ريثما تسعفنا السخرية


ابراهيم البهرزي
لا بأس أن تأخذ السخرية جولة في كل مأتم عراقي ، هذا ما يستطيعه شعب أسقط في يديهِ كما يقال !
فالثورة فعل مستتر عند العراقيين ( اتحدى عراقيا ان يذكرني بثورة حقيقية واحدة خارج حضيرة الأشعار والحماسات البلاغية !) ما يتوفر في مزادات التاريخ ليس اكثر من انتفاضات عابرة تترسخ في البال بفضل شهدائها المغدورين لا اكثر ، فقد كانت القوة العسكرية المنظمة هي التي تحسم في الأخير كل إرادة ، محلية وشعبية كانت هذه الإرادة ، أم خارجية إقليمية او دولية ، وفِي الحالين فان الامر يجير بالتالي لصالح حزب اوعقيدة ما تركب موجة الانتفاضة لتأخذنا صوب بحار من الاهوال !
في إطار السخرية المتعلقة بالمأتم العراقي الأخير لم نوفَّق حتى في إدارة هذه الجولة ، ويبدو اننا ، كشعب اسقط في يديه تماما، على وشك ان نفقد قيمة آخر أشكال مقاومتنا المتاحة : السخرية !
أحدق منذ أمس في سياق السخرية الاخيرة كما أحدق في سخريات سبقتها فوجدتها أخطأت هي الاخرى بوصلتها شأنها شأن كل أمل عراقي منشود ..
صارت السخرية عندنا ظاهرة صوتية هي الاخرى ، كيف لا وهي قد تخلت عن كل عناصر البؤس الاخرى التي تشكل زاد السخريات المرة واكتفت بالسخرية من اسم او لقب !
في اخلاقيات السخرية التي مارستها وتمارسها الشعوب التي تعيش محناً لا تملك ازاءها غير ان تسخر، يكون معيبا السخرية من الاسم او الشكل ، فتلك ثيمات يمكن اسقاطها على الجميع من قبل الجميع !
حيث يمكن بكل بساطة ان تسخر من أنبل الناس مشتغلا على اسمه او شكله مهما كان هذا الاسم او الشكل محصنا من العيوب او المآخذ ، فاللغة واسعة والخيال خصب ويمكن ان تجد في وجه النبي يوسف ( في المسلسل الإيراني اقصد!) ما يمنحك مدخلا للسخرية مع جمهور ملهوف للضحك على المفارقات ..
على كل حال ، أقول من منطلق الخوف على خسارة اخر أسلحة المقاومة التي تبقت لنا ، سخريتنا ، أقول اننا قد اخطأنا التصويب هذه المرة ، فلا اسم الانسان ولا عمره يصلح ان يكون اداة جيدة للسخرية
لقد تركنا نظاما سياسيا كل ما فيه مهزلة سافرة وتشبثنا بمفارقة الاسم دون ان نفطن الى ان هناك في الموروث الروحي للجميع من الأسماء مايمكن من جعلها هزأةً وفق طريقة التلاعب التي تمت مع الاسم المذكور !
لم لا ؟!
أسماؤنا والقابنا جميعا وبلا استثناء يمكن ان تكون ميدانا خصبا للسخرية وفق السياق الذي جرى منذ أمس مثلا ..
في كوميديات اريستوفانيس ، وهي اقدم نص مكتوب في السخرية ، كان المؤلف الإغريقي وهو ينقل مشاعر شعبه الساخرة ينقب في السلوكيات المنحرفة لمن يسخر منهم وفِي طبيعة النظم الاجتماعية والسياسية التي تجعل من الجاهل في مقام الحكيم ، والتافه في مقام النبيل وغير المناسب للمكان المناسب ، وكان يقيم المزادات في الاسواق العامة لبيع كبار ساسة ونبلاء البلد كاسمال بالية ،وهذا هو عين ما يحدث عندنا في ظل نظم اجرائية فاسدة وضعت بالمجمل ( وليس شخصا بعينه ) كل التافهين والعاطلين عن المنفعة والفاقدين للهيبة والضمير والمحتالين والسراق في مقام الحاكمين المتنفذين والحكماء الضالعين وأولي النهي والنُهى !
ولَم يقم مثقفونا الساخرون مزاد البيع لحد الان …
الصورة بمجملها تنضح بكل ماهو ساخر حد الوجع
نظام انتخابي كاريكاتوري مؤطر بدستور مشخلع تديره عقول مشخبطة تستقوي بآليا تروج ملها وسائل مستنكحة وتمنحها الشرعية مؤسسات مستنقعية تنقنق فيها ضفادع مستقحبة..
كل البنية القائمة تبول على اخمصها من شدةًالسخرية
وما وجدنا غير الحل .. بوسي او ال hole pussy كما يترجمها البعض !
رغم كل المفارقة الطريفة في ترجمة الاسم الا ان الحق ان كل البنى التي يقوم عليها النظام السياسي ، كلها بلا استثناء ، وكل شواغلها منذ بدايتها حتى الان لم تكن غير Whore pussy بكل معنى الكلمة ودلالاتها ..
فإلى ذلك نسترعي الانتباه

‎2018-‎09-‎16