فلسطين وطننا … إسرائيل ليست دولتَنا
رجا أغبارية
أسقط برلمانُ الدولة اليهوديّة الصهيونيّة القناعَ عن ماهيّة دولة إسرائيل الاستعماريّة ــــ العنصريّة، التي زرعتْها الإمبرياليّةُ الأوروبيّة في فلسطين، كي تبترَ جسدَ الأمّة العربيّة، وتَحُولَ دون وحدتها، مشكّلةً بذلك قاعدةً متقدّمةً لها في المنطقة، تواصل تهديدَ استقلال الأمّة العربيّة ونهبَ ثرواتها وتكريسَ تخلّفها الذي أنشأه الاستعمارُ نفسه. وكلّنا يعيش في السنوات الثماني الأخيرة، على الأقلّ، تبعاتِ هذا المشروع الخبيث الذي أطلّ به علينا الاستعمارُ تحت غطاء “حقوق الإنسان” و”الديمقراطيّة” و”التعدديّة الطائفيّة،” بهدف إعادة إنتاج تقسيم المقسَّم من الوطن العربيّ عبر ما يُسمّى “الربيع العربيّ.”
وكانت الأممُ المتحدة قد اشترطتْ على قادة الحركة الصهيونيّة عام 1948، مقابلَ الاعترافِ بدولتهم، أن “تطبِّقَ دولةُ إسرائيل مساواةً في الحقوق الاجتماعيّة والسياسيّة لكلّ مواطنيها،” وأن توافقَ على قرار التقسيم (رقم 181) وقرارِ حقّ العودة (رقم 194). وقد قبلتْ إسرائيلُ تلك الشروطَ، غير أنّها لم تطبّقْ هذا البندَ أو غيرَه، بل مارستْ “سيادتَها اليهوديّة”على الفلسطينيين، الذين أصبحوا سكّانَها بسبب اغتصاب وطنهم، وبفضل قرار الأمم المتحدة المذكور الذي ورد في “وثيقة الاستقلال” الإسرائيليّة.
وعليه، فإنّ “قانون القوميّة” الأخير ينبغي أن يُسقِطَ رسميًّا اعترافَ الأمم المتحدة بإسرائيل لأنّه جاء في الأصل مقابل شرطٍ لم تطبِّقْه إسرائيل!
أكثر من ذلك: الأممُ المتحدة، بل دولُ العالم جميعها، لم تجبرْ إسرائيل على تنفيذ أيٍّ من قرارات الأمم المتحدة الكثيرة المتعاقبة. فهل يتوقّع أحدٌ أن تعيدَ الأممُ المتحدة النظرَ في وجود هذه الدولة المعربدة عالميًّا، التي تتصرّف فوق القانون الدوليّ، بفضل حاميتها أمريكا، التي أصبحتْ رأسَ الإمبرياليّة العالميّة؟!

انعكاس قرار الأمم المتحدة على فلسطين 48 وإسرائيل
الشرط الدوليّ أعلاه تحوّل إلى برنامجٍ سياسيّ، قوميّ ومطلبيّ، للحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ الذي وقّع على “وثيقة الاستقلال” الإسرائيليّة، وشارك منذ البرلمان الأوّل في عضويّته. كذلك الحال في قضيّة “المساواة في المواطنة” وغيرها، الأمر الذي أصبح ينسحب على برنامج “القائمة المشتركة” برمّتها، وأصبح هو المبرِّرَ الأساسَ لدى دعاة “التكتيك” و”إحراجِ إسرائيل اليهوديّة” من أجل دخول الكنيست، ومشاركةً مبدئيّةً من طرف الذين يعتبرون أنّ إسرائيل تجسّد “حقّ تقرير مصير اليهود في البلاد” (فلسطين).
كان من المفروض أن تطبِّق إسرائيلُ هذا الشرط كتحصيل حاصل، من دون أن تخوض عليه جماهيرُ الداخل معاركَ، ومن دون أن تَدفعَ أيَّ ثمن سياسيّ أو وطنيّ مثل دخول الكنيست أو الهستدروت، ومن دون أن تلجأ إلى تبريراتٍ تخلط بين حقّنا في العيش تحت الاحتلال (كشرط دوليّ) وبين المشاركة في الكنيست الصهيونيّ، ومن دون أن تعتبر حقَّنا في العمل والتعليم والعلاج الطبّيّ والتنقّل والحصول على ميزانيّات السلطات المحلّيّة (وما الى ذلك من الحقوق) مطابقًا تمامًا لضرورة دخول كنيست الدولة اليهوديّة.
إنّ كلَّ ما فعله القانونُ الجديد هو قوننةُ ما هو قائم على الأرض. وهذه حقيقة يعرفها أعضاءُ الكنيست العرب أكثرَ من أيّ مواطن عاديّ. إلّا أنّ تمسّك بعض الفلسطينيين الأبديّ بكرسيّ الكنيست يستند إلى “مبدأ،” هو اعتبارُ إسرائيل “دولةَ المشاركين فيها.” هؤلاء يلهثون خلف سرابِ تحويل عنصريّتها إلى ديمقراطيّة، فيحصدون تجميلَ صورتها لدى المجتمع الدوليّ، وشرعنتَها، بحيث تظهر وكأنّها تطبِّق قرارَ الأمم المتحدة الذي أوجدها، ويمنحون نتنياهو فرصةَ التبجّح أمام العالم بأنّ “عرب إسرائيل” هم الوحيدون في الشرق الأوسط الذين يتمتّعون “بالديمقراطيّة”!
إنّ الفلسطينيين الذين قبلوا وجودَ إسرائيل مبدئيًّا، على حساب تقسيم أرض وطنهم وتقسيم شعبهم من خلال “حلّ الدولتين،” ملتزمون بدولة إسرائيل، ويقبلون بلعبتها “الديمقراطيّة،” على الرغم من معارضتهم الرسميّة للقوانين العنصريّة التي سنّها برلمانُها ضدّ شعبهم. فهم لا يقومون بأيّة تظاهرة أو عمليّة احتجاج إلّا بإذنٍ من شرطة “دولتهم” العنصريّة، بما في ذلك ضدّ قانون “قوميّة الدولة” اليهوديّة! وكلُّ ما يتوقون إليه هو أن تعيش إسرائيل بسلام في المنطقة، وضمن حدود 78% من أرض فلسطين، إلى جانب دولة فلسطينيّة تقوم على 22% ممّا تبقى من أرض فلسطين. بيْد أنّ هذا الهدف نفسَه قد تبخّر رسميًّا بعد “قانون القومية” اليهوديّة، الذي يؤكّد أنّه لن يكون هناك حقُّ تقرير مصير على أرض فلسطين إلّا للشعب اليهوديّ، وعلى كامل حدود دولة إسرائيل… علمًا أنّ هذه “الحدود” لا يحدّدُها أيُّ قانونٍ إسرائيليّ حتى الآن، وإنّما تصل ــــ عمليًّا ــــ إلى حيث يصل الجيشُ الصهيونيّ!
ماذا فعل “قانونُ القوميّة” بكلّ البرامج وقرارات الأمم المتحدة أعلاه؟
لم يأتِ هذا القانونُ بجديد من حيث الجوهر. فإسرائيل مارستْ يهوديّتَها في كلّ مناحي الحياة، بشكل عمليّ ورسميّ، من دون هذا البرواز، وذلك من خلال سياسة السلحفاة التي انتهجها حزبُ العمل، الذي أقام الدولة.
في السنوات العشر الأخيرة انتهى دورُ تيّار حزب العمل في إسرائيل، وانفرد الليكود (ومعه كلُّ اليمين الفاشيّ) بالسلطة، لينتقلَ بذلك إلى مرحلة قولبة الواقع الممارَس في قوانينَ أساسٍ لتهويد كلّ أرض فلسطين، ولقوننة سيادة المهاجرين اليهود على السكّان الفلسطينيين الأصليين.
من هنا طالب نتنياهو، وما يزال، محمود عبّاس بالاعتراف بإسرائيل دولةً يهوديّة. وعندما لم يحصل ذلك، جاء القانونُ الجديد كي يَفرض على كلّ مَن يعترف بإسرائيل (التي لم تَرسم حدودَها الدوليّة رسميًّا كا ذكرنا) الاعترافَ بما هي عليه في الواقع: دولة يهوديّة، عاصمتُها القدسُ الموحَّدة.
الآن، إذا ربطنا هذا القانونَ بقانونٍ سابقٍ آخر يُلزم أيَّ قانونٍ جديدٍ بوجوب تضمُّنِه بندًا يسري مفعولُه على “يهودا والسامرة” (الضفّة الغربيّة)؛ وإذا علمنا أنّ إسرائيل صادرتْ 65% من أراضي الضفّة، وأنّ مستوطناتِها ستتّسع ولن تُزال كما توهّم كلُّ جماعة “حلّ الدولتين”؛ وإذا أدركنا أنّ “قانون القوميّة” ينصّ على أنّه لن يكون في دولة إسرائيل حقٌّ في تقرير المصير إلّا “للشعب اليهوديّ”؛… أدركنا أنّ مَن سنّوا “قانونَ القوميّة” قد استغلّوا الظرفَ العربيّ والإقليميّ والدوليّ كي يُثبتوا دولةَ اليهود كما خطّط لها هرتسل، ضاربين عرضَ الحائط بالقرارات الدوليّة وبـ”وثيقة الاستقلال” بنصّها التكتيكيّ. وهذا هو تمامًا ما فعله أسلافُهم: إذ قبلوا قرارَ التقسيم، ثم زادوا احتلالَهم من 54% إلى 78% عام 1948، وصولًا إلى نسفهم حقَّ العودة وكلَّ المرتكزات السياسيّة التي تقف عليها الأحزابُ العربيّةُ في الكنيست، وتحويلِهم وجودَ المواطنين العرب الفلسطينيين (كما لغتهم العربيّة) إلى أمر طارئ. وهم سيتخلّصون من هؤلاء العرب في الكنيست إذا سنحتْ ظروفٌ قادمة، أو سيهجِّرون العرب الفلسطينيين برمّتهم في ظروف كارثيّة عالميّة جديدة!
في رأيي، ورأي كثيرين في العمل السياسيّ، أنّ هذا القانون جاء تمهيدًا لضمّ الضفّة الغربيّة رسميًّا إلى دولة إسرائيل، ربّما في إطار “صفقة القرن.” ولذلك وضع القانونُ صيغةً جديدةً للواقع العنصريّ: إذ نقله من حالة الأبارتهايد، أيْ حكم الأقليّة على الأغلبيّة الأصلانيّة، كما كان الوضعُ في جنوب أفريقيا العنصريّة، إلى حالة حكم “الشعب السيّد” الآريّ، وذلك عبر ديمقراطيّة “الشعب السيّد.” فالحال أنّ عددَ الفلسطينيين في فلسطين التاريخيّة أصبح يعادل اليوم عددَ اليهود فيها، ومسألة الأغلبيّة غير مضمونة، ما يشكّل خطرًا ديمغرافيًّا على دولة إسرائيل إنْ بقي بندُ “المساواة” في دولة إسرائيل الكبرى الحاليّة. لذلك جاء اقتصارُ بند “حقّ تقرير المصير” على اليهود فقط.
هذا السيناريو يشكّل ردًّا أيضًا على أنصار “حلّ الدولة الواحدة” الذين يتبنّوْن مشروعَ “إقناع” اليهود الإسرائيليين بالتنازل عمّا حققوه على أرض الواقع، بغضّ النظر عن اسم هذه الدولة (إسرائيل أو فلسطين أو إسراطين…)، ومن خلال إقرارهم بأنّ الكفاح المسلّح الفلسطينيّ قد “فشل،” وأنّه يجب التفتيشُ عن وسائل جديدة “يقْبلها” الرأيُ العامُّ العالميّ كما حصل مع جنوب أفريقيا!
فهل يعتقد هؤلاء حقًّا أنّ إسرائيل، بعد ما وصلتْ إليه من ذروةٍ في القوة، ستتنازل وتقيم مع الشعب الفلسطينيّ دولةَ مساواةٍ على شاكلة جنوب أفريقيا الجديدة؟! أمْ أنّ هذا الطرح سيُدْخل شعبَنا في متاهةٍ جديدةٍ تؤدّي إلى ضياع قضيّته نهائيًّا!؟

حدود العنصريّة اليهوديّة
في هذا السياق أكرّر ما ذكرتُه أعلاه: أتوقّع ألّا تتوقّفَ الحكومةُ الفاشيّةُ عند هذا الحدّ، بل ستصل إلى مرحلةٍ تتخلّص فيها قانونيًّا من أعضاء الكنيست العرب غير الصهاينة، بشكلٍ متدرّج وفرديّ، وذلك بحسب قانون الإبعاد النهائيّ، الصادر مؤخّرًا عن الكنيست. وأضيف أنّ المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ سيكون مقترَحًا على فلسطينيّي الداخل من قِبل إسرائيل نفسها. وما زلتُ أذكر، في هذا الصدد، تصريحَ وزير المواصلات الصهيونيّ، يسرائيل كاتس، في صحيفة كلّ العرب، قبل عدّة سنوات، حين قال إنّه مع أن يصوِّت العربُ داخل إسرائيل لبرلمان الحكم الذاتيّ الفلسطينيّ (المجلس التشريعيّ)، وأن يصوِّت اليهودُ وحدهم للكنيست! ولم يتم تداول هذا التصريح.
ولكي أكون موضوعيًّا، فعليّ أن أؤكّد أنّ نظريّة “النقائض المطلقة التي يغذّي بعضُها بعضًا” صحيحةٌ في هذه الحالة. فاليمينُ الفاشيّ يلعب فعلًا في ملعب الفلسطينيين الذين يؤمنون بأنّ التحرير الشامل بديلٌ من الاحتلال الشامل لأرض فلسطين التاريخيّة، وأنّه ينبغي أن تقوم على هذه الأرض دولة واحدة، هي فلسطين الديمقراطيّة، بمساواة مطلقة بين جميع مواطنيها، نقيضًا لدولة إسرائيل الكبرى، اليهوديّة الكولونياليّة، القائمة حاليًّا.
لم تبقَ للمجتمع الدوليّ، ولكلّ الفلسطينيين والعرب الذين قبلوا “حلَّ الدولتين” حلًّا وسطًا بين فلسطين الشاملة وإسرائيل الكبرى، أيّةُ مساحةٍ للمناورة. فها هي إسرائيل الكبرى تصفع كلَّ مَن قَبِلها، وتردُّ يدَه الممدودة، مستندةً إلى حاميتها أمريكا، وإلى ضعف العرب، وإلى نذالة القيادة الوطنيّة الفلسطينيّة العاجزة والمنسِّقة أمنيًّا مع العدوّ!

الكرة في ملعبنا
| | | Next → |