..إنه نصر الله
علي إبراهيم مطر

فجأة يرن الهاتف يرفع القائد سماعته، يصل إلى مسامعه صوت رجل يتحدث بكل احترام وخشوع دون أن يخفي حماسته، سيدي تمت العملية بنجاح رجالاكم نفذوا المهمة، يصعد القائد المنبر ويخطب فيزلزل عرش الطغاة، إنها المقاومة وإنه نصر الله. هذا الكلام وإن كان تشبيها إلا أن القاعدة الحقيقية هي أن هذا القائد المنقطع النظير يرهق الأعداء ويرعبهم في كل خطاب ومعادلة يسطرها مع أبنائه رجال المقاومة.
بعد الإجتياح الجيش الصهيوني للبنان، وإطلاق أول طلقة عليه، بدأت “إسرائيل” تأخذ حذرها من وجود قوة تسعى لمواجهتها. لم يكن التوازن قائماً حينها، ومعادلات الردع لم تأخذ مداها، بيد أن ثلة من المؤمنين بخيار مقاومة الإحتلال أرادوا أن يغيروا مقولة “العين لا تقاتل مخرز” ويوما تلو أخر صنعوا المعادلات، وكسرت معادلة الخانعين لتصبح قوة لبنان في مقاومته.
تحت ضربات هذه المقاومة انسحبت قوات الاحتلال، من بيروت، وهكذا مرت السنوات وكبرت المقاومة، وبدأت المعادلات من العمليات النوعية إلى صواريخ الكاتيوشا وأسر الجنود الإسرائيليين، حتى أتى الانتصار الكبير وتحرر لبنان عام 2000، أُذل الصهاينة وطردوا من جنوب لبنان، وهكذا كانت المقاومة السباقة دائماً بفضل رجال – ما عرفوا الملل والكلل منهم من قدم دمه فداءاً لهذه المسيرة ومنهم من تحمل الجراحات – ترسم رسم معادلة قوة لبنان في مقاومته.
شكل عدوان تموز/ يوليو 2006 نقطة فاصلة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، لم يتوقع الإسرائيليون ومن يدعمهم بأن هناك من سيدوس على جبروتهم، إلا أن عزيمة رجال أعاروا لله جماجمهم، جعلتهم يعطون للعالم دروساً في إرادة القتال والاستشهاد وتسطير ملاحم البطولة لصنع تاريخ جديد ليس في لبنان فحسب إنما في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
نصر من الله
هؤلاء الرجال كان لهم قادة هم من العظماء الذين أسسوا مدارس العزة والكرامة منهم من استشهد ومنهم من يترصده العدو حتى اليوم، وكما أن لكل أمة وشعب ملهم كان ملهم هؤلاء الأبطال – الذي أثبت الدهر إخلاصه وصبره وتحمله وصموده وشجاعته وإقدامه وإيمانه، لينطبق عليه القول إن لله رجال إذا اردوا أراد – رجل نصر الله فنصره، هو سيد المعادلات، من حيفا إلى “تل ابيب” إلى مطار بن غوريون.
مقولة الأمين العام لحزب الله الأخيرة في يوم العاشر من المحرم أشعلت كيان العدو. لم يبق أحد من رأس الهرم في الكيان وربما إلى أصغر القادة إلا واستنفر أو تحدث عن الصواريخ الدقيقة، قالها السيد نصر الله ” انتهى الامر وباتت المقاومة تملك من الصواريخ الدقيقة وغير الدقيقة. حاول بنيامين نتنياهو أن يرد عليه، فظهر بموقف ضعيفاً جداً، وكشف كيف أن “إسرائيل” تتهيب فعلاً أي مواجهة مع المقاومة، فعندما قال نتنياهو موجهاً كلامه للسيد نصر الله “لو اعتدى علينا فسيتلقى ضربة ساحقة، تفوق كل تصوراته”، عكس عجز كيانه عن شن حرب على لبنان ومدى التخوف في القيادة الاسرائيلية من أي عمل عسكري هجومي للمقاومة.
وسائل إعلام العدو انشغلت بخطاب سماحة السيد حسن نصر الله، المحللون الصهاينة تقاطعوا في التأكيد على ضرورة الأخذ بالحسبان أن حزب الله ينجح في نقل جزء من السلاح إلى جنوب لبنان، وقد أشار بعضهم الى أن الرسالة التي أراد الأمين العام لحزب الله إيصالها هي أن حزب الله مستعدّ للحرب مع “إسرائيل” اذا ما تطلّب الامر ذلك، بالرغم من وجوده في سوريا والوضع الداخلي اللبناني.
هكذا أصبحت المعادلة الجديدة، التي بات فيها الكيان الإسرائيلي باكمله تحت نيران المقاومة بشكل أكثر دقة. فالرسالة وصلت إلى الجيش الصهيوني بأن ما قبل الصواريخ الدقيقة ليس كما بعدها، معادلة تؤكد تعاظم قوة المقاومة وإرادتها على الانتصار. وهنا نقطع بأن الحرب السورية التي ظن البعض أنها أرهقت حزب الله، أعطت الحزب دفعاً أكبر للمواجهة وخبرة واسعة جداً في الوسائل المتنوعة لأي منازلة عسكرية وأمنية وحتى لوجستية وهذا ايضاً تحدث عنه الكثير من المحللين الإسرائيليين.
وفي مقابل تعاظم القوة، فإن فشل العدو ظهر جلياً بعد خطاب سماحة السيد، ليصبح الردع الإسرائيلي أكثر هشاشةً من ذي قبل، فبدأ البحث في كيان العدو عن التصورات القادمة للحرب وهل أن حزب الله سيكتفي في الدفاع أم أنه سيفتح صواريخه على الجبهة الإسرائيلية دون أي سابق إنذار. هذه الحالة التي يعيشها الإسرائيليون اليوم تؤكد أن العملية تمت بنجاح وأن نصر الله ثابت قادم آت ليزلزل “اسرائيل” سواء في الدفاع أم في الهجوم.

2018-09-22