كيف تم تسويق فاضل برواري كبطل؟


صائب خليل
كشفت ردود الفعل على وفاة اللواء فاضل برواري مرة أخرى عن التأثير الشديد للإعلام على الناس. حيث اعتبرته الأغلبية الساحقة على الفيس بطلاً كبيراً، ودافعت عنه باستماتة أحيانا، ورد بعضهم بعدوانية حين سارعت لتبيان الشبهات الخطيرة التي تلاحق الرجل، بينما طالب قسم منهم بالأدلة وهم القسم الذي اكتب هذه النقاط احتراماً لهم. أود هنا ان ابين ما يلي، ومن خلال المواد والروابط التي اخذتها من مقالاتي السابقة:
1- الاستغراب والاستهجان من اتهام برواري بأنه جزء من الإرهاب الذي اسسه الامريكان في العراق، يتعلق بمسالة إحساس بالغضب لإهانة “ضابط” عراقي، والجيش العراقي. 
وهنا يجب ان اذكر الجميع بأننا في البلد الذي سلمت قيادات جيشه اكبر مدنه، مع أسلحة وحداتها المرابطة لحمايتها، إلى داعش والى كردستان بدون أية مقاومة في معظم الأحيان! وإننا البلد الذي نجا فيه جميع هؤلاء الخونة من العقاب بلا استثناء! وإننا البلد الذي تم فيه اطلاق سراح سجناء القاعدة وداعش من اكبر السجون حتى في بغداد، ودون ان يمسك أي شخص او يحاسب أي شخص. وإننا البلد الذي استعمل علباً فارغة باعتبارها أجهزة لكشف الألغام رغم ان الكثيرين كتبوا عنها منذ البداية وبقي سنيناً يستعملها بعد افتضاحها، ولم يعاقب احد على ذلك! نحن أيضا البلد الذي يكشف فيه وزير دفاع بفضائح تكفي لإعدام وزارة كاملة بمسؤوليها، وتسحب منه الثقة لكنه لا يعاقب بل يعود كثاني اقوى مرشح لرئاسة مجلس النواب الذي طرده من منصبه! 
كيف حدث كل هذا، إن كان لدينا “جيش باسل” نقي القيادة ولو بالحد الأدنى؟ كيف ان لم تكن قيادات الجيش حتى قمة الهرم مخترقة وخانعة بشكل تام؟ وإن كان الأمر كذلك، فما العجب في ان تكون هذه قد عينت العملاء من الذين تفرضهم عليها اميركا في اعلى المناصب القيادية؟ اليس العجب اكثر ان يكون هناك بعض القادة الشرفاء؟ لننزل عن خيولنا العالية ونعترف بالحقيقة المرة المخجلة، ولنمتنع على الأقل عن المشاركة في تزييف الواقع بفخر فارغ، لعلنا نفهم ونستطيع ان نغير ونبني ما نفخر به مستقبلا. 
.
2- لم تكن الأدلة على ما يحدث قليلة ليعرف الشعب الحقيقة. بل أن الشعب العراقي يكاد يكون محظوظا لكثرة الحقائق التي كشفتها الصدف، وبعض الشرفاء من الباحثين. فكشفت تقارير غربية حقائق مذهلة عن مرحلة بناء الأمريكان للقوات المسلحة العراقية واستخدامهم ارذل الإرهابيين المتدربين في أميركا الجنوبية، وكيف مارسوا التعذيب في سجون سرية خاصة(0). وكان أشهرهم، الشخصية السايكوباثية جيمس ستيل، بطل المهمات القذرة ضد الثائرين على الحكومات التي نصبتها اميركا في فيتنام وأميركا الوسطى والجنوبية، وتنظيم المؤامرات في السلفادور ونيكاراغوا والمتورط بفضيحة إيران – كونترا لإسقاط الرئيس المنتخب أورتيغا. 
وبين كل من البروفسور مايكل شوسودوفسكي وماكس فولر، أن نوعية الأشخاص الذين استدعتهم الإدارة الأمريكية تشير إلى نيتها تأسيس وتثبيت الإرهاب في العراق. وتدل تلك القائمة بشكل قاطع على النوايا الحقيقية لأميركا بالنسبة لمستقبل علاقتها بالعراق. وأكدا أن “تشكيل وتدريب كتائب الإرهاب في كل من العراق وسورية (صمما) على غرار “الخيار السلفادوري”، لفرق للموت كانت ترعاها الولايات المتحدة في أمريكا الوسطى، والتي قتلت 75,000 شخصاً”. 
.
من هؤلاء، اختارت اميركا كأول سفير لها في العراق، جون نيكروبونتي، مؤسس الإرهاب في اميركا الوسطى، وهو رجل تمت إدانته في اميركا وأفلت بعفو رئاسي، وهو مطارد من قبل الناشطين حيثما تم تعيينه! 

وسرعان ما جاءت مذابح بهرز وغيرها لتؤكد بشكل ناصع صحة ودقة هذه التقارير عن الأجهزة الإرهابية التي تم غرسها في أجهزة الأمن الحكومية(1). وكان من مهامها أن ترهب السنة على انها قوات “شيعية” وبذلك تهيء الجو لقبولهم لداعش! وأكدت ذلك داعش بكل حقائقها وفضائحها كفريق إرهاب امريكي، يمر تحت نظر الطائرات الامريكية فلا تضرب أحدا منه. بل كشف تقرير رسمي نيابي عراقي أن القوات الأمريكية دعمت داعش وضربت العراقيين أكثر من مرة.

هذا هو وضع العراق الذي كانت اميركا تسيطر على قواته المسلحة تماما، وكان لها إمكانيات كبيرة في تحديد قادتها، فأي نوع من القادة تفضل اميركا في رأيكم؟
.
3- الضباط البعثيون والأكراد، ولأسباب مختلفة، هم الأسهل إقناعاً للتعاون مع أمريكا وإسرائيل لتحطيم العراق. البعثيون الكبار الذين بقوا في زمن صدام، مجموعة من عديمي الضمير المستعدين لتنفيذ جرائم سيدهم، وليس عليهم سوى أن يذعنوا لسيدهم الجديد. أما البيشمركه، ولأسباب تاريخية ولسلطة إسرائيل في كردستان خلال العقود الماضية، أمكن غسل أدمغتها لتعتبر العرب أعداءها وتحطيم العراق هدفاً لها. لذلك كان تجنيد المخربين في كردستان عملا سهلا، ومطلقاً من كل قيد. 
.
4- فاضل جميل برواري رجل بيشمركه قاتل فيها منذ صغره عام 1980 وحتى اختاره الاحتلال الأمريكي ليلتحق بالجيش العراقي عام 2004 ويصل إلى قيادة قوات العمليات الخاصة التي أنشأها الأمريكان ودربها مستشارون خاصون ومسلحة بأسلحة أمريكية خاصة…شارك برواري في العمليات الأمريكية في الفلوجة والنجف عام 2004 وكذلك في سامراء والمدائن. وفي عام 2007 قاد فرق العمليات الخاصة وشارك بعد ذلك في صولة الفرسان في البصرة والموصل وديالى ومدينة الصدر وغيرها من العمليات العسكرية. 
تشكل جهاز مكافحة الإرهاب (الفرقة الذهبية) بقرار من مجلس الوزراء عام 2008 وارتبط بمكتب رئيس الحكومة نوري المالكي وضم أكثر من عشرة ألاف جندي، وكان يتألف من وحدات قادرة على مكافحة التمرد من ضمنها قيادة العمليات الخاصة.
ولاحظ العراقيون بشكل عام أن الإعلام سلط كمية غير معتادة من الضوء وبشكل غير مسبوق على اللواء فاضل برواري قائد “الفرقة الذهبية”. ويذكرنا ذلك بالضوء الإعلامي الذي سبق أن سلط على المشبوه الآخر اللواء قاسم عطا، وهو أمر ليس معتاداً بالنسبة للقادة العسكريين في العالم. فظهر كثيراً في الصور والأفلام على قنوات الإعلام المختلفة وعلى تويتر تجد “عاشقة فاضل برواري”!
.
ومن أغرب الحملات الإعلامية التي اكسبت برواري قبولا شديدا بين العرب، حملة إعلامية تؤكد تخلي حزب مسعود البرزاني عن برواري وطرده من الحزب والتبرؤ منه بعبارات قاسية، وانه صار مجرد ضابط في جيش المالكي الخ(2)
.
ورغم كثرة ما نشر وانتشر، لم يشر أحد إلى تلك “التصريحات والتصرفات والأعمال” التي دفعت إلى “التبرؤ”، بل كان الإعلام يقدم بدلاً من ذلك جرداً بالعمليات العسكرية التي شارك فيها برواري في الماضي، في الفلوجة والنجف وسامراء والمدائن وصولة الفرسان في البصرة والموصل وديالى ومدينة الصدر وغيرها، وكلها تشير إلى أن من كتبها يتقصد مدح برواري رغم انه يتظاهر بذمه. 
لم يكن هناك تفسير لذلك – كما كتبت في حينها إلا انها محاولة لاستغلال كراهية العرب لمسعود، من أجل تسويق برواري، على أساس انه طرده. وبالفعل سقط الكثيرون في الفخ، حتى رأينا النائب حنان الفتلاوي تعلن أن “تبرؤ (الديمقراطي) الكردستاني من برواري “البطل” وصمة عار في جبين الحزب”، وأنه “فخر لكل عراقي شريف” و أن “التاريخ سيلعن كل الخونة والعنصريين الذين تلذذوا بجراح العراقيين” (3).
وفي حملة أخرى لتقديمه كبطل يحارب أعداء العراق نقرأ عن “اصابة قائد الفرقة الذهبية في العراق «فاضل برواري» بنيران قناص من تنظيم “داعش” الإرهابي (4) ليعود هو فيكذب الخبر الخ. ويهدد برواري بشكل مسرحي، ليس فقط “القاعدة”، وإنما أيضاً السعودية وبطريقة تستغل العواطف الطائفية بشكل مفضوح فيقول: “إذا هاجمت مقدساتنا في كربلاء”، فـ “سنصلي صلاة الظهر في البقيع”! الخ من العبارات التي يبدو انها مازالت تجد بسطاءاً تنطلي عليهم. 
.
(ملاحظة: هذا هو الجزء الأول من مقالة من جزئين. في الجزء الثاني سنتحدث عن فضيحة كنيسة سيدة النجاة التي فضحت حقيقة اللواء فاضل برواري وعلاقته بالإرهاب

21 أيلول 2018