هل لأميركا مشكلة مع الإسلام؟

أ.د. محمد الدعمي

لهذا السبب، فإن لنا أن نتكهن بأن بواكير الفكرة الأميركية حول الإسلام لم تزد على كونها “استعارة” لذاكرة ثقافية من التراث الأوروبي الأساس، ذلك أن التواريخ الاستشراقية والمؤلفات الشعبية نصف الأسطورية (من نوع ألف ليلة وليلة)، من بين سواها قد أسهمت في اتقاد الخيال الأميركي الرومانسي وفي تغذيته بأفكار غير واقعية حقيقية عن العالم الإسلامي…

لا يمكن لأي استحضار لتاريخ تورخة الإسلام في الغرب ولتطور الفكرة الأميركية عن المسلمين في الثقافة الأميركية الشائعة إلَّا وأن يتوقف عند محطات مهمة ومثيرة للتساؤل.

فإذا ما اتفق المرء مع مؤرخي الأفكار على أن معظم الآراء الأميركية في الإسلام بدت “مستنسخة” من الآراء الأوروبية التي جاءت مع المهاجرين الأوروبيين الأوائل إلى أميركا بصفة “إرث ثقافي” جاهز، فإن علينا رصد ومباشرة ما تبع من المراحل المبكرة لتشكيل ولايات الجمهورية الأميركية الفتية من تحويرات حيال طرائق التفكير والتعامل مع المسلمين والعرب بخاصة.

بيد أن واحدة من أكثر الحقائق التاريخية مدعاة للملاحظة (رغم عدم المعرفة بها من قبل غالبية المسلمين، والأميركيين كذلك، على حد سواء) تتمثل هذه الحقيقة في أن أول “تاريخ” كتب في أميركا عن الإسلام، بعنوان (حياة محمد)، كان من تأليف رجل دين اسمه “جورج بوش” وذلك عام 1830. ولست أدري على نحو الدقة ما إذا كان هذا المؤرخ ينتمي إلى نفس عائلة آل بوش التي حكمت أميركا لعقود؛ بيد أن الذي أعرفه بتيقن هو أن هذا التاريخ لم يزد على ترديد للتمثيلات الملتوية والخاطئة التي أوردها واحد من أشهر المستشرقين الأوروبيين الذين أرّخوا للإسلام في أوروبا وهو “همفري بريدو” الذي شحن تاريخه بكل ما وقعتا عينه عليه من الأفكار الجاهزة والخاطئة التي شكلتها أوروبا ضد الإسلام كإجراء طارئ دفاعي واحترازي حيال الفتوحات الإسلامية التي بقيت أوروبا تلك العصر الوسيط تتعرض إليها على الجبهتين الشرقية (تركيا وبلغاريا وهنغاريا) والغربية (إسبانيا وصقلية) المقابلة للعالم الإسلامي. بل إن الباحثة الأميركية المهمة “دوروثي فنكلشتاين” تذهب حد الاعتقاد بأن ما كان متاحا من كتابات ومؤلفات وتواريخ عن الإسلام في أميركا القرن التاسع عشر إنما كان في جوهره من معطيات الاستشراق الأوروبي.
لهذا السبب، فإن لنا أن نتكهن بأن بواكير الفكرة الأميركية حول الإسلام لم تزد على كونها “استعارة” لذاكرة ثقافية من التراث الأوروبي الأساس، ذلك أن التواريخ الاستشراقية والمؤلفات الشعبية نصف الأسطورية (من نوع ألف ليلة وليلة)، من بين سواها قد أسهمت في اتقاد الخيال الأميركي الرومانسي وفي تغذيته بأفكار غير واقعية حقيقية عن العالم الإسلامي، الأمر الذي يفسر ما شابها من التصويرات الخرافية التي ازدحمت وتزدحم بها النتاجات الثقافية الأميركية حول العالم العربي ـ الإسلامي، ابتداءً من السينما وأفلام الصور المتحركة وانتهاءً بالرواية والشعر والفنون الأخرى، كالرسم والنحت.
ولكن العقل الأميركي الذي يرنو دائما إلى التفرد وإلى تطوير هوية خاصة به، هوية ثقافية منفصلة متعالية حتى على الإرث الأوروبي (باعتبار فكرة تفوق “العالم الجديد”)، دأب على رسم وابتكار صورة “أميركية” متفردة مستقلة حيال العرب والمسلمين والإسلام عامة، صورة كان يفترض لها أن تتجاوز الإرث الأوروبي، قاطعة جذوره. ولهذا الغرض راح كبار الأدباء ومشكّلي الرأي العام يتعاملون مع الإسلام وتاريخه وحضارته بطرائق تختلف عما سبق وتنأى بنفسها عن “الأفكار الجاهزة” التي وردت مع “الرواد الأوائل”، أي المهاجرين القادمين من أوروبا. لقد برزت لدى الكتّاب والشعراء الأميركان الأوائل ظاهرة “تأنيث” الشرق العربي الإسلامي باعتباره فضاءً سكونيا ومغريا خاويا يطفو منفلتا من الزمن على بحر متلاطم من الملذات والأقدار واللاجدوى، الأمر الذي يفسر إبراز صور “الحريم” وتعدد الزوجات واقتناء الجواري في عالم يزدحم بالخرافات والشخصيات الأسطورية ومصابيح علاء الدين وبساط الريح والعبيد والقيان من بين سواها من “اللازمات” المتاحة في أغلب الأدبيات الثقافية (وحتى السياسية) التي باشرت الحياة العربية وتعاملت مع المسلمين وتراثهم على نحو منحاز. وقد وجد هؤلاء في أعمدة التكنولوجيا والصناعة والعسكريتارية الأميركية عنصرا “ذكريا”، يدفع بقوة نحو “اختراق” الشرق المؤنث السكوني المحجب، السالب والمستكين. هذا، في حقيقة الأمر، هو ما شكّل أهم ملامح أفكار غزو الشرق المؤنث المستضعف بذكورية الصناعة وبقوة السلاح والمال.
ولفكرة تأنيث الشرق المشحونة بالخيلاء والتعالي الذي شاب الثقافة الأميركية الشائعة أصول تعود إلى القرن التاسع عشر وما قبله كذلك. فقد بقي الشعور وسواسيا يفيد بأن أميركا إنما تمثل “العالم الجديد”، وبأن الإنسان الأميركي إنما يمثل “الإنسان الألفي الجديد”، ذلك الإنسان المنزّه من بقايا وبراثن “العالم القديم” (آسيا، إفريقيا، أوروبا).

وقد دفعت هذه الأفكار المتعالية العقل الأميركي إلى النظر للشرق وأديانه وتراثه وثقافاته، بوصفها بقايا طللية لا تستحق سوى المعاينة النوستالجية في المتاحف التي تجمع غبار الزمن. ثمة مناسبة طريفة أخرى تجسد هذا الشعور الملحاح بأنهم إنما يمثلون عالما جديدا أعلى مرتبة من العالم القديم، وهي مناسبة عقد “برلمان الأديان” التاريخية. عقد هذا “البرلمان” عام 1883، على هامش “معرض شيكاغو التجاري الدولي”، وقد تم استقدام عدد من كبار رجال الدين من الأديان “الشرقية” (من بوذيين وهندوس ومسيحيين وزرادشتيين وكونفشيوسيين، من بين سواهم) على طريق عقد “مناظرات” عقائدية على الملأ، أي أمام الجمهور الأميركي الذي ينبغي أن “يراقب” و”ينتقي” أو يمرر تقييمات معيارية! ولكن حتى في “مهرجان” الأديان هذا، كان الإسلام عصيا على الإرادة الأميركية وعلى الاستجابة لمثل هذه الطريقة “الدونية” في عرض واستعراض الأديان، إذ رفض السلطان العثماني آنذاك ابتعاث رجل دين مسلم ليمثل الإسلام في هذه “المهزلة”، حسبما رآها السلطان. لهذا السبب، ومن أجل أن لا يكون الإسلام غائبا عن “البرلمان” اضطر أول مسلم أميركي “الكساندر رسل ويب” (سمي بـ”محمد ويب”، فيما بعد) لأن يمثل الإسلام في هذه المناظرات المنسية، ولكن الخطيرة والمشحونة بالدلالات.

2018-09-22