لماذا لا تُناصر المرأةُ… المرأةَ؟!

 

أمل الحارثي

“المرأة عدوّة المرأة”، جملة لا تبدو غريبة على كلّ مَن يعمل في مجال حقوق النساء، فأغلب مَن يتصدَّرْنَ مواجهة المرأة المُطالبة بالحقوق المُستحقَّة هنَّ مِن النساء، جيش مِن المتحفِّزات للمواجهة يتربَّصْنَ بكلّ امرأة تدعو للتغيير أو الاصلاح، أو حتّى تُبدي وجهة نظر مختلفة.

ظاهرة كانت دائمًا تبدو لي غير مفهومة حتّى وقت قريب، حيث التقيْتُ سيّدة مِن أولئك النسوة قبل فترة في عمّان، وكنتُ قد اعتدْتُ منها الهجوم عليَّ وعلى آرائي “المُتحرِّرة” كما كانت تقول في كلّ مرّة أُقابلها، إلّا أنّ هذه المرّة لم تقابلْني بتجهُّم وارتياب، بل استقبلتْني بحرارة، وعبَّرَتْ عن غضبها ممّا آلت إليه ابنتها التي طُلِّقتْ قبل فترة، مستهجنةً ما حصلتْ عليه ابنتها من نفقةٍ للطفل لا تكفي لشراء حفّاظات، “خمسون دينارًا” قالت “ما هذا الظلم؟!”.

لم أستغرب الحكم، فقد تعرّفتُ في عملي على الكثير مِن النساء المُطلّقات اللواتي لم يحصلْنَ على نفقة تكفي لشراء حليب أطفالهنّ، والبعض منهنّ قرَّرْنَ التخلِّي عن حضانة الأولاد لهذا السبب، إذ إنَّ المرأة مضطرّة للعمل؛ للإنفاق على أولادها، وهذا يعني وجود مَن يعتني بالأطفال في غيابها؛ ما يزيد الأمور سوءًا.

هذا ما كُنتُ أُخبر به السّيّدة كلّما التقَيْتُها ولم تكُنْ لتعيرني آذانًا صاغية، بل كانت دائمًا تعطي تبريرات تلوم فيها الضحيّة التي ترى أنّها لو لم تُخطئ لما تطلَّقَتْ وأهانت نفسها _كما كانت تقول_، إلى أنْ أصبحَت ابنتها الضحيّة، فتغيّرت آراؤها فجأة، وأصبحتْ تنظر للأمور مِن زاوية أخرى، فتستمع وتقرأ، وكانتْ كلّما عرفت أكثر، غضبت أكثر.

قصّةٌ ليست بجديدة في عالمنا العربيّ، فالكثير في مجتمعنا ينظر لمشاكل الآخرين نظرة المتفرّج، طالما لم تدقَّ بابه، كما أنّ لأفراده طريقةً غريبة للتعاطي مع مشكلات الآخرين، فالرجل الشابُّ ينظر لقضايا المرأة وَفْقَ مصلحته، فيُسقط الحالة عليه كزوج، ثمّ غالبًا ما يتغيّر عند إنجابه فتاة، حيث يبدأ بالتفكير من زاوية أخرى؛ لذا نجد الكثير من الرجال تتغيّرُ نظرتهم للمرأة بشكل إيجابيّ بعد أنْ تكبر بناتهم.

هذا عن الرجل، ولكنْ لماذا تقفُ المرأة ضدَّ المرأة؟!

هناك عدّة أسباب قد يكون أهمّها سببان: الأوّل هو الزاوية التي ترى فيه المرأة الضحيّة، وفي هذا تتشابه المرأة معَ الرجل، فتجد مثلًا الأمَّ لا تتعاطف معَ المطلّقة حتّى تتزوّج بناتها، كما أنّ رأيها يختلف إنْ نظرت للمطلّقة كأمٍّ أو كحماة.

والسبب الآخر هو ربط كلّ حالة دفاع عن المرأة بمخالفة الدِّين، وكلِّ دعوة للتغيير بأنّها دعوة للخروج عن الدِّين، فتجد المرأة تدافع عن قمع امرأة أُخرى خوفًا على ما تراه مسلّماتٍ لا جدال فيها، وتستمرُّ في الهجوم على كلّ امرأة تُدافع عن الحقوق وتدعو للإنصاف حتّى يطالها الظلم هي شخصيًّا أو أحد أحبّتها، لتبدأ بالتراجع.

تجميل الخطأ وإعطاؤه مبرّرات لن يفيد مجتمعاتنا في شيء، والظلم الواقع على المرأة آثاره تعود على المجتمع ككلّ، فالأمّ التي استطاع زوجها أنْ يتنصّل مِن نفقة ابنه بعلاقاته بحيث لا تحصل على ما يكفي لإرضاع طفلها ستضطرّ للتخلّي عنه، ليتربّى بعيدًا عن أمّه ويحرم من حنانها، بداية لحياة قاسية قد يسلك في آخرها طرقًا ضالّة، فمَن يفقد الحبّ لا يعطِهِ إلّا مَن رحم ربّي.

لهذا فعلى المرأة أنْ تنظر لكلّ امرأة وكأنّها هي، فلا ترضى لها ما لا ترضاه لنفسها، عليها أنْ تُؤازر قضايا النساء العادلة أو على الأقلّ أنْ تنظر لها بعين المستكشف الباحث عن الحقيقة، لا الرافض للتغيير على غير معرفة، فلتقرأ القوانين والتشريعات ولتطَّلع على القضايا المرفوعة في المحاكم ثمّ تنظر للآثار السلبيّة على الأولاد والمجتمع.

سنجد حلًّا لكلّ مشاكلنا عندما نبدأ بالنظر لها من زاوية عادلة، ونضع أنفسنا مكان الضحيّة،عندها فقط سنرى أنّ باب الرحمة واسعٌ، وأنَّ كلَّ ما يجب فعله لإحقاق العدالة محمودٌ ومباركٌ فيه؛ لأنّه عمل بنيّة خالصة وبرغبة الإنصاف، آخذين بعين الاعتبار أن أي تغيير يمنع الظلم ويواكب التغيرات المجتمعية  لا يمكن أن يتعارض مع الشرع فالله خير المُنصفين.

مؤسسة ملتقى المرأة العربية ـ دبي