يوم عراقي دموي قائظ وحكاية خائن

أحمد الناصري

ين فترة واخرى اهارش الخائن مزهر مدلول معيدي، فيصاب بالسعار والتشوش وينفضح أكثر. لقد قضى عمره الباقي (ما بعد الخيانة) يحاول ان يرتق ثقب أسود في حياته، ويحاول أن يعيد كتابة أحداث حصلت وانتهت وهذا غير ممكن بل مستحيل. اقدر حالته النفسية التعيسة والمتردية.
قد سرق نقود مجموعة من الرفاق لتهريبهم إلى الكويت بينهم داوود امين وتركهم في منطقة تل اللحم يواجهون مصيرهم. وقد فعلها مرة أخرى عندما ترك الرفيقة الجريحة موناليزا أمين منشد تنزف حتى الاستشهاد حسب تقدير وقرار لجنة التحقيق في جبنه وهروبه. ويدعي بأنه هرب سابقاً من قبضة الأمن حسب رفيق من الناصرية، ومتهم بتسليم كادر رئيسي مهم!
مرة أخرى اعيد قصة خيانته وموقفه الذليل من جديد وفي كل مرة اراها مناسبة، وأخرب طمأنينته الكاذبة ومن يجامله ويقبل به كخائن. هناك من جماعته، رغم أنهم يتهامسون عليه، من لا يستحق الرد (جماعة بقايا المستنقع وشكو بيها؟ وقابل بس هو؟ ألخ)ن رغم قدرتي على ردعهم، لكنهم لا يستحقون شيء…
توجد تعديلات واكاذيب جديدة طفيفة، ستزيد من تناقضاته وتورطه في النسخة المعدلة الجديدة، لكنها لا تغير شيئاً من حكاية وقصة الخيانة الواضحة والثابتة. سأشير لها واكشفها نهاية الحلقات الخمس…
لا طريق أمام الخائن غير الاعتراف بالخيانة والاعتذار العلني عنها. سيظل يدفع ثمن خيانته كما حصل له في كردستان من قبل الرفاق…

يوم عراقي دموي قائظ وحكاية خائن 1

القصة الكاملة لاعتقالي الدامي في بغداد، تموز عام 1979 من قبل عصابات الأمن العام الفاشية، على يد خائن معروف.

في ذلك اليوم العراقي الحزين والقائظ من تموز عام 79، البعيد عنا اليوم، كنا قد اتخذنا قراراً صعباً بالسفر أو الهجرة و(الهروب) الكبير من الوطن، بعد التخفي وانسداد الأفق أمامنا، وتصاعد الملاحقات والحملات الإرهابية الشرسة والشاملة، ضد قواعد وكوادر وجماهير الحزب الشيوعي العراقي…
كنا على موعد مع شخص لبناني اسمه جمال، يعمل في فندق يقع في شارع الرشيد، ليسلمنا جوازات سفر مصرية مزورة، وكان موعدنا في أحد مقاهي الشورجة، التي تقع خلف الفندق، ليتم فيها تسلم الجوازات وتسليم المبلغ المتفق عليه للشخص اللبناني، الذي التقينا به وتعرفنا عليه، بواسطة العنصر الضعيف المدعو (مزهر مدلول) والذي سوف يخون بعد قليل، وقد قدمه على إنه شيوعي أو يساري ماركسي لبناني، أو شاب عربي طيب، مما عزز الثقة به بسرعة. رغم سطحية وسذاجة المشهد، سلمناه الصور، واتفقنا على كل التفاصيل الأخرى، وقد جرى الاتفاق بسهولة بالغة، ومن دون أية عراقيل أو إشارات تلفت نظرنا لنواياه الحقيقية، ولم نكن نعلم إننا سلمناه مصيرنا!
استيقظنا من الصباح وبدأنا ننتظر الموعد المصيري، والوقت يزحف ببطء شديد، ونحن يتربص بنا المجهول في منعطف العمر القادم، واللحظة القادمة، فأما النجاح في السفر والتخلص من كل المخاطر المحدقة بنا، أو الفشل ومواجهة الكارثة الجديدة، والمخاطر الرهيبة، التي تتمثل بالاعتقال والتعذيب والقتل والاغتيال، أو التسقيط والعزل السياسي، وفرض التعاون مع العدو والخنوع له.
شمس تموز تزحف في السماء، وترش حرارتها الخانقة، كأبخرة المطاط الثقيل، فكل شيء بدء يذوب في تلك الظهيرة الواضحة، ظهيرة آخر يوم مع الشمس والحرية والهواء الطبيعي، في آخر نهار طبيعي، بعد آخر ليلة من ليالي بغداد، مع القمر والنجوم العراقية القريبة والمتألقة في سماءنا الخفيضة، والتي لم أر مثلها في أية سماء أخرى، آخر اللحظات مع الشوارع والأرصفة والأصدقاء والجدل والتأمل والأحلام والنساء والكتب والقصائد والبارات المنزوية والباصات البطيئة المتثاقلة.
توجهنا الى الموعد من غرفتنا الواقعة في الباب الشرقي، أنا و(مزهر مدلول)، الذي سوف أطلق عليه العنصر الضعيف أو المنهار والخائن، وتركنا هناك الأصدقاء الأشقاء غالب غزاي وطالب غزاي (أبو ظافر وسالم).
في الطريق كان الهاجس الأمني يحاصرني بشدة، حيث المخاطر في أشدها وأقصى درجاتها، بعد إن أطلقت الفاشية حملتها الإرهابية المنظمة والشاملة، وأعدت لها الخطط الخاصة، والأجهزة القمعية، واستنفرت كل المنظمات القمعية والحزبية، والجيش الشعبي والجواسيس والمخبرين والمرتدين، بعد فشل وانهيار التحالف الذيلي الخائب الذي عقدته القيادة اليمينية للحزب الشيوعي العراقي مع الفاشية، وبعد صعود الدكتاتور صدام الى المركز الأول في السلطة، يوم 17 تموز عام 79 المشؤوم، بعد إن كان يحكم ويقرر فعلياً، من موقع النائب الشهير، وما يحمله هذا التحول من دلالات ستقود الوطن الى أتون محرقة رهيبة، لم تزل قائمة الى اليوم، وستبقى آثارها تتردد لسنوات وعقود طويلة قادمة، لا نعرف تداعياتها الأخرى والكاملة بالضبط. وهذا ما كان ينبغي قراءته ورصده وكشفه للناس، والعمل على منعه قبل وقوعه منذ البداية.
هنا لابد من تسجيل ملاحظات وانطباعات وذكريات سياسية وشخصية، عن التحالف الذيلي الخائب مع الفاشية وانهياره، والحملة الإرهابية الفاشية الشاملة التي شنتها الأجهزة القمعية ضد كوادر وقواعد الحزب الشيوعي العراقي، وعن الناصرية وبغداد، والاعتقال الأول في الناصرية، وعن الخائن (العنصر الركيك)، وأشياء أخرى، قبل أن أدخل في تسجيل التفاصيل المرعبة، للاعتقال والتعذيب الوحشي في دهاليز الدوائر الأمنية التي مررت بها، والتي كان آخرها معتقل الأمن العام الرهيب. لقد انهار التحالف الذيلي بسبب طبيعته الخاطئة، وجوهره الفاشل، وتوقف وسقط لأسباب فكرية وسياسية أصبحت معروفة بالنسبة لنا، وقد درسناها وراجعناها بشكل معمق وتفصيلي، في أول فرصة توفرت لنا، وتوصلنا الى استنتاجات محددة، وكانت القيادة اليمينية للحزب الشيوعي العراقي، وخاصة عزيز محمد وبعض عناصر المكتب السياسي واللجنة المركزية، هي المسؤولة مباشرة عن كل الأخطاء القاتلة في تلك التجربة البائسة، لكن الكوادر والقواعد الحزبية ساهمت أيضاً وبقدر معين بهذه الخطيئة، لأنها لم ترفض وتقاطع وتقف بوجه هذه السياسة الرعناء، مثلما جرى رفض خط آب مثلاً، لأسباب كثيرة أصبحت معروفة ومكشوفة الآن أيضاً.
ولست بصدد الكتابة عن تلك التجربة وتقيمها الآن، إنما أريد التذكير فقط بالأجواء التي كانت سائدة في تلك الأيام العصيبة، وبكيفية تصرف القيادة وعموم الحزب لمواجهة الحملة الإرهابية الشرسة والمنظمة، وكيف تركت القواعد الحزبية من دون خطط للمواجهة أو الانسحاب المنظم؟ وكيف تم سحق القواعد الحزبية من دون مقاومة منظمة وهامة؟ وقد كانت خسائرنا باهظة ورهيبة، كنتيجة للسياسات الفكرية والتنظيمية والأخلاقية الانتهازية الخاطئة، وفي الصميم منها موقف القيادة اليمينية ونظرتها الخاصة للقواعد الحزبية، وهي معضلة رهيبة تتنافي مع أبسط المبادئ الماركسية، التنظيمية والاجتماعية، وقواعد العمل بين الجماهير.
لقد أثبتت المراجعات والنقاشات الموضوعية العميقة والجريئة التي أجريناها في كردستان وفي الخارج، الى جانب الوثائق والشهادات الكثيرة، إن قيادة الحزب لم تضع خطة طوارئ عملية وحقيقية لمواجهة المأزق الجديد، إنما تركت القواعد الحزبية تلاقي مصيرها الحزين والمأساوي البائس، تحت شعار غريب وعجيب، شعار لا يحمل أي شيء من المسؤولية، وهو شعار (دبر نفسك يا رفيق)، وقد فشل هذا الطرح فشلاً تاماً ومريعاً، في مواجهة الخطط الأمنية والبوليسية، وقد تحملنا النتائج الرهيبة للسياسة التحالفية الخرقاء بشكل شخصي وفردي. وحينما تجمعنا في كردستان بعد لجوئنا الى الجبال، أعلنا ادانتنا للقيادة الانتهازية والقطعية معها، وتحميلها كامل المسؤولية، على أساس رفضنا لتلك التجربة ونتائجها، من جميع الجوانب الفكرية والتنظيمية والسياسية، وإصرارنا الثابت على تقييم المرحلة السابقة، وتحديد الأخطاء، مع المسؤولية الشخصية عنها، لكل هيئة وعنصر قيادي، كشرط أساسي لكل عمل أو خطوة لاحقة، وعدم تكرار سياسة اللفلفة الشهيرة، بعدم كشف الحقائق والوقائع الكاملة.
لقد كان وضعنا نحن الثلاث (غالب وطالب وأنا)، مستقر وجيد بشكل عام، وكانت لدينا صلة قوية ببقايا التنظيم، ولدينا أماكن عديدة للاختفاء، بعد إن انتقلنا من سكن جماعي كبير في محلة الصابونجية الشهيرة، كان يظم عدد كبير من الأصدقاء، من مختلف المحافظات والمدن، وحصلنا على وثائق جيدة جداً، وكنا نعمل ولو بشكل متقطع، أما الصديق طالب غزاي فقد كان وضعه مستقر بشكل جيد، و يعمل بشكل دائمي وثابت، وكانت لدينا مصادر مالية شبه ثابتة وجيدة الى حد معقول، لكن عموم الوضع كان خطراً ويزداد خطورة، خاصة بالنسبة لي، بسبب اعتقالي السابق في الناصرية، ووضعي التنظيمي الخاص، لذلك فكرنا بالسفر.
أما بالنسبة للخائن (مزهر مدلول معيدي) العنصر الركيك، ذلك (الولد) الريفي الساذج البسيط والمنعزل، ذو الملامح الغبية، وقد انتمى إلى الحزب الشيوعي على ما يبدو لأسباب عائلية و(عشائرية!) مثل حالات كثيرة شائعة في مجتمعنا، وتوقف عند هذا الحد ولم يتطور بعد ذلك. فقد التقينا به في بغداد من جديد، وكان في وضع شخصي واجتماعي ونفسي مزري للغاية، ووجدناه متسخاً وشبه مشرد وشبه سكير، إن لم يكنهما تماماً، وكان مذعوراً كالطريدة، وقد تعاملنا معه من موقف عاطفي، وقررنا مساعدته لأنه (بن الولاية)، وليس من موقف تنظيمي صارم يتناسب مع الظروف الخطيرة التي تحيط بنا، ومن دون تحفظ أو أية إجراءات احتياطية، كانت مطلوبة ومهمة بالضرورة، رغم تحذيرات خطوط الناصرية التنظيمية من عدم الاتصال به، كما يذكر ويتذكر الصديق غالب غزاي، على لسان (محسن خزعل) الموجود حالياً في الناصرية، والذي أبلغه بموقف وقرار الحزب، من خلال الشهيد (أبو كريم) وأشخاص لا يزالون في الحزب حتى اليوم، بسبب تعريضه لمجموعة كبيرة من الأصدقاء لخطر الاعتقال والتصفية، وبسبب سلوكه ووضعه العام السيئ، وقد كنا نلتقي به في مقهى، أطلقنا عليه اسما سرياً ظريفاً، هو (أفواه وأرانب)، قبل أن ندله على البيت وتحصل كارثة الخيانة.
ومن المواقف والمفارقات العجيبة واللافتة، والتي راجعناها لاحقاً، هناك موقفان لهذا العنصر الضعيف، أحداهما، في اللحظة الأولى لدخوله الى بيت الاختفاء في الباب الشرقي ببغداد، وعندما كان التلفزيون يبث مسرحية تسلم الدكتاتور مقاليد السلطة (سلمياً) ليلة 17 تموز، وسط دهشة وذهول البكر، قال لنا العنصر الركيك وبطريقة المزاح الثقيل والسمج، لكن الحقيقي (لقد عرفت البيت، وين تروحون مني؟) وقد ضحكنا ببلاهة ومرت النكتة السمجة دون توقف أو تعليق! والموقف الثاني هو إبلاغه للصديق طالب غزاي، مراراً وتكراراً، في حالة من المزاح الحقيقي الثقيل أيضاً، إذ قال له حسبما أبلغني طالب فيما بعد (أنني سوف أسلم أحمد وأعترف عليه في حال اعتقالي)، وقد فعلها الخائن الزنيم بعد دقائق من اعتقاله، لقد عرف البيت ليلة 17 تموز وسلمنا للأمن العام، ظهيرة يوم 21 تموز، وبسرعة البرق، تنفيذاً لقراره المسبق، وهو ما لم نكن نتوقعه أو نضعه في الحسبان، وهذا خطأنا الرئيسي القاتل، على كل حال!
وكان الخائن قد خاض تجربة غريبة ومريبة، لم نستفد منها، ولم نتوقف عندها، وهي توريطه لمجموعة كبيرة من الأصدقاء، ونقلهم من بغداد التي كانوا يختفون بها، الى حدود الناصرية الصحراوية في (تل اللحم)، لغرض تهريبهم الى الكويت، ثم عدم التزامه بالموعد وعدم تنفيذ الخطة، مما عرضهم لخطر حقيقي، خطر الانكشاف والاعتقال والقتل والتصفية، وقد سرق مبلغ التهريب، وصرفه على البيرة المثلجة في بارات بغداد، ومن بين الأصدقاء الذين تعرضوا لهذه العملية الصديق ( داود أمين) والصديق (سعد عودة) والفنان (طالب غالي)، وهذه حادثة معروفة، حذر منها التنظيم، وسجلها الضحايا، ووصفه أحدهم ب (الحرامي الخائن) .
أعود الى سرد حكاية الاعتقال الدامية يوم 21 تموز عام 79 ، وتسليمي من قبل الولد والخائن (مزهر مدلول) أو أل (ح ) كما يحلو له، فقد ذهبت معه الى الموعد المحدد، في مقهى الشورجة، وهو قريب من الفندق الذي يعمل فيه جمال اللبناني ومعه الولد الخائن، كان الوقت ثقيلاً ونحن نقطع الخطوات المتبقية بين الشارع والمقهى، وقد طلبت من العنصر الضعيف أن يتقدمني وأدخل بعده، كانت خطواته الأخيرة نحو الخيانة، والسقوط في بئر الخيانة، الذي سيظل يشرب منه حتى نهاية عمره، وبعد خطوات قليلة وكان الزحام شديداً، أحسست بحركة مريبة غير طبيعية، وقدرت إن هناك مكيدة ما تجري ضدنا، وإننا وقعنا في كمين محكم وسقطنا وسط شراك العدو، التي أعدت حولنا، لم أكن أملك غير لحظات قليلة، وعدة خطوات فقط، بين الخلاص أو السقوط بين براثن العدو المتربص بنا، هنا استدرت الى بائع لبن، وقد أستند على أحد الأعمدة، وطلبت منه كأس لبن وأعطيته 100 فلس، في هذه اللحظة الثمينة التي سكب فيها الرجل اللبن، استدرت وتركت المكان واللبن والمبلغ وسط استغراب وتساؤل البائع، وانتقلت بسرعة خاطفة الى مخبئنا في الباب الشرقي، لأبلغ الأصدقاء غالب وطالب، ولأنقذهما من الخطر، وقد وصلت بسرعة الى البيت، وأبلغتهما بأننا ضحايا مؤامرة وكمين، وإن (مزهر) جرى اعتقاله، وقررنا مغادرة الغرفة، في هذه اللحظة سمعنا أصوات كثيرة تسأل عن اسمي الحركي (سعيد)! لقد خان العنصر الركيك بسرعة بالغة، لا يمكن تصورها أو توقعها في أسوء الكوابيس، لم يصمد ولا دقائق ولا لحظات، ربما تنفيذاً لقراره المسبق بتسليم (ي) الفوري للعدو في حال سقوطه بين يديه، وقد قاد القتلة الى مخبئنا بيسر، دون عناء أو تعذيب، أو صفعة على وجهه الذليل، ليعبر عن دونيه رهيبة وسقوط مريع، وعن شخصية منهارة من الأساس، وعن رعديد جبان، هذا هو الخائن (مزهر مدلول)، وهذه حقيقة الولد الخائن كما جرت وبحضور الشهود. ثم استمر التداعي المريع للولد (مزهر) فقد استطاع غالب وطالب أن يمرا من خلال الطوق الأمني، وقد استفادا من شكليهما الذي يشبه المصريين الى حد كبير، الذين كانوا يسكنون البيت، حيث أوقفوا سيارتهم في باب الدار تماماً، ولا يفصل بين السيارة والبيت سوى الرصيف، والخائن (مزهر) يقبع داخلها، وعندما حاولت المرور والخروج، استوقفني رجال الأمن، وقد شهروا مسدساتهم، وقال لي أحدهم نحن السلطة، وأي حركة غير طبيعية منك سنقتلك، وكنت أحاول التخلص من الشرك، وأن أبدو هادئاً وطبيعياً، فقلت لهم أنني لست الشخص الذي تسألون عنه، وأخرجت لهم هوية مزورة صادرة من دائرة حكومية، فأرتبك عناصر الأمن، وترددوا قليلاً، وقد عاد أحدهم الى الخائن (مزهر) وسأله عني، وكنت أسمع وأرى وأراقب الموقف بشكل كامل، ولم يكن بيننا غير عدة خطوات، وهي المسافة الفاصلة بين باب البيت والرصيف حيث تقف سيارة الأمن، وحيث كان يقبع الخائن، وقد غطوا رأسه ب (يشماغ) هل هذا الشخص المطلوب؟ فقال له نعم، أكرر سمعته وشاهدته، فعادوا ألي فوراً، وقالوا (ماكو شيء، تعال معنا خمس دقائق فقط)، وهي كلمة السر القاتلة، وأدخلوني في سيارة أخرى كانت تقف على الرصيف أيضاً، وأغلقوا الأبواب أوتوماتيكيا وزعقت صفارة الإنذار، وانطلقت السيارة، الى مديرية أمن الرصافة في الأعظمية، أو مسلخ الأعظمية الفاشي، سيء الصيت، وقد بدأ التحقيق فوراً، وكنت أضع نظارات (طبية) للتمويه، وقد رفعها ضابط الأمن من على عينيي، وقال باستهزاء تتخفى بالنظارات، وضربني بها فشج جبهتي، وبدأت المحنة القاسية، ثم فتشوني فوجدوا المبلغ، مع قلمي حبر، أحدهما باركر والآخر شيفر، وهما قلمان جميلان، كنت أحتفظ بهما، وقال لي الضابط المحقق، أنت تكتب قصاصات ورقية ضد السلطة، وترميها في الباصات والشوارع، أليس كذلك؟ فأنكرت ذلك بشدة.
بدأت الأسئلة التمهيدية تنهال عليّ بسرعة، وقررت رفض الإجابة عن أي سؤال مهما كان، لكي أكسب الوقت، وأحاول مواجهة الموقف والشراسة والخيانة، وبعد تحقيق سريع وضرب وإهانات، تم نقلي الى مديرية أمن السراي، الواقع في الطابق العلوي من بناية شرطة السراي في ساحة الميدان، بجانب مقهى البلدية الشهير، وهنا بدأت فصول الجحيم والمأساة الرهيبة، حيث التحقيق والتعذيب على مدار الساعة، لا يتوقف ولا يخف، ليل نهار، وقد رفضت الإجابة على كل الأسئلة، وأحبطت قضية جمع معلومات مفيدة عن وضعنا، وعن علاقاتي وصلاتي التنظيمية في بغداد، ووضعي، ومن زودني بالهوية الحكومية المزورة، وعن الأسماء الحقيقية لصاحبي الصورتين، غالب وطالب، والى أين كنا نريد أن نسافر، وبمن نتصل في الخارج، الى آخر الأسئلة الكثيرة والمتلاحقة .
لقد حاولت كسب الوقت كي لا يتدهور الوضع، وكي لا تتسع تداعيات الخيانة، ونجحت في تثبيت الاسم الثلاثي المزور الآخر، ومواليد غير صحيحة، وإعطاء عنوان ومدينة أخرى، وقررت الإضراب عن الطعام، منذ الساعات الأولى، ولم أتناول أي طعام إطلاقاً، وفي اليوم الثاني أو الثالث وأرجح اليوم الثالث، جاءوا بالخائن ليمارس أسوء وأخطر دور، ويبدو إنه تعاون معهم وهو يجيب على كل أسئلتهم، وكان في حالة انهيار كبير، ويتكلم بطريقة تشبه البكاء و الخضوع والانهيار، وسألوه عني، فقال (هو يعرف كل شيء، وهو مسؤول عن كل عملية السفر، وهو الذي يريد نقلنا الى الخارج، وهو يعرف أصحاب الصور، الى آخره من الأجوبة والاعترافات، التي وضعتني في موقف ووضع خطير، وكان هذا أول وآخر لقاء مع الخائن منذ لحظة اعتقالي، وصار عليّ تحمل المسؤولية كاملة، بعدم الرد على هذه الأسئلة، وتحمل كل قساوة التعذيب المتصاعدة، وكانت هذه خيانته الثالثة لي، وقد كافئه الضابط، بأن طلب منه أن يبصق علي، لكنه لم يفعل، وقال الخائن للضابط (ما أكدر) لا أقدر، وهي حادثة ذكرها الخائن لبعض الأصدقاء في كردستان، كي يدلل على سلامة موقفه، لكنه يتحاشى ذكرها الآن لدلالاتها الخاصة… فقال ضابط التحقيق، والخائن يتذكر هذه الحادثة الفاصلة قطعاً، حيث تأمن وضعه تماماً، (خذوا هذا وأعطوه دجاج واقتلوا هذا) وبدأت جولات تعذيب قاسية ووحشية، لكسر الإضراب وانتزاع معلومات عن وضعي والوضع العام الذي يحيط بي.
في اليوم السادس أو السابع للاعتقال، ومع اشتداد جولات التعذيب الوحشي الشرس، واحتمالات تراجع الخائن أكثر وأكثر، واحتمال انكشاف أسمي ووضعي الحقيقي، وبذلك سأواجه ظرفاً أكثر قسوةً ووحشيةً، وتصفية أكيدة، بسبب حالتي التنظيمية الخاصة، اتخذت قراراً خطيراً وصعباً، فقد قررت وضع نهاية لحياتي في الموقف، وذلك بالانتحار، ووضعت خطة بسيطة، فعندما طالبوني بإنهاء الإضراب، قلت لهم أنني لست مضرباً عن الطعام، إنما أعاني من تلبك ومشاكل في المعدة والأمعاء، وأنني بحاجة الى قنينة كولا أو أي شيء آخر أشربه، وذهبوا وعادوا بسرعة، وهم يحملون القنينة، شربت منها جرعة صغيرة ووضعتها الى جانبي، ثم عادوا مرة أخرى ووجدوني أشرب منها قليلاً، وهكذا اطمأنوا، وذهبوا ولم يعودوا ثانية، انتظرت حتى هدأ الموقف تماماً وانقطعت الحركة تماماً، وكنت في غرفة انفرادية، مكبل من القدمين، ويد مربوطة بالسرير، فلففت القنينة بالبطانية السوداء التي أتغطى بها، وبدأت بضرب القنينة بالسرير الحديدي، ضربات مكتومة لكن قوية، حتى انكسرت، عندما قررت البدء بالتنفيذ، تذكرت أهلي وأصدقائي ومدينتي البعيدة والقصائد التي أعشقها وأحلامي الصغيرة المرمدة، ونهاية الرحلة الخاطفة على يد خائن تافه، وطعنت نفسي طعنة قوية في الرقبة، وبدأ الدم يتدفق ساخناً ولزجاً، ثم بدأت بعملية الذبح والانتحار، وبدأ الدم يتدفق عزيراً والنزف يزداد، وأخذت أنفخ بقوة كي يتسارع ويزداد النزيف بشدة، الى أن بدأت الرؤى تتشوش، وأخذت أسير حثيثاً نهو النهاية والإغماء والموت، ثم فقدت الإحساس والعلاقة بالوجود، وانتهى كل شيء من حولي، بعدها وجدت نفسي في غرفة أحد المستشفيات، عرفت فيما بعد إنه مستشفى مدينة الطب، وقد تلقيت الإسعافات الأولية، وخاطوا جروحي وأعادوني الى المعتقل، مما أوقف عمليات التعذيب والتحقيق ولو مؤقتاً، وقد نقلوني عدة مرات للعلاج ومداواة الجروح في مدينة الطب، وبعد أن تحسنت حالتي الصحية قليلاً، عادوا إلى جولات التعذيب والتحقيق المتلاحقة والمكثفة، لكن جسدي هذه المرة، لم يكن ليصمد طويلاً، حيث كنت منهكاً وضعيفاً وأسقط في حالة الإغماء بسرعة، ثم نقلوني الى مديرية أمن بغداد، وهناك بدأت عمليات التحقيق والتعذيب من جديد، وكانت أقسى وأشد من المرحلة الأولى، لكنهم لم يتوصلوا الى شيء، حتى عن مصدر الهوية المزورة التي احملها والتي زودني بها الصديق (محسن خزعل)، وهو الآن كادر حزبي في الناصرية، ظل بعيداً عن القضية، كذلك بقيت كل الأسرار في مكانها المقدس، فقد كان لدي موعد حزبي مع الشهيد صاحب ناصر، وقد مر بأمان مطلق، وقد اتصلت به فور إطلاق سراحي من خلال بيت (حزبي) في مدينة الناصرية، كان يستخدمه الصديقان، الشهيد قيس كاظم والصديق حميد، وعادت الصلة الحزبية معه، حتى التحاقي بالجبل، وهي حكايات طويلة وجميلة وحزينة لها فصل خاص، من فصول تلك التجربة القاسية والطويلة.

أحمد الناصري

شهادة غالب غزاي (أبو ظافر)
غرفة في الباب الشرقي

نظر سلام من فتحة ثقب الباب وقال هامساً : رجال بملابس القطعتين، إنهم ( رجال الأمن )، وسط باحة الدار .. من دلهم علينا ؟؟
كان الوقت صيفاً، وشوارع بغداد تغص بالشيوعيين المطاردين، من قبل أزلام أمن السلطة، في أشرس حملة منظمة ضد تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، في نهاية القرن الماضي .
لقد إبتدأت السلطة بحملتها الشاملة ضد الحزب الشيوعي العراقي، بإعدام ( 31 ) شيوعياً عسكرياً، بحجة وجود تنظيم عسكري مزعوم داخل الجيش، والإعداد لمحاولة إنقلاب عسكري، بينما الحقيقة هي إن السلطة كانت تعد العدة لقيام نظام دكتاتوري شمولي، لذلك أعدمت سهيل شرهان وبشار رشيد ورفاقهم .
كان المعتقلون من الشيوعيين يصمدون حتى الموت أمام جلاديهم، فيما أجبرت أعداد كبيرة منهم على الإختفاء من أعين الأمن، لغرض تدبير الظروف الملائمة للصعود الى كردستان، أو السفر الى الخارج .
السلطة في تلك الفترة، كانت تثقف تنظيماتها ( حزب البعث )، بأن عام 1980، هو عام نهاية الحزب الشيوعي العراقي، وكانوا يحثون الخطى نحو هذا الهدف البغيض، ويكرسون له كل أمكانياتهم القمعية الهائلة، من قوى أمن ومخابرات ومخبرين .
كان الوقت بين سماعنا لصرخة سالم والتفكير بما يمكن عمله ثواني قليلة، إلا إنها كانت دهراً، في ذلك البيت المزوي في الباب الشرقي .
أن تجد ملاذاً آمناً يحميك من عسس المخابرات، هو هاجس دائم لكل الشيوعيين المختفين عن أعين السلطة، فقد تفرق الرفاق المختفين في محلة الصابونجية، بعد إن طالت الإعتقالات عدد كبير منهم، وكانت أحدى غرف هذه المحلة العتيقة في باب المعظم تظم مجموعة من الرفاق الذين قدموا من المحافظات، حيث كانت تظم أحدى الغرف بين 10 الى 12 شخصاً، وقد إستشهد عدد منهم، الشهيد كفاح إبراهيم والشهيد آيدن جواد والشهيد ظافر جابر والشهيد عدنان حسين الهلالي والشهيد كريم السيد، ذلك الشاب الحيوي، الذي تلتمع في عيونه كل معاني الحياة والحب والبساطة الوضوح للكادح العراقي .
أهتديناً أخيراً أنا وسعيد، بواسطة صديقنا عدنان، عم الشهيد مناضل عبد العالي موسى، الى إستأجار غرفة، خلف سينما غرناطة، في الباب الشرقي .
كان عدنان أحد أبطال المقاومة الشعبية التي تصدت لقطعان الحرس القومي في عام 63، وهو عراقي أصيل ذو مكانة متميزة في هذه المنطقة الشعبية في الباب الشرقي، وكنا نلقبه بالسريع، نظراً لنشاطه وحركته السريعة، وإستعداده الدائم لمساعدة الآخرين، ومساعدتهم في شتى صنوف الحياة . وقد ساعدنا في إستئجار الغرفة بكفالته، وقد إتفقنا أنا وسعيد وعدنان، بأن لاأحد يعرف طريقاً الى هذه الغرفة مهما كانت الأسباب، وهذا ماحصل فعلاً، حيث سكنا أنا وسعيد، دون أن يعرف بمكاننا احد .
عاد سعيد من وحدته العسكرية، حيث كان يؤدي الخدمة الإلزامية، وكانت السلطة قد أصدرت قانوناً يقضي بإعدام، كل شيوعي عسكري، يتهم بممارسة نشاط تنظيمي مهما كان بسيطاً، عدا النشاط في حزب البعث، وهكذا عاد سعيد للإختفاء معنا .
في تلك الفترة ألتقيت بحميد، الذي كان قد هرب من الخدمة العسكرية، وعمل وسكن في فندق يقع في شارع الرشيد، قرب الشورجة، وكان يتحرك بوثيقة هي دفتر الخدمة العسكرية لإخيه، والتي تحمل نفس الإسم .. كان وضع حميد بائساً وصعباً، وكان حينها بلا صلة حزبية، حيث حدثت مشكلة خطيرة تتعلق بتدبير هروب مجموعة من الرفاق الى الكويت عن طريق تل اللحم، إلا إنه أخفق في العملية ولم يلتزم بالحضور للمكان، وعرضهم الى خطر حقيقي، مما أفقد ثقة الرفاق به، وحذر التنظيم من الإتصال به . إلا أني وبجهد شخصي، وجدت له صله حزبية رغم صعوبة الظروف وتعقيداتها فيما يتعلق بالخطوط الحزبية، وكنا نلتقي به في مقهى قرب الشورجة كنا نسميها ( أفواه وأرانب ) نسبة للمسلسل العربي الشهير في تلك الأيام، والذي كان يعرضة تلفزيون المقهى .
كان حميد يعمل ويسكن في فندق بشارع الرشيد قبل أن يتركه، ويعمل معه شخص لبناني إسمه جمال، وكان يستلم جوازات ساكني الفندق، وكنا نفكر بكيفية تدبير طريقة للخروج من العراق، وقد قمنا بمحاولة إستصدار جوازات سفر من بغداد بطريقة الأمر الإداري، لكنها فشلت .
كتب سمير هامش مرة، شعراً نثرياً، في أحدى حالاته وهو يصارع من اجل الحصول على جواز سفر ( ضرب القنصل بيده على المنضدة وقال، إذا لم تحصل على جواز سفر فأنت لامحال هالك .. لامحال هالك )، سمير هامش الذي هلك في حروب النظام العبثية، كان شاباً يحلم بمدن سعيدة وأطفالاً تغني في ليلة صيفية مقمرة، كنا هو وباقة رائعة من شباب الناصرية، أحمد موسى وزكي عطا ومنير فاضل وأحمد عبد علي وناصر خزعل وعلي شبيب وسعد شهاب وغيرهم، كانت تجمعنا لقاءات يومية حلوة وسهرات رائعة وجميلة، مرة في نادي الموظفين، ومرات في بيت سمير هامش، ذلك البيت العتيق في شارع الحبوبي . نتحاور ونتجادل ونضحك ونسمع شعراً وموسيقى ونتابع المسرح، ونحلم بعالم خالي من الظلم ، يحترم الإنسان .
في بغداد إقترح حميد على جمال إن كان بإمكانه تدبير جوازات سفر له ولنا، فأبدى إستعداده، وقال إن القضية ليست بالصعبة، وزاد بإنه يستطيع إبدال الصور ووضع صورنا محلها، مقابل مبلغ من المال، وقد أوصل حميد الفكرة لنا، فأستحسناها وإشتغلنا بهذا الإتجاة، خلال هذه الفترة كانت لقاءاتنا بحميد منتظمة، في نفس المقهى، حيث لم يكن يعرف مكاننا بالمطلق .
خلال تلك الفترة كانت بغداد تتهيأ لدخول بوابات الجحيم، حيث ذكرى إنقلاب 68، والأجواء عام 79، مهيأة لإستلام صدام حسين السلطة من احمد حسن البكر .
هيئنا الظروف الخاصة بموضوع الجوازات، حيث جزهنا الصور، ومبلغاً من المال، جرى الإتفاق عليه، وهنا لابد من الإشارة الى إننا لم نلتق بجمال، بأستثناء مرة واحدة إلتقاه فيها سعيد، وكان ذلك بإتفاق معنا، لمعرفة مدى جدية هذا الشخص، ومعرفته شخصياً . لم يتبن شيء من لقاء سعيد به، وهكذا مضينا بالخطة .
في يوم 16 – 17 تموز أبلغنا حميد بأن الجوازات أصبحت جاهزة، وسيقوم بإستلامها عندما نتفق معه على الموعد بالضبط، وفي الليلة التالية أي يوم 17 – 18 تموز، وكان يوم إحتفال السلطة بإنقلابها المشؤوم، وكذلك تسلم صدام لمقاليد السلطة بشكل رسمي، وقد تحولت بغداد الى ثكنة لرجال الأمن والمخابرات، وكذلك الجيش والشرطة، التي لاتغيب عنهم أية شاردة وواردة .
لقد قررنا، أنا وسلام وسعيد وحميد، بأن نسافر حال إستلامنا الجوازات الى السفر للأردن، وقد تحركنا على شركات النقل في منطقة الصالحية لجمع المعلومات، بعد إن تأكدنا بأن كل شيء يسير على مايرام !!
في ليلة 17 تموز خرقنا قرارنا ووعدنا الذي قطعناه على إنفسنا بأن لاأحد يتعرف على مكان الغرفة بإستثنائي وسعيد، ففي تلك الليلة جئنا بحميد، على أساس إن هذه الليالي هي الليالي الأخيرة، وليس من المعقول أن يحصل ماهو غير محسوب، وبهذه السرعة .
كنا في تلك الليلة قد إفترشنا سطح المنزل، مع نزلا ء الدار الآخرين، تلك الدار البغدادية الطراز، التي تحتوي على عدد من الغرف، بطابقين ، تتوسطه باحة واسعة .
نمنا تلك الليلة على سطح الدار، ونحن نتابع من شاشة التلفاز الذي يعود لأحد النزلاء، وبالمناسبة فالنزلاء كلهم من المصريين العاملين في العراق، وهو ما أفادنا لاحقاً، وكنا نتابع البهرجة والضجيج الإعلامي، الذي يصاحب عادة إحتفالات النظام . وكان حميد يحدثنا عن الفرق، بين ان تنام في فندق والنوم على سطح دار .
بعد أيام أنطلق سعيد وحميد، اللذان كانا على موعد مع جمال لإستلام الجوازات، وبقينا ننتظرهم أنا وسلام مرت نصف ساعة تقريباً قبل أن يعود سعيد مسرعاً، ليبلغنا بأن في الأمر مؤامرة ووشاية، وإن جمال متعاون مع الأمن ، وقد تم إعتقال حميد.
كان الوقت بين عودة سعيد ووصول رجال الأمن الى ساحة البيت قصيراً جداً، أذ لم نكن لنتصرف ونحن حبيسي غرفة البيت، والسؤال الرئيسي، من دلهم علينا ؟؟ ومن قادهم الى البيت بهذه السرعة ؟؟ فتح سلام باب الغرفة وقال أتبعوني، تحركت خلفه الى الباحة، وكانت تغص برجال الأمن المهنكين بتفيش الغرف والبحث عنا، وكانت أشكالنا التي تشبه السحن المصرية قد أفادتنا تماماً .
ونحن نخطو خطواتنا العشر أو الثمان، والتي تفصل بين غرفتنا والباب الرئيسي للدار، إستللنا بهدوء وحذر، حيث كانت مسافة بين الحياة والموت، لم يتلفت أحدنا الى الوراء، وكأن الأمر طبيعي، حتى لانثير شكوك رجال الأمن، وأول ماوطأت قدماي دكة الباب الثانية نزولاً كانت هناك ثلاث سيارات ( لاندكروز ال .. التي يستخدمها رجال الأمن، متوقفة على بعد خمسة أمتار من الباب، ووقعت عيني على من كان جالساً بالسيارة الأولى، وهو متلفع بيشماغ أحمر ، إنه حميد وكان مذعوراً .. لقد خاننا .
أسرعنا الخطى بعد الخطوة الأولى بإتجاه محلة الفناهره ثم السنك، و كانت المسافة بين البيت والأزقة بين 50 الى 70 متر، وأخذنا سيارة تكسي بعيداً عن الخطر… في عصر نفس اليوم ألتقيت بالصديق عدنان السريع وكان يبكي، وأبلغني بإعتقال سعيد .
رتبنا أفكارنا ووضعنا، بما يجب علينا أن نعمله لاحقاً، وتلك حكاية أخرى .

شهادة غالب غزاي (أبو ظافر) عن الخيانة…

غرفة في الباب الشرقي

نظر سلام من فتحة ثقب الباب وقال هامساً : رجال بملابس القطعتين، إنهم ( رجال الأمن )، وسط باحة الدار .. من دلهم علينا ؟؟
كان الوقت صيفاً، وشوارع بغداد تغص بالشيوعيين المطاردين، من قبل أزلام أمن السلطة، في أشرس حملة منظمة ضد تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، في نهاية القرن الماضي .
لقد إبتدأت السلطة بحملتها الشاملة ضد الحزب الشيوعي العراقي، بإعدام ( 31 ) شيوعياً عسكرياً، بحجة وجود تنظيم عسكري مزعوم داخل الجيش، والإعداد لمحاولة إنقلاب عسكري، بينما الحقيقة هي إن السلطة كانت تعد العدة لقيام نظام دكتاتوري شمولي، لذلك أعدمت سهيل شرهان وبشار رشيد ورفاقهم .
كان المعتقلون من الشيوعيين يصمدون حتى الموت أمام جلاديهم، فيما أجبرت أعداد كبيرة منهم على الإختفاء من أعين الأمن، لغرض تدبير الظروف الملائمة للصعود الى كردستان، أو السفر الى الخارج .
السلطة في تلك الفترة، كانت تثقف تنظيماتها ( حزب البعث )، بأن عام 1980، هو عام نهاية الحزب الشيوعي العراقي، وكانوا يحثون الخطى نحو هذا الهدف البغيض، ويكرسون له كل أمكانياتهم القمعية الهائلة، من قوى أمن ومخابرات ومخبرين .
كان الوقت بين سماعنا لصرخة سالم والتفكير بما يمكن عمله ثواني قليلة، إلا إنها كانت دهراً، في ذلك البيت المزوي في الباب الشرقي .
أن تجد ملاذاً آمناً يحميك من عسس المخابرات، هو هاجس دائم لكل الشيوعيين المختفين عن أعين السلطة، فقد تفرق الرفاق المختفين في محلة الصابونجية، بعد إن طالت الإعتقالات عدد كبير منهم، وكانت أحدى غرف هذه المحلة العتيقة في باب المعظم تظم مجموعة من الرفاق الذين قدموا من المحافظات، حيث كانت تظم أحدى الغرف بين 10 الى 12 شخصاً، وقد إستشهد عدد منهم، الشهيد كفاح إبراهيم والشهيد آيدن جواد والشهيد ظافر جابر والشهيد عدنان حسين الهلالي والشهيد كريم السيد، ذلك الشاب الحيوي، الذي تلتمع في عيونه كل معاني الحياة والحب والبساطة الوضوح للكادح العراقي .
أهتديناً أخيراً أنا وسعيد، بواسطة صديقنا عدنان، عم الشهيد مناضل عبد العالي موسى، الى إستأجار غرفة، خلف سينما غرناطة، في الباب الشرقي .
كان عدنان أحد أبطال المقاومة الشعبية التي تصدت لقطعان الحرس القومي في عام 63، وهو عراقي أصيل ذو مكانة متميزة في هذه المنطقة الشعبية في الباب الشرقي، وكنا نلقبه بالسريع، نظراً لنشاطه وحركته السريعة، وإستعداده الدائم لمساعدة الآخرين، ومساعدتهم في شتى صنوف الحياة . وقد ساعدنا في إستئجار الغرفة بكفالته، وقد إتفقنا أنا وسعيد وعدنان، بأن لاأحد يعرف طريقاً الى هذه الغرفة مهما كانت الأسباب، وهذا ماحصل فعلاً، حيث سكنا أنا وسعيد، دون أن يعرف بمكاننا احد .
عاد سعيد من وحدته العسكرية، حيث كان يؤدي الخدمة الإلزامية، وكانت السلطة قد أصدرت قانوناً يقضي بإعدام، كل شيوعي عسكري، يتهم بممارسة نشاط تنظيمي مهما كان بسيطاً، عدا النشاط في حزب البعث، وهكذا عاد سعيد للإختفاء معنا .
في تلك الفترة ألتقيت بحميد، الذي كان قد هرب من الخدمة العسكرية، وعمل وسكن في فندق يقع في شارع الرشيد، قرب الشورجة، وكان يتحرك بوثيقة هي دفتر الخدمة العسكرية لإخيه، والتي تحمل نفس الإسم .. كان وضع حميد بائساً وصعباً، وكان حينها بلا صلة حزبية، حيث حدثت مشكلة خطيرة تتعلق بتدبير هروب مجموعة من الرفاق الى الكويت عن طريق تل اللحم، إلا إنه أخفق في العملية ولم يلتزم بالحضور للمكان، وعرضهم الى خطر حقيقي، مما أفقد ثقة الرفاق به، وحذر التنظيم من الإتصال به . إلا أني وبجهد شخصي، وجدت له صله حزبية رغم صعوبة الظروف وتعقيداتها فيما يتعلق بالخطوط الحزبية، وكنا نلتقي به في مقهى قرب الشورجة كنا نسميها ( أفواه وأرانب ) نسبة للمسلسل العربي الشهير في تلك الأيام، والذي كان يعرضة تلفزيون المقهى .
كان حميد يعمل ويسكن في فندق بشارع الرشيد قبل أن يتركه، ويعمل معه شخص لبناني إسمه جمال، وكان يستلم جوازات ساكني الفندق، وكنا نفكر بكيفية تدبير طريقة للخروج من العراق، وقد قمنا بمحاولة إستصدار جوازات سفر من بغداد بطريقة الأمر الإداري، لكنها فشلت .
كتب سمير هامش مرة، شعراً نثرياً، في أحدى حالاته وهو يصارع من اجل الحصول على جواز سفر ( ضرب القنصل بيده على المنضدة وقال، إذا لم تحصل على جواز سفر فأنت لامحال هالك .. لامحال هالك )، سمير هامش الذي هلك في حروب النظام العبثية، كان شاباً يحلم بمدن سعيدة وأطفالاً تغني في ليلة صيفية مقمرة، كنا هو وباقة رائعة من شباب الناصرية، أحمد موسى وزكي عطا ومنير فاضل وأحمد عبد علي وناصر خزعل وعلي شبيب وسعد شهاب وغيرهم، كانت تجمعنا لقاءات يومية حلوة وسهرات رائعة وجميلة، مرة في نادي الموظفين، ومرات في بيت سمير هامش، ذلك البيت العتيق في شارع الحبوبي . نتحاور ونتجادل ونضحك ونسمع شعراً وموسيقى ونتابع المسرح، ونحلم بعالم خالي من الظلم ، يحترم الإنسان .
في بغداد إقترح حميد على جمال إن كان بإمكانه تدبير جوازات سفر له ولنا، فأبدى إستعداده، وقال إن القضية ليست بالصعبة، وزاد بإنه يستطيع إبدال الصور ووضع صورنا محلها، مقابل مبلغ من المال، وقد أوصل حميد الفكرة لنا، فأستحسناها وإشتغلنا بهذا الإتجاة، خلال هذه الفترة كانت لقاءاتنا بحميد منتظمة، في نفس المقهى، حيث لم يكن يعرف مكاننا بالمطلق .
خلال تلك الفترة كانت بغداد تتهيأ لدخول بوابات الجحيم، حيث ذكرى إنقلاب 68، والأجواء عام 79، مهيأة لإستلام صدام حسين السلطة من احمد حسن البكر .
هيئنا الظروف الخاصة بموضوع الجوازات، حيث جزهنا الصور، ومبلغاً من المال، جرى الإتفاق عليه، وهنا لابد من الإشارة الى إننا لم نلتق بجمال، بأستثناء مرة واحدة إلتقاه فيها سعيد، وكان ذلك بإتفاق معنا، لمعرفة مدى جدية هذا الشخص، ومعرفته شخصياً . لم يتبن شيء من لقاء سعيد به، وهكذا مضينا بالخطة .
في يوم 16 – 17 تموز أبلغنا حميد بأن الجوازات أصبحت جاهزة، وسيقوم بإستلامها عندما نتفق معه على الموعد بالضبط، وفي الليلة التالية أي يوم 17 – 18 تموز، وكان يوم إحتفال السلطة بإنقلابها المشؤوم، وكذلك تسلم صدام لمقاليد السلطة بشكل رسمي، وقد تحولت بغداد الى ثكنة لرجال الأمن والمخابرات، وكذلك الجيش والشرطة، التي لاتغيب عنهم أية شاردة وواردة .
لقد قررنا، أنا وسلام وسعيد وحميد، بأن نسافر حال إستلامنا الجوازات الى السفر للأردن، وقد تحركنا على شركات النقل في منطقة الصالحية لجمع المعلومات، بعد إن تأكدنا بأن كل شيء يسير على مايرام !!
في ليلة 17 تموز خرقنا قرارنا ووعدنا الذي قطعناه على إنفسنا بأن لاأحد يتعرف على مكان الغرفة بإستثنائي وسعيد، ففي تلك الليلة جئنا بحميد، على أساس إن هذه الليالي هي الليالي الأخيرة، وليس من المعقول أن يحصل ماهو غير محسوب، وبهذه السرعة .
كنا في تلك الليلة قد إفترشنا سطح المنزل، مع نزلا ء الدار الآخرين، تلك الدار البغدادية الطراز، التي تحتوي على عدد من الغرف، بطابقين ، تتوسطه باحة واسعة .
نمنا تلك الليلة على سطح الدار، ونحن نتابع من شاشة التلفاز الذي يعود لأحد النزلاء، وبالمناسبة فالنزلاء كلهم من المصريين العاملين في العراق، وهو ما أفادنا لاحقاً، وكنا نتابع البهرجة والضجيج الإعلامي، الذي يصاحب عادة إحتفالات النظام . وكان حميد يحدثنا عن الفرق، بين ان تنام في فندق والنوم على سطح دار .
بعد أيام أنطلق سعيد وحميد، اللذان كانا على موعد مع جمال لإستلام الجوازات، وبقينا ننتظرهم أنا وسلام مرت نصف ساعة تقريباً قبل أن يعود سعيد مسرعاً، ليبلغنا بأن في الأمر مؤامرة ووشاية، وإن جمال متعاون مع الأمن ، وقد تم إعتقال حميد.
كان الوقت بين عودة سعيد ووصول رجال الأمن الى ساحة البيت قصيراً جداً، أذ لم نكن لنتصرف ونحن حبيسي غرفة البيت، والسؤال الرئيسي، من دلهم علينا ؟؟ ومن قادهم الى البيت بهذه السرعة ؟؟ فتح سلام باب الغرفة وقال أتبعوني، تحركت خلفه الى الباحة، وكانت تغص برجال الأمن المهنكين بتفيش الغرف والبحث عنا، وكانت أشكالنا التي تشبه السحن المصرية قد أفادتنا تماماً .
ونحن نخطو خطواتنا العشر أو الثمان، والتي تفصل بين غرفتنا والباب الرئيسي للدار، إستللنا بهدوء وحذر، حيث كانت مسافة بين الحياة والموت، لم يتلفت أحدنا الى الوراء، وكأن الأمر طبيعي، حتى لانثير شكوك رجال الأمن، وأول ماوطأت قدماي دكة الباب الثانية نزولاً كانت هناك ثلاث سيارات ( لاندكروز ال .. التي يستخدمها رجال الأمن، متوقفة على بعد خمسة أمتار من الباب، ووقعت عيني على من كان جالساً بالسيارة الأولى، وهو متلفع بيشماغ أحمر ، إنه حميد وكان مذعوراً .. لقد خاننا .
أسرعنا الخطى بعد الخطوة الأولى بإتجاه محلة الفناهره ثم السنك، و كانت المسافة بين البيت والأزقة بين 50 الى 70 متر، وأخذنا سيارة تكسي بعيداً عن الخطر… في عصر نفس اليوم ألتقيت بالصديق عدنان السريع وكان يبكي، وأبلغني بإعتقال سعيد .
رتبنا أفكارنا ووضعنا، بما يجب علينا أن نعمله لاحقاً، وتلك حكاية أخرى .

غالب غزاي ساجت

شهادة طالب غزاي (سالم)

واقعه في يوم قائض
الى كاتب المشوه

عزيزي حميد
تحية وبعد

استندت حلقات المشوه التي كتبت الى واقعة كنت انا احد شخوصها. وجدت فيها الكثير من عدم الصدق تارة والمبالغه تارة اخرى ( اذا كنت تنشد العمل الادبي البحت فهذا شأنك لكن دون الاستنداد الى احداث شاركناك فيها ورويتها بشكل مشوه )

ساكتب ما حدث بحسب حيوية الذاكره لحدث مصيري ارتبط بتطور الوضع العراقي وانحرافه الى الهاوية و بتطورنا نحن بعد تلك الحادثة ورفعنا للسلاح من بعدها بوجه الدكتاتورية. سأكتب عن الوشاية التي كانت ستكلفنا الحياة آنذاك.

جرى الاتفاق على خروجنا من العراق بعد اشتداد الهجمة البعثية على اعضاء الحزب بل وكل اليساريين والوطنيين
بالطريقة التي نعرف ظروفها.
كان صاحب فكرة الخروج وتوفير الامكانيات هو حميد, صاحب فكرة توفير الجوازات المصرية من الفندق الذي كان يعمل فيه (نقلا عن سعيد وظفار).
لم اعرف لدخول جمال على الخط سببا لحد الان وللامانه لم اكن مطمئنا للخطة التي رسمت منذ البدايه. ظفار وسعيد كانواعلى علم بشكوكي ازاء الفكرة واصحابها.
كان يوم تسليم الصور لاعداد الجوازات واللقاء بين حميد وسعيد وجمال اللبناني صباحا حوالي العاشرة
في احد مقاهي الشورجة. بقينا انا وظفار ننتظر في الباب الشرقي في مقهى الصباغين كنت اجهل لحد تلك اللحظة مكان سكن سعيد وظفار.حيث تبين فيما بعد انها قريبة جدا من المقهى الذي كنا ننتظر فيه .
جاءنا سعيد مسرعا يخبرنا بأن هنالك مؤامرة لتسليمنا للامن وان حميد قد اعتقل ويتوجب علينا الاسراع بتفريغ الغرفه( التي يسكنها سعيد وظفار) من الاوراق بسرعة والمغادرة, لان حميد يعرف المكان.
توجهنا الى الغرفة والتي كانت على مقربة امتار معدودة من المقهى.
تقع الغرفة في بيت كبير من بيوت بغداد القديمة في منطقة الباب الشرقي يسكنها عمال مصريين.

دقائق لا غير بعد دخولنا الغرفه, فتحت الباب قليلا لاجد باحة البيت تعج باصحاب البدلات المعروفة( رجال الامن), يسألون عن غرفة سعيد وصاحب البيت ينفي معرفته بهذا الاسم( كان سعيد وظفار قد احتاطوا باستخدام اسماء اخرى في البيت ولم يكن حميد وجمال اللبناني على علم بذلك).

قررت الخروج وقلت لسعيد وظفار يجب ان نخرج بسرعة (كانت اشكالنا مقاربة للمصريين) وهم في لجة الاسئلة وخروج الساكنين في هذا الهرج.
خرجت بشكل لا يثير الاستغراب حيث الحوار مازال جاريا بين صاحب البيت ورجال الامن حول الاسم (سعيد)
في الباب كانت سياراتهم واقفة من جهة اليسار.
كان حميد جالسا في السيارة الامامية يتوسط اثنين من رجال الامن تطلع بي دون حراك. اتجهت الى اليمين اي بالاتجاه المعاكس وتبعني مباشرة ظفار
انطلقنا بين الازقه حتى مسافة طويلة بعدها ركبنا سيارة اجرة الى بيت في الاسكان
احسست باننا قد تخلصنا باعجوبة من قبضتهم
علمنا بعدها من عم الشهيد مؤيد(السريع) بان سعيد قد القي القبض عليه من قبل الامن بوشايه ؟؟؟!!
تلك هي الواقعة كما عشتها انا قبل 27 عاما وقد كان من الاجدر بحميد الاعتذار عن هذا الماضي القبيح بعد كل تلك السنين او ربما كان من الحكمة ان يصمت بعد ان اتفقنا على التسامح وتناسي الاخطاء التي ارتكبها غيرنا بحقنا
كم من المؤسف ان تخرج مثل تلك التفاصيل ومن طرف مذنب للعلن يدعي الحق

اشارة
قد يصاب الانسان بلحظات ضعف قد يتم التغاظي عنها لكن حين تكون هذه اللحظة الضعيفة متعلقة بحياة اناس او بأمانه تنظيمية فهذا ما لا يغتفر.

بين فترة واخرى اهارش الخائن مزهر مدلول معيدي، فيصاب بالسعار والتشوش وينفضح أكثر. لقد قضى عمره الباقي (ما بعد الخيانة)…

Slået op af ‎أحمد الناصري‎ i Tirsdag den 25. september 2018