حول دعوة رئيس الحكومة السورية لتطوير التشريعات دعما للاصلاح
عبد الرحمن تيشوري / خبير ادارة عامة
التعقيد والابهام سمة مميزة في النصوص والتشريعات السورية
النصوص التشريعية لدينا في سورية كثيرة ومعقدة وصعبة الفهم والتفسيروهناك اشياء لا يعرفها احد وقد علمت ذلك خلال اتباعي دورة تحضيرية للانتساب الى المعهد الوطني للادارة العامة وخاصة ما يتعلق بالقضاء الاداري والتقاضي الاداري والمحاكم الادارية وسألت الكثير من الموظفين والمديرين والنقابيين عن هذا الامر والجميع يقول بانه لم يسمع بهذا القضاء ولم يذهب اليه علما ان ادارته تتعسف عليه ولكنه لا يجرؤ على الشكوى ضدها
وبشكل عام اقول ان التشريع المعقد يصيب الناس بالضرر كما يصيب الارتباط العضوي والعاطفي بين السلطة والشعب
والتشريع السيء الغامض المعقد تفسر مراميه من الجانب السيء ويستغل هذا الغموض ضد الدولة خاصة وان مفهوم الدولة في البلاد المتحررة حديثا مثلنا لا يزال يخبئ في ثناياه ذكريات من الحكم الاستعماري والنظر الى الحكومة والى الظلم بمنظار واحد
لذلك نقول ان التشريع السليم في المضمون وفي الصياغة عامل هام جدا في تكوين رابطة ولاء وثقة وتعاون بين المواطنين والحكم لذا يجب ان تتخذ جميع الاحتياطات للحؤول دون العبث بالتشريع ويجب تعديل وتغيير وتسهيل التشريعات بما يؤدي الى تحقيق هذا الامر الهام
ان هذه الصعوبات تعترض الموظفين المختصين وحتى المحامين والعاملين في القضاء والعام الماضي في مسابقة الانتساب الى المعهد الوطني للادارة حصل الكثير من الحقوقيين والمحامين والمحاميات على 30 علامة من مئة
ان القاعدة العامة تفترض عدم جهل احد بالقانون والقانون لا يحمي المغفلين كما يقال ولكن الواقع الشائع هو عكس هذه القاعدة كلية أي لا يفترض في احد معرفة القانون
* ليحاول أي مكلف بضريبة حكومية ان يحسب الضريبة المترتبة عليه
*ليحاول أي عامل في الدولة ان يجري حساب للراتب او الاجر الذي يتقاضاه
النتيجة نصرح بها مقدما انه لا يوجد بين المكلفين احد يعرف حساب المبلغ المترتب عليه الا اذا كان موظفا في الجباية او الضرائب واحيانا هذا الموظف يحسب لك اليوم مبلغ محدد ولا تدفع انت وتعود بعد اسبوع ويحسب لك فيعطيك رقم جديد مختلف عن الاول
كما لا يوجد بين الموظفين من يعرف حساب المبلغ الذي يقبضه الا اذا كان محاسب ادارة
وعلى هذا الشكل سائر التشريعات الاخرى خاصة ماله علاقة دائمة ومتكررة بالمواطنين
وهذا الذي حصل ساهم في عدم اهتمام الموظف والمثقف والمواطن بالشأن العام وابعده عن الانظمة والقوانين ونتيجة ذلك تعطلت المصالح وضاعت الحقوق
امام هذه الوقائع وغيرها كيف لا تتعثر الاعمال وكيف يتعامل الفرد مع الدولة باطمئنان ويسر ؟؟؟
وكيف نطلب رابطة الولاء والاحترام والثقة بين الحاكم والرعية ؟؟؟؟
وكيف يطلب من اصحاب المصالح سلوك الطرق القانونية وعدم اللجوء الى الوساطات والطرق الملتوية غير الاخلاقية ؟؟؟؟؟؟
اغراض واهداف التشريعات والقوانين والانظمة
التشريعات هي احدى نشاطات الدولة ويجب ان لا يصدر التشريع لامر بخس او غرض غير واضح الاهداف والنتائج لان ذلك يكون ضياعا للوقت وللجهد وللمال دون مقابل وهو تفريط في امكانات الدولة التي هي ضرورية جدا في اماكن اخرى
وعادة تكثر التشريعات في عهود الحكومات الجديدة او الاصلاحية او حكومات اعادة الاعمار كحالة حكومتنا العتيدة اليوم حيث تأتي الحكم مشحونة بطاقة كبيرة من النشاط والعمل والحماس وهذا حصل مع تولي القائد الشاب بشار الاسد لمقاليد السلطة في تموز من عام 2000 وطرحه مشروعا تحديثيا للدولة ونتيجة ذلك صدرت تشريعات كثيرة ومراسيم ولكن الكثير منها لم ينفذ تنفيذا جيدا او عند التنفيذ انحرف عن مراميه والان حتى لا نكرر نفس الخطا يجب الانتباه واخذ عبرة ودرس من الماضي القريب
وهناك امور كثيرة تصدر في البلد بصيغة مراسيم تشريعية ولم يكن ثمة امكان لاصدارها بغير هذا الشكل لانها لودخلت المجلس لما انجز الواحد منها في بضع شهور وربما بضع سنوات واود ان انوه هنا الى مشروع المرسوم الخاص بتعديل قانون العاملين ومشروع المراتب الوظيفية ومشروع التقاعد المبكرولماذا لم تنجز هذه المشاريع ؟
واقترح هنا اعادة النظر في موضوع التشريعات حيث لا بد من ايجاد طريقة فعالة تؤمن تشريعات سليمة رشيدة تحقق اهداف الناس والموظفين والشعب لان الصيغة الحالية ليست سليمة وليست صحيحة ولا بد من ايجاد هيئة متخصصة لصياغة القوانين والانظمة وهذا الحل مطبق في كثير من دول العالم او تفعيل عمل مجلس الدولة لهذا الغرض بحيث نجد تشريعات متوافقة مع الدستور ذات صياغة محكمة متناسقة منسجمة بعيدة عن الاهواء والنزعات المصلحية
التشريعات هي العصب الاساسي للتطوير والاصلاح ومحاربة الفساد
علينا التخلص من كل التشريعات اللدنة القابلة للتمدد والتقلص والتي تطبق بشكلين مختلفين في وضع واحد علينا ايجاد تشريعات واضحة مفهومة دقيقة غير قابلة للتأويل تطبق على الجميع لان ذلك يصب في المجمع السوري الكبير الذي تعمل الدولة لاسعاده والذي هو مبرر وجودها وقد روى لي احد الاصدقاء ان أي مواطن سويدي او الماني يحسب الضريبة المترتبة عليه اينما كان ويحول هذه المبالغ الى السلطات المالية دون طلب من احد وبدون مساعدة احد
ان التشريع السيء كا لعملة الرديئة يبقى بينما تختفي العملة الجيدة واخيرا صحوة الحكومة جيدة وان تصل متأخرا خيرا من ان لا تصل ابدا
عبد الرحمن تيشوري