عقيدة أمريكية جديدة وفق مصالحها الإستراتيجية

عميرة أيسر

المتتبع لكيفية صناعة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية الخارجية وخاصة في السنوات الأخيرة، يلاحظ سيطرة شبه مطلقة للمؤسسة العسكرية المتمثلة أساساً في البنتاغون الذي يرسم قادته وصناع القرار فيه السياسات الخارجية للبلاد اعتماداً على مجموعة من المعلومات الإستخباراتية والأمنية والسِّياسية، ويتم الاتفاق بين كبار الجنرالات داخله على كيفية إدارة الشؤون الإستراتيجية العالمية، وفق ما يخدم المصلحة الأمريكية، إذا يعتمدون على نظرية الأمن القومي الفيدرالي التي ترى أن رد الهجمات الإرهابية على أمريكا، لا يتم إلاَّ بتقسيم حدود البلاد إلى حدود وجودية وهي الحدود السياسية، التي ترسم الخريطة الجيوسياسية لبلاد العام سام، وحدود أمن وتبدأ خارج الحدود الأولى المرسومة وصولاً إلى أوروبا وشمال الأطلنطي، أماَّ حدود أو مناطق تأثيرها فهي تمتد لتطال كل دول العالم وبدون استثناء، وأعطى هؤلاء لأنفسهم حقَّ التدخل في شؤون الدول، وبالتالي تخطى حدود السِّيادة المتعارف عليها وفق المنطق الدبلوماسي.

حيث خرقت جميع المعاهدات والمواثيق الدولية المتعلقة بهذا الشأن، ورأت فوق منطلقات اقتصادية ومصلحية وأمنية، بأن عليها أن تعمل على حماية والحفاظ على معادلات وتوازنات القوى الإقليمية والعالمية، ونصبت نفسها بالتالي شرطي العالم المخول بحفظ الأمن والاستقرار فيه، وترويض دوله المارقة عن طريق التلويح باستعمال عصا العقوبات الاقتصادية الغليظة ضدها، وحزمة من القوانين الأممية المدعومة بحق القوة الذي يسموا فوق الجميع، ودعمت مواقفها السياسية بحق النقض في مجلس الأمن الدولي، حيث ترفض التصويت على أي قرار ترى فيه إخلالاً بالمبادئ التي رسمت أبعادها، وصاغتها خدمة لمصالحها العليا، أماَّ الديمقراطية فهي الشماعة التي تعلق عليها معظم الحروب التي دخلتها في القرن الماضي سواء في فيتنام أو الصومال، أو حروبها الإستباقية في كل من أفغانستان والعراق، وفق العقيدة الأمنية الجديدة والتي حركها قادة المحافظين الجدد، وعلى رأسهم كل من جورج بوش الابن وريتشارد بارد أمير الظلام كما يلقب داخل دهاليز وأروقة السياسة الأمريكية، هذه هي أمريكا ترى دائماً مصلحتها فوق الجميع، وأبعد من حدود الممكن و التي تكون أقرب منها إلى الاستبداد منها إلى الديمقراطية.

فالولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر نفسها القوة الأعظم والأكثر إنسانية واحتراماً لحقوق الشعوب في العيش طبعاً، وفق القيم الليبرالية الأمريكية، مستعدة للتضحية حتى بأقرب حلفائها، بل وفرض عقوبات أو رسوم جمركية باهظة على بضائعهم الموردة إليها، وهي تعلم علم اليقين أن تلك الإجراءات يمكن أن تلحق أضراراً بالغة باقتصادياتها، وتؤثر سلباً بالتالي على الدخل القومي لتلك الدول، وضربت بكل الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق لا بل وحتى الموروثات الحضارية والثقافية المشتركة بينها عرض الحائط، كما فعلت مع دول الاتحاد الأوروبي التي تعتبر جزء لا يتجرأ من حلف الناتو، الذي يعتبر اليد الطولى لأمريكا لتنفيذ مخططاتها التوسعية، في شرق أوروبا وصولاً إلى أسيا وإفريقيا، بل أنها قامت وباعتراف مبطن من كبار الجنرالات في الجيش الأمريكي، برعاية الانقلاب العسكري ضد أردوغان، وسيرته من قاعدة أنجرليك التركية، بل ومولته مالياً عن طريق دول عربية خليجية حليفة لها، وهذه المعلومات قد أكدتها مواقع الصحافة العالمية المختلفة.

وحتى إبنة أمريكا المدللة في المنطقة كما تسمى، إسرائيل في عهد دونالد ترامب، أضحت تصرفاتها وسياساتها مرهونة بمزاج سيد البيت الأبيض الحالي، والذي بالرغم من ولائه المطلق لتل أبيب، والمجاميع اليهودية من رجال السِّياسة، و المال والذين يتحكمون في مفاصل السِّياسة الأمريكية، ويصيغون قراراتها الكبرى وخاصة فيما يتعلق بالسِّياسة الخارجية منها، وبالأخص الدعم اللامحدود واللامشروط المقدم لإسرائيل، ورفض ترامب طلبات نتنياهو المتكررة، بتنفيذ ضربة استباقية عسكرية ضدَّ المنشآت النووية الإيرانية، وحتى سلاح الجو الصهيوني الذي يعتبر الأقوى في المنطقة العربية، لا يستطيع توجيه ضربة عسكرية لطهران، لأنه لم يأخذ الموافقة الضمنية من واشنطن، لأن الدخول في حرب مفتوحة مع دولة تمتلك صواريخ بالستية متطورة جداً وبعيدة المدى كإيران، سيضر بالتأكيد بالمصالح الأمريكية، وهذا ما لا يتحمله الرأي العام الأمريكي حالياً.

-كاتب جزائر

2018-10-01