يوم عراقي دموي قائظ وحكاية خائن 2
أحمد الناصري
القصة الكاملة لاعتقالي الدامي في بغداد، تموز عام 1979 من قبل عصابات الأمن العام الفاشية، على يد خائن معروف.
بين فترة واخرى اهارش الخائن مزهر مدلول معيدي، فيصاب بالسعار والتشوش وينفضح أكثر. لقد قضى عمره الباقي (ما بعد الخيانة) يحاول ان يرتق ثقب أسود في حياته، ويحاول أن يعيد كتابة أحداث حصلت وانتهت وهذا غير ممكن بل مستحيل. أقدر حالته النفسية التعيسة والمتردية.
قد سرق نقود مجموعة من الرفاق لتهريبهم إلى الكويت بينهم داوود امين (يمكن سؤال داوود كضحية وشاهد!) وتركهم في منطقة تل اللحم يواجهون مصيرهم. وقد فعلها مرة أخرى عندما ترك الرفيقة الجريحة موناليزا أمين منشد تنزف حتى الموت – الاستشهاد، حسب تقدير وقرار لجنة التحقيق في جبنه وهروبه. ويدعي بأنه هرب سابقاً من قبضة الأمن حسب رفيق من الناصرية، ومتهم بتسليم كادر رئيسي مهم، وسرقة ثمن السجائر من مالية الحزب وشراء قلادة ذهبية بدمشق (المصدر مالية الحزب)!
مرة أخرى اعيد قصة خيانته وموقفه الذليل من جديد وفي كل مرة اراها مناسبة، وأخرب طمأنينته الكاذبة ومن يجامله ويقبل به كخائن. هناك من جماعته، (رغم أنهم يتهامسون عليه)، من لا يستحق الرد (جماعة بقايا المستنقع وشكو بيها؟ وقابل بس هو؟ ألخ)، رغم قدرتي على ردعهم، لكنهم لا يستحقون شيء…
توجد تعديلات واكاذيب جديدة طفيفة، ستزيد من تناقضاته وتورطه في النسخة المعدلة الجديدة، وتثير زوبعة من الأسئلة المحرجة، التي لا يستطيع الافلات منها، وستظل تهوي وتقرع وتطرق رأسه الخاوي، وهو يدور في حلقة مفرغة، لا فكاك ولا خلاص منها. لكنها لا تغير شيئاً من حكاية وقصة الخيانة الواضحة والثابتة. سأشير لها واكشفها نهاية الحلقات الخمس…
لا طريق أمام الخائن غير الاعتراف بالخيانة والاعتذار العلني عنها. سيظل يدفع ثمن خيانته كما حصل له في كردستان من قبل الرفاق…
يوم عراقي دموي قائظ وحكاية خائن 2
القصة الكاملة لاعتقالي الدامي في بغداد، تموز عام 1979 من قبل عصابات الأمن العام الفاشية، على يد خائن معروف.
بعد جولات من التعذيب والتحقيق في مديرية أمن بغداد، وقد رتبت موقفي بشكل دقيق، بحيث لم يحصل الجلادون مني على أي شيء صحيح أو مفيد، لم يحصلوا مني على حرف واحد صحيح، مهما كان بسيطاً أو صغيراً، رغم موجات وجولات التعذيب الشرس، الطويل والمدمر التي تعرضت لها. بعدها نقلوني الى معتقل الأمن العام الرهيب، وقد حصلت تطورات سياسية داخلية كبيرة، انتهت بتصفية محمد عايش ومجموعته، وصدور عفو عام، يوم 15 آب 79، فتح للمعتقلين كوة الأمل من جديد، في العودة الى الحياة والحرية، وتجاوز المصير المأساوي الأكيد للآلاف من البشر سكان ذلك الجحيم، أما بالنسبة لي فكان الأمر مختلفا وحساساً، فكيف لي تأمين كفيل كشرط لإطلاق سراحي؟ ومن أين أأتي به؟ ومن يعرفني في بغداد بالاسم الجديد؟ ومن يجازف ويكفلني من الأمن العام تحديداً؟ وفي حالة عدم توفر الكفيل فإنهم سيقومون بتسفيري الى المدينة التي ذكرتها لهم وبالاسم المزور، وسوف ينكشف السر الكبير الذي نجحت في إخفاءه بعناية كبيرة، وفي ظرف خطير للغاية. ثم جاء رجال الأمن وقالوا هل تملك كفيلاً؟ فقلت لهم نعم، كمحاولة يائسة مني للخلاص، وقد فكرت بالصديق الشجاع، والبطل الشعبي (عدنان الصباغ) أو (السريع) وهو لقب خاص أطلقناه علية لسرعته في الحركة والكلام، وربما تيمناً بحسن سريع، الذي يسكن في بغداد، وهو شقيق الشهيد عبد العال موسى (أبو مؤيد)، وعم الشهيد مناضل عبد العال موسى (مؤيد)، وتوجهت مع عدد كبير من الموقفين، ودرنا في بغداد والأوراق جاهزة، يوقع عليها الكفيل، ويطلق سراح المعتقل مباشرةً، أما أنا فعثرت على صديقي (عدنان)، في المقهى الشعبي، مقابل البيت الذي جرت فيه عملية الاعتقال، وسلمت عليه وعانقته، وهو يعرف قصة اعتقالي بالتفصيل، لأنه هو الشخص الذي ساعدنا في استئجار الغرفة، وأثناء ذلك همست بإذنه، بأنني لم أعط اسمي الصريح، وبأنهم لم يتعرفوا على اسمي الصريح، واسمي الحالي فلان الفلاني، وأحتاج الى كفالة سريعة كي تنقذني من هذا الموقف الخطير والصعب، وقد حاول مع أصدقائه، لكنهم ترددوا جميعاً، وأنا أعرفهم بالأسماء؟ وهكذا عاد بي الجلاوزة الى مديرية الأمن العام، وقد بكى بعض الموقفين، وقالوا لو طلبوا ملايين الدنانير لوفرناها حالاً كي نخرج من هذا الجحيم، ونتخلص من هذا المصير المرعب، وهم لا يعرفون القصة والسبب الحقيقي لعودتي!
بعد عدة أيام في شهر أيلول قرروا نقلي وتسليمي الى الشرطة، لكي تتدبر أمر إطلاقي بكفالة أو تسفيري الى مدينتي المزعومة، وقد نقلوني الى مركز شرطة العبخانة، الذي يشرف على المنطقة التي وقعت فيها الأحداث الأولى والاعتقال، و اتصلت بصديقي الجميل والشجاع (عدنان الصباغ) من جديد، بواسطة أحد أفراد الشرطة، وجاءني مسرعاً، وقلت له الأمور أصبحت أسهل هنا في مركز الشرطة، بعد إن انتقلت من مديرية الأمن العامة الرهيبة، قال لي القضية بسيطة وسوف أحلها بكافة الأساليب الممكنة، وحتى لو بالقوة، وسوف تخرج بعد قليل، فطلبت منه الهدوء لأن موقفي حرج ولا يحتمل أية مغامرة، وتفاهم مع مسؤولي المركز، وربما دفع لهم رشي، وقد تم إنجاز الأوراق المطلوبة لإطلاقي، وخرجت من مركز شرطة العبخانة الى شوارع بغداد الحبيبة من جديد، الى الحياة شبه الطبيعية، وشبة العادية، وقد كنت منهكاً جسدياً وصحياً، بعد تجربة الاعتقال والسجن والتعذيب القاسية والانتحار وسوء التغذية، والتهديد النفسي القاسي والرهيب، من خلال أخفاء جميع المعلومات، بما فيها أسمي الصريح، وبدأت أبحث عن إعادة الصلة بالتنظيم فوراً، وترتيب وضعي، لتوفير مكان آمن، وأوراق مزورة جديدة، أتحرك فيها وأتفادى الاعتقال السهل، العشوائي أو المقصود من جديد، وقد ساعدني صديقي (عدنان) في توفير كافة المستلزمات الضرورية، و تمكنت من الانتقال الى الناصرية رغم خطورة الموقف وصعوبته، بطرق مبتكرة، وساعدتني في الاختفاء عائلات كريمة كثيرة، من بينها المناضلة الشعبية (أم داود) وآل غزاي، وغيرهم، واتصلت ببيت حزبي قديم كان يستخدمه أصدقائي (الشهيد قيس كاظم وحميد (سامر)، وطلبت منهما توفير صلة بالتنظيم في بغداد، وبعد وقت قصير جداً، عادت الصلة بالشهيد (صاحب ناصر)، وشرحت له تفاصيل الخيانة والاعتقال والتعذيب، والموعد الحزبي الذي مر بأمان، فضحك وعانقني وشكرني.
بدأ نشاطي يعود من جديد، بين بغداد والناصرية والبصرة، واستلمت مجموعة كبيرة من الرفاق، رغم الخطورة المضاعفة التي أواجهها هذه المرة، وقد ساعدني الشهيد صاحب ناصر كثيراً، وبدأت أفكر بالهروب من جديد كحل نهائي، للتخلص من خطر القتل والتصفية المحتمة، واخترت اللجوء الى مناطق الأهوار ومن ثم الهروب الى الكويت، بواسطة الأقرباء في سوق الشيوخ والأهوار، وبدأوا يحضرون لعملية تهريبي، على أن تكون مضمونة وناجحة قدر المستطاع، لأن وضعي لا يحتمل الخطأ هذه المرة، لكن الشهيد صاحب ناصر، أبلغني ببدء تشكل قواعد للأنصار في الجبل، وإمكانية الالتحاق بها من بغداد، عبر كردستان، وبعد أيام استلمت مجموعتين من الرفاق وانتقلت بهما الى السليمانية، واتصلت بالتنظيم هناك بواسطة إشارة صلة وعلامة خاصة، قرب جامعة السليمانية، ثم انتقلنا الى مدينة حلبجة، وتجاوزنا آخر سيطرات وحواجز السلطة بسلام. كنت أحمل وثائق مزورة، وحقيبة صغيرة، هي كل ما املك من حطام ومتاع هذه الدنيا الفانية، فيها كتابان، الأول (الأزهار تورق داخل الصاعقة) لحسين مردان، والثاني (اللا مذكرات) لمارلو، وقد فقدتهما بعد انتقالي من قاعدة هيرتا الى قاعدة ناوزنك، في تموز عام 80. وبعد أيام قليلة تسللت مفرزة مسلحة من الجبل ليلاً، ونقلتنا الى قاعدة (هيرتا)، في الجانب الإيراني من نهر سيروان، مقابل جبال هورمان، وقمة جبل بيفره ميري، لتبدأ تجربة نوعية جديدة، ساهمت في تطوير وتغيير حياتي وقناعاتي ومفاهيمي القديمة كلها عن الحياة، وهي بدايتي العملية، الفكرية والسياسية والثقافية، حيث تحققت ذاتي وإنسانيتي، من خلال امتلاك موقف شخصي مستقل، بدء بطرح الأسئلة الأساسية والكثيرة، وصولاً الى فتح جميع الملفات والمحاور القديمة والجديدة، ولم يعد هناك أي محرم أو مقدس غير خاضع للنقد والمراجعة والفحص، ولم أعد قطعة صماء تتحرك آلياً، في ماكينة، مهما كانت كبيرة أو صغيرة. حصل ذلك في وقت مبكر جداً بالنسبة لتجربتي وعمري، وربما كانت محنة الاعتقال والخيانة والحملة الإرهابية الشاملة، من بين الأسباب الكثيرة، التي ساعدت في ذلك التحول.
* هذه المادة كانت مسجلة منذ وقت طويل وقد أعلنت عنها في صيف 2006، لكن أحداث العدوان الصهيوني على لبنان أجلت نشرها، الى جانب الظروف الرهيبة التي يمر بها وطننا، حيث يبدو إن كل شيء غير ضروري وغير هام في هذه اللحظة الوطنية الحزينة والمعقدة، وبسبب الإهمال وعدم الاهتمام والاكتراث بمصير خائن، رغم أهميتها التوثيقية والتسجيلية بالنسبة لي، الى جانب أحداث كثيرة أخرى تستحق التسجيل والتوثيق والنشر، وهذا ما أدعو إليه دائماً، رغم قتامة الوضع الحالي.
ليس رداً على خائن… توضيحات ومعلومات وآراء إضافية
أتصل بي صديق عزيز وقريب من هذه القضية بكل تفاصيلها، وقال لي، ها هو الخائن (مزهر) يسقط بين يديك من جديد، وهو يمنحك الفرصة لتطيح بهيبته المفتعلة، لتنشر تفاصيل الخيانة، فضحكت وقلت له، وهل للخائن هيبة مهما كان نوعها أو حجمها لكي أطيح بها؟ فقد سلّم هيبته وكرامته للعدو منذ لحظات اعتقاله الأولى، وأسقط قطرة الخجل والحياء بين أقدام الجلادين، وباعها لهم مقابل الحفاظ على حياته التافهة، لذلك لن أرد عليه، وعلى كلماته الهزلية والهزيلة مثله، فهو لا يستحق الرد فعلاً، وهو بلا منهج، ولا تسلسل ولا منطق، مع تقطيع وتقطع مضحك، لكي تتحول مجموعة أسطر الى قسم أول وثاني وو.. ويتبع (بدء يمط ويطيل قليلاً بعد هذه الملاحظة)؟ وقد رد عليه الشهود، وألقموه حجراً، وكان رأي بعض الأصدقاء بأنه لا يستحق الرد الطويل، ثلاثة أسطر كافية لوضع حد له، وقد لا يتفق بعض الأصدقاء مع هذه الصراحة واللغة القاسية والحادة، لكنني مقتنع بكل كلمة أسجلها ضده، فقد خاننا.. ربما حاول استغلال خلافي العميق مع قيادة الحزب وخروجي من الحزب، وإستغل إهمالنا (نحن الشهود) له، واستغل حلقات الغمان والمجاملات والتخلف، وتصور إن مرور السنوات الطويلة، الى جانب الأوضاع الرهيبة في بلادنا، وهي أوضاع تفوق التصور، وتجعل من كل شيء ثانوي إزاء المحنة الوطنية الساحقة، قد تنفعه في عدم توفر وثائق وسجلات القضية، لكنه أخطأ بشكل قاطع، وهو يحرك قضية خاسرة، ستحوله الى سخرية ونكتة من جديد، وسيقول له (العقلاء) لماذا ورطت نفسك يا ولد؟ وسوف يلوم من ورطه في أن يجرب حظه العاثر، بفتح الملف، لعل ذاكرة الشهود والناس قد تغيرت أو تشوشت أو وهنت، بعد ما يقارب ثلاثة عقود طويلة، وهكذا ستستمر الدوامة، وتتجدد الأسئلة، ويتجدد المأزق ويصبح الأرق والإثم طازجاً وشاخصاً، يلاحق الخائن ويقض مضجعه، مهما ثخن جلده، أو ضعفت أحاسيسه أو (غلّس بالعامية) عنها.
إن كلمة واحدة واضحة، أو جملة محددة في رسالة نشرتها بمناسبة السنة الجديدة، كانت موجهة الى أهلي وأصدقائي في الناصرية، جاء فيها (سأحدثكم عن قصة خائن تعرفونه)، هتكت ستر الخائن، وفضحته وكشفته من جديدة، فقد عرف نفسه في الحال، ووضعته فوق منصة الفضيحة المدوية، وهدت عمود الاستقرار المفتعل، فيما سماه سناء الأنصار، والاستزلام الفارغ، وهو بلا سناء، غير دخان وعفن الخيانة، فهل يضيء الخائن؟ وهل هناك خائن بطل؟ وهل يحق لخائن وضيع، مثقوب ومطعون بوضعه، أن يكتب عن تجربة ثورية؟ وهو بلا تاريخ مشرف، غير تاريخ الذل والعار والخذلان والعقم والتبعية. لقد لسعته الجملة التي وردت في الرسالة، فظل يصرخ ويعوي مثل خائن أجرب، سيظل يكذب ويكذب ولا يصدق نفسه. وإذا كانت جملة واحدة أطاحت بالخائن الذليل من جديد، فماذا سيكون وقع الشهادات التفصيلية الجديدة عليه؟
لقد كنت أتصور، إنني سأسمع حكاية مفبركة بعناية ومحبوكة بدقة كبيرة، يمكن تصديقها، على الأقل من الناس الأباعد، وبعد (بحث وبحش ونبش ) في الروح الخائرة وخلايا الذاكرة المتهرئة، وكما تنبش المستنقعات الآسنة، تفتق ذهنه وظهر علينا بحكايته، التي بدت بائسة وملفقة، وربما يفتعل النسيان وتلف الذاكرة (زهايمر مبكر) وتهتك الضمير، والانتظار والتوقف غير المبرر، لكي يتراجع لاحقاً عن سرده السخيف وروايته المفككة، خاصة عندما تصدى له الشهود، وهم له بالمرصاد، فهو يدعي بعدم معرفته للأمكنة، لكي يوحي بأشياء بائسة في ذهنه المضطرب، لكنه بدا صفيقاً ومن غير حياء ولا ذكاء، لكي يروي أشياء سخيفة ومختلقة تماماَ، فكان يمكن له أن يقول أشياء قريبة من الحادثة، ويتلاعب ببعض النتائج مثلاً، وليس أن يتورط بموقف لا يمكن إثباته بالمطلق، وهنا سقطته الغبية. لقد أخذته العزة بالإثم، فآثر السقوط ثانيةً والى الأبد، وهو يتصور إن القيم والمفاهيم والمعايير الأساسية الثابتة قد تتغير أو قد تغيرت، بسبب مفاهيم الخراب الجديدة السائدة في حلقات الغمان والمستنقع، حيث يصير الاحتلال تحريراً مثلاً، والعمالة وطنية حديثة أو بديلة، والخيانة ضرب خاص من ضروب البطولة الكلامية الخارقة أو الفارغة، وهكذا الى آخر القائمة. وكذلك فإن الأحداث لم تجر في العصور الوسطى أو في العصر الجاهلي، أو عصور ما قبل الميلاد، ليصبح إثباتها مستحيلاً، وتحتاج الى حفريات ومقاربات وتخصص عال. لقد أضاع فرصة طبيعية على نفسه، في أن نتساهل ونتسامح معه، ونعفو عنه، وننسى، شرط أن يعترف بخطيئته وبفعلته المشينة، كما في كل حالات التسامح والعفو الحقيقية، وبذلك استحق العار والشنار والاحتقار الدائمين.
لقد وردت أمور تثير السخرية والضحك والعجب، فكما ذكرت سابقاً، فقد كان وضع الخائن الشخصي والعام في بغداد مزري ويدعو الى الشفقة والعطف، وقد قررنا مساعدته، رغم تحذيرات تنظيم الناصرية، بعدم الاتصال به، على أثر حادثة (تل اللحم) باعتباره خائن وحرامي، وبسبب سلوكه العام، لكنه يعود ويحكي عن الحضن الدافئ والارتماء في حضنه، عجبي! عن أي حضن متسخ وقذر وممزق يتحدث؟ وعن نقاشات وجدل ماركسي حاد مع العميل اللبناني جمال، في مكان عام (فندق) وسط الحملة الإرهابية الشاملة، عام 79؟ عجبي أيها الخائن البليد!
ثم يقول في مكان آخر عن قصة الخيانة ( لكني عرفت أنهم ذاهبون الى سعيد حين توقفت السيارة التي تحملني على رصيف الشارع، الذي يقابل البيت، ولكن على مسافة مائتي متر منه تقريبا، أما الآخرون، فقد تجاوزوني باتجاه البيت.. وهناك لمحت جمال من بعيد، تعرفت عليه من اليشماغ، وقد وقف على مسافة بضع أمتار من باب البيت.. ) ويرد عليه الضحية والشاهد الرئيسي غالب غزاي، وهو شاهد رأى كل شيء، حيث رأى الخائن متلبساً بجرمه المشين! يقول غالب ( كان الوقت بين عودة سعيد ووصول رجال الأمن الى ساحة البيت قصيراً جداً، إذ لم نكن لنتصرف ونحن حبيسي غرفة البيت، والسؤال الرئيسي، من دلهم علينا؟ ومن قادهم الى البيت بهذه السرعة؟ فتح سلام باب الغرفة وقال أتبعوني، تحركت خلفه الى الباحة، وكانت تغص برجال الأمن المنهمكين بتفتيش الغرف والبحث عنا، وكانت أشكالنا التي تشبه السحن المصرية قد أفادتنا تماماً.
ونحن نخطو خطواتنا العشر أو الثمان، والتي تفصل بين غرفتنا والباب الرئيسي للدار، استللنا بهدوء وحذر، حيث كانت مسافة بين الحياة والموت، لم يتلفت أحدنا الى الوراء، وكأن الأمر طبيعي، حتى لا نثير شكوك رجال الأمن، وأول ما وطأت فدماي دكة الباب الثانية نزولاً كانت هناك ثلاث سيارات ( لاندكروز.. ) التي يستخدمها رجال الأمن، متوقفة على بعد خمسة أمتار من الباب، ووقعت عيني على من كان جالساً بالسيارة الأولى، وهو متلفع بيشماغ أحمر، إنه حميد وكان مذعوراً.. لقد خاننا)، ويقول طالب غزاي في شهادته التي أرسلها لي وسوف ينشرها لاحقاً (كان يوم تسليم الصور لاعداد الجوازات واللقاء بين حميد وسعيد وجمال اللبناني صباحا حوالي العاشرة في أحد مقاهي الشورجة. بقينا أنا وظفار ننتظر في الباب الشرقي في مقهى الصباغين كنت أجهل لحد تلك اللحظة مكان سكن سعيد وظفار. حيث تبين فيما بعد أنها قريبة جدا من المقهى الذي كنا ننتظر فيه.
جاءنا سعيد مسرعا يخبرنا بأن هنالك مؤامرة لتسليمنا للأمن وان حميد قد اعتقل ويتوجب علينا الاسراع بتفريغ الغرفة (التي يسكنها سعيد وظفار) من الأوراق بسرعة والمغادرة، لان حميد يعرف المكان.
توجهنا الى الغرفة والتي كانت على مقربة أمتار معدودة من المقهى.
تقع الغرفة في بيت كبير من بيوت بغداد القديمة في منطقة الباب الشرقي يسكنها عمال مصريين.
دقائق لا غير بعد دخولنا الغرفه, فتحت الباب قليلا لأجد باحة البيت تعج بأصحاب البدلات المعروفة ( رجال الأمن), يسألون عن غرفة سعيد وصاحب البيت ينفي معرفته بهذا الاسم ( كان سعيد وظفار قد احتاطوا باستخدام أسماء أخرى في البيت ولم يكن حميد وجمال اللبناني على علم بذلك).
قررت الخروج وقلت لسعيد وظفار يجب ان نخرج بسرعة (كانت أشكالنا مقاربة للمصريين) وهم في لجة الأسئلة وخروج الساكنين في هذا الهرج.
خرجت بشكل لا يثير الاستغراب حيث الحوار مازال جاريا بين صاحب البيت ورجال الأمن حول الاسم (سعيد)
في الباب كانت سياراتهم واقفة من جهة اليسار.
كان حميد جالسا في السيارة الأمامية يتوسط اثنين من رجال الأمن تطلع بي دون حراك. اتجهت الى اليمين أي بالاتجاه المعاكس وتبعني مباشرة ظفار
انطلقنا بين الأزقة حتى مسافة طويلة بعدها ركبنا سيارة اجرة الى بيت في الاسكان
احسست باننا قد تخلصنا بأعجوبة من قبضتهم).
ماذا سيقول الخائن (الأثول) بعد هذه الشهادات الواضحة والقاطعة؟ أو ماذا يهم ما يقول؟ هل قادهم الى البيت مباشرة، أم كان على بعد 200 م، كما ورد في شهادته المزورة؟ هنا النقطة الفاصلة في الإدانة، لقد توضح كل شيء، وانتهى كل شيء وبانت الخيانة، وتهاوت روايته كما يتهاوى بيت العنكبوت، وكما تتلاحق أحجار الدومينو في سقوطها الأكيد. ربما كان يتصور الخائن إن الأصدقاء الضحايا- الشهود سيصمتوا؟ وأترك القرار للأصدقاء وخاصة الأنصار ولجميع القراء. أستطيع التوقف عند هذا الحد وهو كافي تماماً، لكنني سأمعن في كشف وفضح حقيقة الخائن وجريمته القذرة بحقنا، ليس لأنه هدد حياتنا مباشرة وهذا ليس قليل، وليس لأنه هدف سهل، بل لأنه صفيق وسافل، يجب أن يتحول الى درس! أذن لقد قادهم الزنيم الى باب البيت تماماً، ولم يكن يفصل بين سيارة الأمن وباب البيت الذي نختفي فيه سوى الرصيف، فمن أين أتى بالمأتي متر، التي أوقفوا السيارة التي تحمله عندها؟ كما لا يوجد رصيف مقابل على مسافة مأتى متر من الجانبين؟ ويدعي إن الصديقين غالب وطالب، انسحبا نحو جهة اليسار، بينما اتجها هما في الحقيقة نحو اليمين! وهذا شيء لا يمكن التوهم به! ولا يوجد موقع يراهما منه يتجهان نحو اليسار الى من موقع السيارة المتوقفة عند الباب تماماً والذي حداده غالب وطالب! وهذه سقطة من سقطاته الغبية الكثيرة، والتي سوف تتبين وتتكشف تباعاً، فإذا كانت السيارة واقفة على بعد مأتى متر من البيت، ومن جهة اليسار، كيف شاهدهما يفران نحو اليمين، وبذلك تكون المسافة شاسعة جداً؟ وكيف وقعت عيونهم على عينه أو بالعكس، إذا ما تواجدا في اتجاهين متعاكسين تماماً؟ وما هي مصلحة غالب أو طالب أو دوافعها بعد كل هذه السنوات، كي يذكرا أن الخائن كان يقبع في سيارة الأمن المتوقفة في الباب تماماً، إذا لم يشاهداه بعينيهما ومن هذا القرب؟ وعندما كتب غالب شهادته، وهي ليست جديدة على كل حال، هاجمه الخائن كعادته بعد إن صدمته الشهادة، لكنه لم يحدد بالضبط المكان الذي توقفت به السيارة وهو داخلها، كما في المرة الأولى على بعد 200 م، خوفاً من الرد والتورط من جديد، لأنهما لن يمرا عليه (وقد شاهداه وتلاقت العيون) في مكان آخر وهمي غير موجود إلا أثناء خروجهما من البيت وفي الباب بالضبط أما عن تساؤله الفارغ في دفاعه الفاشل، من إنه لو كان خائناً لوشى بهما، فالجواب إنه لم يسأل عنهما، لآن رجال الأمن لم يوقفاهما.
هنا أراد أن ينكر الخيانة الرئيسية الأولى، وهو لا يعرف إنه لا توجد مسافة طويلة على جانبي البيت، الذي يقع خلف سينما غرناطة مباشرةً، والمسافة التي تفصل البيت عن الشارع الرئيسي من الجهة اليسرى أقل عن 50 متر، وهي بناية سينما غرناطة فقط، والشارع العام الذي يؤدي الى حديقة الأمة ونصب الحرية، ومن الجهة اليمنى، فإن الشوارع والأزقة التي تؤدي الى الفناهره وفضوة عرب، تبعد أقل من مئة متر بكثير، بين (50 الى 70 م) كما ذكر غالب في شهادته، إذن هنا سقطته الكبرى والحاسمة، وكذبته المفضوحة، والتي أراد بها أن يبعد سيارة الأمن الى مأتي متر، لكي يوحي بأنه لم يأت بهم ويقودهم الى البيت مباشرة، بينما كان يقبع في السيارة، هو بدمه ولحمه الفاسد، وليس العميل جمال أبداً، وفي باب البيت تماماً، وكيف له أن يرى جمال ومن بعد 200 متر واقفاً في الباب؟ لقد أستبدل مكانه ومكانته بالعميل جمال، وهل نخطأ نحن الثلاثة (وشاهدان كافيان لإقامة الدليل القطعي على الخائن، أي خائن، ورميه بالقصاص) في تمييز الخائن الجبان (مزهر) عن العميل جمال اللبناني؟ إنها مجرد نكتة سمجة، وأية نكتة! وتبقى جميع الملاحظات والمعلومات الأخرى مجرد تفاصيل تكميلية زائدة رغم أهميتها، لأنها تأتي بعد الخيانة الرئيسية وتفاصيلها، ثم كانت خيانته الثانية والأخطر، فعندما اعترضني رجال الأمن، في ممر البيت المؤدي الى الباب، وأنا أهم بالخروج وراء غالب وطالب، أخرجت لهم هويتي المزورة، وقد ترددوا قليلاً، وعاد له أحدهم وسأله، وكنت أسمع وأرى، هل هذا هو (سعيد) الشخص المطلوب؟ فقال له نعم، فاعتقلوني على هذا الأساس.
يتبع‎

2018-‎09-‎30