للتذكير والحوار….
2- عن الماركسية

أحمد الناصري
الماركسية نظرية إنسانية متقدمة، اعتمدت وارتبطت بالعلوم الطبيعية والاجتماعية الحديثة، واستجابت لفراغ معرفي هام جداً في حياة البشر طرحته التطورات والتحولات الاجتماعية الهائلة بعد الثورة الصناعية ونشوء الرأسمالية، وأحدثت انقلابا كبيراً وحاسماً في العقل الإنساني ونظرته لمصالحه ومتطلباته الأساسية في العيش الإنساني الطبيعي بالقضاء على الاستغلال بكل اشكاله ودرجاته، وساهمت في طرح مفاهيم فلسفية واقتصادية واجتماعية جديدة لم تكن معروفة من قبل، وخاضت صراعاً متصلاً من داخلها ومع الخارج للتمسك بجوهرها ومحتواها الطبقي الإنساني الواضح، وتعرضت إلى تشوهات داخلية وخارجية كبيرة لا زالت مستمرة إلى الآن. وأحد الأسباب الرئيسية لهذه الصراعات والخلافات هو موقف الماركسية الإنساني العميق من الاستغلال، باعتباره المشكلة الرئيسية التي تواجه الإنسان، ومن الإنسان كقيمة رائعة ومحاولة الارتقاء بمصيره وتغير مستقبله، وهو موقف جديد ومتقدم من هذه المشكلة التاريخية التي رافقت البشرية منذ بداية تقسيم العمل، وظهور التباين الطبقي، والصراع الطبقي، وأشكاله وإشكالاته وتفاصيله المروعة، حيث لم تتعرض أو تعالج أية نظرية أخرى بنفس الطريقة التي عالجت بها الماركسية هذه الإشكالية الكونية، رغم قيام العديد من الحركات والمحاولات الجادة والكبيرة في كل تاريخ البشرية والصراع بين الخير والشر. والماركسية من نتاج عقل الإنسان في عصر الحداثة العالمية، التي جاءت بعد مرحلة النهضة الأوربية وعصر الأنوار، الذي أسس لظهور الرأسمالية.
خاضت الماركسية تجارب نظرية وعملية كثيرة، وحققت الماركسية الكلاسيكية خاصة نجاحات كبيرة، وقفزات في تشخيص وتحديد مسار التاريخ العام، ومحاولة تفسير وتغير العالم، وهددت الرأسمالية والاستغلال في الصميم، هذان الصنوان البشعان، وكادت أن تطيح بهما، وشخصت بدقة عالية المشاكل الرهيبة التي عايشتها الطبقة العاملة وعموم الكادحين والمستغلين والشعوب التي كانت تعاني من الاستعمار، وأعطت حلولاً متقدمة للمشاكل التي كانت تمر بها المجتمعات الصناعية، ومرحلتها المتقدمة الإمبريالية وآلياتها في التوسع، وكانت القطب الرئيسي في الحراك الاجتماعي العالمي، وقامت حركات وثورات ماركسية ناجزة وفاشلة حول العالم، وتبلور ما أصطلح عليه بالثورة العالمية ، بأشكالها وأساليبها المتنوعة والمتبدلة.
استطاعت الحركات الماركسية والعمالية والاشتراكية، المساهمة والتأثير في وعي ونضال الشعوب في أوربا وحول العالم، وهي تساهم في توفير الأجوبة الحيوية عن أسئلة الحياة والواقع، وبرزت أسماء كثيرة وكبيرة، ساهمت في تطوير الماركسية والمعارف النظرية في جميع المجالات، وأضافت لها إضافات نوعية هامة، كما ساهمت الماركسية أيضاً في الثقافة والأدب والفن.
الماركسية تعتبر الفكر انعكاس واضح أو غامض لواقع معقد ومتغير وغير مفتوح دائماً، وبما إن هذا الواقع متغير ومتحول، فيبدو من البديهي أن الوعي الاجتماعي متغير ومتحول أيضاً، ولا يوجد شيء لا يتجاوزه الزمن المتحرك، خاصة في زمن التحولات السريعة والخاطفة، العلمية والاجتماعية والثقافية الجارية حالياً.
لذلك فأن كل هذه الحقائق والمسلمات لا تجعلنا نطمأن إلى النظرية الماركسية تلقائياً، أو نعتقد بأنها نظرية متكاملة لا يأتيها النقصان والخطأ من ورائها أو من أمامها، أو نعتبرها مادة مقدسة صالحة لكل زمان ومكان، غير قابلة للنقاش، أولا يمكن نقدها أو نقد بعض مفاهيمها التي تتجاوزها الحياة ويتخطاها الواقع المتحرك والمتحول، الذي يشكل المصدر الرئيسي لكل معارفنا.
وبما أن جوهر الماركسية هو الجدل والتطور الديالكتيكي، والاستخدام الفعال لمنهج النقد، فإنها النظرية التي تنقد نفسها من الداخل، وتقوم بهذه العملية داخلياً، لكن ليس ميكانيكاً، وتخوض الجدل مع المحيط الخارجي، وهي النظرية التي تستطيع كشف عيوبها، والعمل على تجاوزها، لذلك فإنها تحتاج إلى أمكانية وقدرة ذاتية متعينة خارقة ومتجددة، مثلما فعلت الماركسية الكلاسيكية في طرح كم هائل من المفاهيم والمقولات الجديدة والضرورية والفعالة وقامت بالعديد من المراجعات المتصلة الجزئية.
بعد هذه المقدمة الإيجابية المصورة للماركسية، ما الذي جرى لهذه النظرية الخلاقة؟ ما هي الأجزاء والمفاهيم التي شاخت وتيبست في شجرة الماركسية الوارفة؟ وما الذي تبقى منها صالحاً حتى زمننا الراهن وللمستقبل خاصة؟ ما الذي تغير وتبدل في الحياة والواقع؟ هل تستطيع الماركسية تجاوز نواقصها وأخطاءها القديمة والجديدة؟ هل تستطيع الإجابة على الأسئلة الجديدة الكبيرة التي تطرحها الحياة؟ هذه أسئلة رئيسية يطرحها الواقع على الماركسية، وهي جزء من أسئلة كثيرة مطروحة اليوم، مثلما كانت مطروحة بالأمس وعلى المستقبل أيضاً، لكنها أسئلة ظلت معلقة في هواء التجربة وفراغاتها ومتونها، دون إجابات شافية اليوم، مما كرس المشاكل وساهم في استمرارها.
مع بروز الأتمتة الصناعية، راح عدد من المنظرين الرأسماليين، يتحدثون عن حصول فراغ في تسلسل العقل والمنطق الماركسيين، وأن الماركسية فقدت أو سوف تفقد أحد أسسها الرئيسية التي تعمتد عليها، وهي وجود طبقة عاملة واسعة، تعاني من الاضطهاد والاستغلال الطبقي، مما يستدعي تنظيمها لتقود التغير الاجتماعي، بواسطة الحزب الخاص، والمبني على أسس جديدة، وهو من طراز جديد أيضاً. كيف نستطيع مناقشة هذه الفكرة؟ أولاً يجب الاعتراف أن تغيراً بنيوياً كبيراً في شكل وحجم ودور الطبقة العاملة قد حصل، والمصنع الذي كان يديره خمسين ألف عامل يمكن أن يديره الآن خمسة آلاف عامل أو حتى ألفين وخمسمائة عامل فني وأداري! لكن الماركسية تحدثت عن استغلال واضطهاد للإنسان، فهل غيرت الأتمتة أو الثورة المعلوماتية الراهنة من جوهر الاستغلال؟ ربما خففته جسدياً مثلاً؟ هل عدد سكان الأرض في زيادة أم في نقصان، وأين تذهب الأعداد الجديدة إلى صف الأغنياء أم إلى صفوف الفقراء الطويلة؟ وهل التطورات العلمية ستخلق مجتمع العدالة والمساواة والرفاهية، أتوماتيكياً أو تاريخياً؟ هل تنطبق هذه التطورات على كل سكان العالم، أم أن هناك شعوب ودول وأطراف كبيرة وكثيرة لم تدخل إلى المرحلة الصناعية البدائية أو المتوسطة؟ ألم تخلق قضية التطورات العلمية الهائلة والسريعة مشكلة للرأسمالية قبل الماركسية بهذا الفائض الرهيب من البشر العاطلين عن العمل، والجياع والمهمشين، وتتكاثر أمراض وإفرازات وأزمات الرأسمالية، بينما تزداد ثروة الأغنياء بالدقائق واللحظات؟ ألم تقسم الثورة المعلوماتية العالم إلى عالمين، أحدهما متطور جداً والآخر متخلف جداً يقبع في آخر درجات الانحطاط والغيبوبة والتبعية، ولم يدخل التاريخ بعد من حيث المساهمة المعرفية والمشاركة في صناعة الحياة؟ وهذا ما يخلق ما يمكن تسميته بالصراع الاجتماعي العالمي والحياتي، لتصحيح هذا الاختلال الجدي. صحيح أن الوزن النوعي والكمي للطبقة العاملة قد تغير تماماً، لكنها لم تختف بعد من الوجود الاجتماعي، ومن ثم التأثير السياسي، بينما ظهرت فئات جديدة تحمل نفس المشاكل والآلام التي تسببها الرأسمالية، وتحمل نفس التطلعات والأحلام في عالم آخر دون تمايز وجور واستغلال، يمكن أن تتوجه إليها الحركات الماركسية اليوم. إن جوهر المشكلة الكونية والتاريخية، في الاستغلال ومحاولة إلغائه لم تتغير بعد حتى هذه اللحظة من عمر البشرية، فلذلك ستبقى الاشتراكية هدف وحلم يتطلع إليه الناس!
من المتغيرات الهامة والكبيرة هو ما حصل في عقل وآليات تسيير الرأسمالية وتحديثها، وأشكال العلاقات الجديدة، ومنها العولمة مثلاً، التي لم تعد مطابقة للشكل الذي تحدثت عنه الماركسية الكلاسيكية، وهنا ينبغي دراسة هذه المتغيرات للتعرف عليها وعلى كيفية التعامل معها.
لقد تعرضت الماركسية إلى تخريب بالغ من داخلها، من خلال التجارب الخاطئة التي أنجزت، وخاصة تجربة المدرسة الماركسية السوفيتية وتوابعها، لقد ابتعدت هذه التجربة عن روح الماركسية وجوهرها العلمي المتطور، واستبدلتها بمجموعة نصوص جامدة متقطعة وانتقائية، وكليشهات جاهزة، بينما يردد الأتباع ما يأمر وينطق به المركز، دون مراجعة أو مقاربة مع الواقع المحدد والمقصود.
علينا إعادة قراءة الماركسية من جديد في ضوء التطورات الهائلة الجارية في عالمنا، قراءة جديدة عبر المقاربة مع الواقع، وليس بواسطة نصوص مترجمة، كما على الماركسية إعادة قراءة الواقع من جديد والتعرف على متطلباته، بعد تجاوز هذه الانقطاعات المريرة التي عاشتها الماركسية على جميع الأصعدة، وهذا يحتاج إلى جهد عالمي مشترك.
على الماركسية أن تعيد قراءة ونقد كل أجزاءها الأساسية والثانوية، وأن تتخلص من كل الشوائب والعوالق والتخريفات التي رافقت هذه التجربة العبقرية، وأن تنفتح على الحياة من جديد، لتعود إليها حيويتها وقدرتها الخاصة على التجاوز والخلق والمبادرة.
يجب أن تكون عودة الماركسية الى التاريخ، عودة معرفية فكرية ثقافية، وليس بالطريقة التي حصلت في بداية انتشارها وخاصة في بلداننا العربية مثلاً، حيث كان الانتماء لهذه الفكرة عاطفياً في الغالب أو حسب الموضة الشائعة والمنتشرة، وليس انتماء عقلياً مستقلاُ، وهذه مشكلة تطبيقية كبيرة عانت منها الحركات الماركسية، بدرجات مختلفة، ولأسباب متعددة ومختلفة أيضاً.
لا تزال الرأسمالية في مأزق إنساني، ومأزق أخلاقي، بصدد الإنسان ووجوده ومستقبله، رغم استمرارها وانتصارها الظاهر، وعدم وجود تجارب ماركسية واسعة وناجحة، فأن الرأسمالية لم تتجاوز ما طرحته الماركسية في جوهرها نظرياً، فلا مستقبل تاريخي وكوني للنيوليبرالية ولرأسمالية البوارج.
بالنسبة لتجربتنا اليسارية، العربية والعراقية، فلها مشاكلها الخاصة الكثيرة، وأزماتها الدورية، التي دفعت بها إلى الضعف والتهميش والانعزال، نتيجة لأخطاء كبيرة متكررة وضعف فكري وتنظيمي وسياسي متكرر، وعلى المحاولات التي تجري اليوم لاستعادة دور اليسار الوطني العراقي، أن تدرس التجربة السابقة من جميع جوانبها، بما لها وما عليها، ثم توفر الشروط الأساسية لنهوض هذا المشروع الهام، وينبغي أن تكون شروط فكرية وسياسية وتنظيم واضحة وجديدة، تتناسب مع التطورات الجارية في بلادنا، وتتصدى للمشاكل القائمة اليوم، وخاصة مشكلة الاحتلال والإرهاب والطائفية والفساد، في ظل خراب اجتماعي وأخلاقي عام، عبر طرح برنامج يساري وطني آخر يساهم في لحلة الأزمة الوطنية التي يمر بها بلدنا، عبر العمل الفكري والسياسي والجماهيري الدءوب والطويل النفس.
‎2018-‎09-‎04