أرواح منهكة؟..
برعمة من وراء المحيط, تنثر لي ورودها, قد يصلني ما جف منها وداسته أقدام عابرة..”علياء” يا أيقونة الماضي والحاضر في قلبي.. برعمة جاءتني من صدى صوت عبر الأثير..
بعد طول غياب حدثني “وائل”، قلت له:
⦁ لا بيت لي.
⦁ بيتي هو لك.. متى تطلين بالفرح علينا؟..
⦁ وحيدة أنا.
⦁ وكلماتك التي تنثرينها في وجه الريح صارت نقشا على جدار القلب, كلماتك تبعثر وحدتي لتصير أنشودة فرح.. أنشودة حزن يطرب لها قلبي المحب, انهضي وكل المسافات لكِ, كل المساحات الخاوية تورق من حروفك التي تأتيني من حيث أنت هناك… أنتِ من جمعت دمعات الملح لتصير جسر عبور.. أنت سيدة الحكاية.. أنتِ سيدة البهاء..
طلاء أظافري بلون العناب.. ما قبله كان ينداح لصفرة الموت, حملت ابنتي فرشاة اللون, سحبت راحة يدي وأنامتها في كفها, كدت أعلن رفضي للعودة من جديد.. ابنتي تهديني لون العناب, قد تعيدني للحياة من جديد, هي براعم البهجة من روح العناب..
***
ما السر بيني وبين “ديستويفسكي”؟.. كثيرا ما تغيِّبه الذاكرة ويضيع بين زحمة الأسماء, ولكن في ذلك الصباح ناداني صوته ليبث روحي حياة..
أدق على لوحة الحاسوب, على حروف أعرفها وتعرفني, يتسرب الوقت من الوقت, وتصير أبجديتي حروفا تشبه بعضها, أدق على الحروف, تصير كلمات, تصير جملا.. تصير لا شىء.. يطل وجه الوقت على روحي, يطالبني بأن أظل أدق وأدق على حروف هاربة مني صارت حرفا والحرف يتوه عن مجموعة حروفه..
رغم هذا الشتات تصل حروفي كلمات وجملا تستطيب للكثيرين, يبتهج الوقت في قلوبهم, وأنا التي صرت على حافة النهاية, أودع كل حروفي وكل تفاصيل يومي بروح راضية, إلا من دمعة جمعت ملح الأرض تسقط على خدي, تحرق من جلد وجهي, لا أعلم من أين تأتيني بكل هذا الملح الغارق في دمعات مغادرة على آخر محطة رحيل؟..
***
من سنوات بعيدة لم أره كما رأيته هذا المساء, خلع حذاءه واستلقى بجسده على الأريكة المجاورة لسريري يفتش عن مساحة يريح عليها جسده ووسادة هي الأكثر قربا من وسادتي, نظرت إليه أستعيد سنوات بعيدة من طفولته, كم كبر الحلم حتى كدتني أتلاشى من أمامه..لمست كتفه, مررت يدي على ملامح من وجهه, يغالبني الإعياء.. يسألني إن أردت شيئا, أشرت إليه أنني بحاجة لكوب دافئ من عشب قد يهدأ به صدري, استدار وأقام طوله.. لاحقته بابتسامة وقد تلونت بروح خجولة, التفت إليّ قائلا:
⦁ ما بك يا أمي!!!.. هل تخجلين من حرصي على خدمتك؟.
عادت ذاتها دمعة الملح تطل عليّ من جديد, تحرق من بقايا جلد وجهي.. يغالبني البكاء, كم أنت سريع يا هذا الزمن, عدوت بي وأنا ألاحق الوقت لأصل إليك.. كبر الولد.. كبر الحلم، وتلاشيت أنا فيما تبقى من الوقت..
***
لم تعد ساعة الوقت تغريني للنظر إليها.. صارت الساعات والدقائق تشابه بعضها, تلاحق بعضها من منظومة عبثية.. يتقلب الوقت ما بين العتمة والنور.. قلبي لم يكف يتابع دقاته, ونبضي لم يتوقف عن المضي عبر شرايين روحي, ألهث من طول المشوار, أركن إلى فراشي, أشخص في فراغ الحالة, وساعة الوقت تشيح لي بوجهها..
في الشارع المقابل لبيتي صوت الصفاراتيتداخل ما بين الشارع والأزقة, صفارات تعلن عن موعد لم القمامة.. صفارات مع شروق الشمس وغروبها، حتى الشارع يرفض الصمت أمام احتضار ساعات الوقت, يعلن عنها من صفارات تلملم أنفاس من يصفر فيها, يعلن عن شروق وغروب, الوقت يلاحقني.. ينداح لشحوب حتى آخر حدود النهاية.
***

من على محطات الانتظار.. من على محطات آفلة أرنو لأفق يودع آخر خيوط شمس غاربة, وكلمات وليدة من صبح عفي.. كلمات هي لي, وأنا التي غادرت الوقت وصرت في اللاوقت لأقرأ ما تبقى من روح الحكاية..
في هذا المساء أودع نهاري كي لا أسطره أنه لم يأت بعد..أودع نهاري بحروف من براعم نيسان, قد تورق حكايات لم نكتبها بعد.. أودع هذا المساء دون أن أدق على حروف الكلمات, ودون أنشودة أودع بها يومي.. هذا المساء كان استثنائيا, أعلن فيه الربيع أنه يوم مولدي, جاءني الأصحاب, أهل وأحبة, دقوا بابي بباقات ورد من قلب نيسان, أمضيت يومي أنثر ورودي في فضاء الكون, عسى أن تصل إليهم..
هذا اليوم لم يكن لي, بل كان باقة حب مهداة من أرواح تشبهني.. اليوم وفي هذا الصباح بكى نيسان وعبثت الأمواج بالشواطئ, سافرت الغيوم, تقابل شرفتي, حبات المطر تنساب على زجاج نافذتي, تعلن لي أن الكون باكٍ, وغبش حالبيني وبين دمعات سكنها ملح الأرض..
رحلت النوارس بعيدا, أتابع وجهتها, حالت الرياح ما بيني وبينها.. رحلت النوارس حاملة حكايتي على حواف أجنحتها.. بكى الكون.. علا صوت الريح إلا من قلب مازال على دفئه, مازال يصوم عن حكايات نازفة, لم تكف تشعل حرائق في قلبي..
في نيسان تتفتح زهرات الأقحوان, تستدير لقرص الشمس, تذكرني بحكايات أمي التي رحلت وتركت لي نيسان باكيا وزهرات تقبِّل جبين الشمس, تذرف من دمعاتها عند كل مغيب.. نيسان يطل باكيا, ينشج على سواد توشحت به الأرض, يجاهد ألا يضيع ربيعنا.. يجاهد لأن تبقى زهرات الأقحوان وأوراق الياسمين بيضاء لا يطالها سواد من عبثوا وضيعوا وقتلوا.. نيسان يطل باكيا يزرع في قلبي برعمة لم تتفتح بعد..
***
يطل عليّ وجه من نور القمر:
“ميلادك لنا, ولكل من يعرف للقلم معنى, كم أشكر وجودك وتواجدك في هذا العالم المليء بالخراب, أنت ستعمرينه بابتسامتك.. أنا في مدينة “بابل” في مهرجان للثقافات, أرنو للنافذة, يطالعني شط “الفرات” يجري لا أدري إلى أين, لعله يجري نحو النيل الذي عنده أحباب لي..”
“وأنا هنا في مدينة سكنها العشق, بطلمية أنا من زمن “كليوباترا” ورومانية من زمن “هيباتيا” التي ضحّت من أجل علمها ومن أجل ما تؤمن به.. وأنت هناك ترنو لفرات حزين, وأنا هنا أرنو لنيل يريدون أن يجف ماؤه ويغير مجراه حيث آخر حدود المدى… وآه من حكايات سكنتها دمعات الحكاية, وأنت يا صاحبي الجميل ستظل تلتقط نجماتك الهاربة من زمن كان لنا.. أنت من يلتحف الغياب من هنا حتى هناك وحكاية لك لا يخبو نورها, أنا يا سيدي أبحر في هذا الوقت لأعماق روايتي التي تسكن غيمات مسافرة, الرواية تسكنني, متعبة أنا بها, كل يوم أكتب فصلا من فصول الحكاية, ألتقط الأنفاس مع كل بداية جديدة, حين تطل عليّ ألملم حروفي لأكتب إليك أناشيد الفرح..”
“كم أنت جميل أيها الصمت أمام حروفك الماسية, أفضل أن أمرر رؤوس أناملي على حروفها وأتلمس دفئها, أنت البشارة, وحروفك تتسرب نورا حتى حدود الروح..”
“كيف أحاذيك يا صاحبي الذي هناك, كيف لي أن أكتب لعاشق الحروف والكلمات؟!.. لي قيثارة وحيدة قد أجيد العزف عليها, قيثارتي من روح متعبة, تبحث عن أوقات للفرح حين تصل معزوفتي حيث أنت هناك..”
“كنت أغرد على حكايات كتبها شاعر من زمن بعيد, أستعيد من حروف كلماته حكايات من روح الوجع, وأنتِ من تعيدينني لبوابة الفرح…. هو “سُهراب سِبِيهري”.. أفقت من غيبوبتي، على شفا نهر “بابل” كان لحن العود منطفئا، وحين أصغيت جيدا سمعت نحيبا, وكانت آلات العود مضطربة.. تتأرجح على أغصان صفصافة مبتلة, وعلى قارعة السفر كان أطفال “العراق” يحدقون بخطوط “حامورابي” بلا عيون..
هل تشبه قيثارتك, عود “سهراب”؟.. كم أتمنى أن تعيدي ترميم ما تكسر من بقايا حكايات النهر من النيل حتى الفرات”
“وأنا يا سيدي أدق على حروف كلماتك, أعيد كتابتها من جديد كي لا تغادر أناملي وروحي وعقلي..”
يطل ” عذاب ” يبوح بسر نايه …. أنه واحد منا , مضغوط بورود الألفة والحنان والبساطة , سليل تربة تنجب الحزن والفقر والغبار , مدينتي يغسل تعبها وحزنها المزمن ” الفرات ” وهو الذي يشقها نصفين عبر نهر صغير هو منجم فرحها وحزنها معا ….كنت مولعا بالأغاني والاشعار التي ترددها أمي وهي ترتب امور ذلك المنزل الطيني الذي تراه قصر ” نبوخذ نصر ” وأعظم …. حياتي كتاب سطوره من رماد الجسد النحيل وفسفور الروح الظامئة …رحلت امي والوقت برد والوطن دخان ورمل وغرباء ولصوص وملل ومارينز ومحتلون , وأنا ماض في طريقي إلى مدن أربكت خطواتي الربيعية , وأخرى جددت جراحي بهمومها وحيرة انسانها وأحلامها السجينة ….لمدينتي التي ارتدت أثواب الحزن والغبار حكاية تروى على لسان النخل الذي قاوم نيران عدوانهم , ولأمي التي ابتهجت بالفقر والبساطة , وسخرت من الغنى والحياة الزخرفية , لها حكايتها المكتوبة بدموعها الحجرية وفسفور روحها الطيبة المطحونة انتظارا لما لا يجيء …. أنا المواطن مجازا , المغدور في ظل وطن مبعثر كأحلامي وخطواتي , ولدت في مدينة خارج خارطة الفرح , تاريخها الوحيد والاستثنائي هو المكتوب بدمع الفرات الخالد ….لا أحد يبحث عن أحد … الكل غريب ووحيد في وطن زاخر بالثروات …. قولوا لي هل ما زلتم تبحثون عن بقايا فرح طارىء ؟ كقشة في شوارع مدننا المريضة بصمتها وفراغها !! …. أنا لا أحد …. مبعثر كما الوطن , مبدد كحدائق أحلامنا , أناطح جبال الوقت بالكلمات , هي كل ما أملك , وفي غفلة منه , أسكب دمعا حجريا حين أجدني وحيدا , يأتيني كل يوم نبأ رحيل وغياب أحد أفراد أسرتي , تارة بفعل القهر والفقر والشوق والمرض وتارة أخرى بفعل الانفجارات اليومية التي ينفذها كلاب , بجوازات سفر صادرة من مراكز مخابرات كل الدنيا …..خذوني أسير حروف , عاشقا جريحا في انتظار لا أحد !!… كلماتي وقصائدي ورسائل عشقي هي تاريخي , هي عمري المبدد في دهاليز العواصم المستعذبة لجراحي وهمومي , ونوبات موتى المفضي إلى ولادة صاخبة …. قصائدي بكل لغات العشق والسخط والانتماء معا , هي دفاعي المستميت عني …. لا أخفي عليكم أنا متورط بالوطن , وأسأل نفسي هل الوطن متورطا بي ؟!… عذرا … لم يعد لدي ما يكفي من الدمع لأيام قادمة … أنا اللا أحد …. مواطن في اللامكان …. أنتسب لوطن لا وطن وبهجتي وفرحي وأحلامي وعشقي مؤجلون إلى يوم القيامة أو الى ساعة النزيف ” الكتابة ”
‎2018-‎10-‎02
يتبع