محاصرة إيران أم محاصرة الذات؟ – الجانب الاقتصادي للحصار
صائب خليل
14 آب 2018
في المقالة السابقة ” موقف العراق من محاصرة ايران – الجانب الأخلاقي”(0) تحدثنا عن الجانب الأخلاقي المعنوي من الخضوع للإملاءات الامريكية ومشاركة توابعها في تنفيذ حصار جديد على شعب جار بريء. لم اتطرق في تلك المقالة الى اية خسائر او أرباح، يدفعها أو يجنيها العراق وبقية البلدان ذات الحكومات التابعة لأميركا نتائج مشاركتهم جرائمها. اردت ان اكشف مقياس الاخلاق، ومقياس الاخلاق لا يعمل بدقة إلا كشيء مبدئي يتخذه المرء قبل ان يحسب أرباحه وخسائره. وفي هذا القياس وجدنا ان المشاركة في هذا الهجوم لا يمكن تبريرها أخلاقيا، وبالتالي هي عمل لا أخلاقي بامتياز! في هذه المقالة سنركز على الجانب المادي من القرار، ربحا وخسارة.

المؤيدون للمشاركة في عملية محاصرة إيران ينقسمون إلى قسمين: الأول يرى أنه الأسلم أن لا يغضب اميركا، والثاني سعيد بالحصار لأنه يعده انتقاماً له من البلد الذي آذاه، كما يرى- وفي الحالتين يرون أن “مصلحة العراق” هي في التعاون مع ذلك الحصار. السؤال الذي نطرحه هنا: هل أن نتائج المشاركة في الحصار إيجابية على العراق وأنها بذلك تفسر او تبرر مخالفة الموقف الأخلاقي؟

الشيء الأول الذي يجب ان ندركه، هو ان أي حصار، هو بطبيعته “حصار متبادل”! فعندما تقطع صادرات وواردات بلد ما منك، فإنك تقطع صادراتك اليه ووارداتك منه! أي انك تقطع مصالحك ذاتها!
هذا هو السبب في رفض الاتحاد الأوروبي – وهو الحليف الأشد والأكثر طاعة للولايات المتحدة – لذلك الحصار، فهو يعلم انه سيحاصر “نفسه” في الحقيقة فيمنعها من الحصول على الغاز الإيراني مثلا، ويمنعها من تصدير صناعتها الى ايران والاستفادة من سوقها. وقد فعل الاتحاد الأوروبي ذلك بالفعل في مقاطعة الغاز الروسي تحت الضغط الأمريكي في الماضي القريب، وحسبت كلفة ذلك على المانيا وحدها بمئات الملايين أن لم يكن ببلايين الدولارات.

وينطبق هذا الامر بشكل أوضح على روسيا التي تتعرض هي الأخرى لمحاولات محاصرة أمريكية، وعلى الصين وهي اكبر مستورد للوقود من إيران. فالصين والاتحاد الأوروبي وكذلك الدول الأخرى مثل الهند، حين يقطعون عن انفسهم الغاز والنفط الإيراني فسوف يضطرون الى شرائها بسعر أعلى من مكان آخر. وينطبق هذا الأمر على العراق وبقية الدول بالتأكيد.

ونلاحظ ان دول الـ خمسة زائد واحد، وقفت كلها ضد الحصار باستثناء الولايات المتحدة طبعاً (فرنسا، بريطانيا، الصين وروسيا، زائدا المانيا). وكما ذكرنا في المقالة السابقة كان موقف الاتحاد الأوروبي شديد الوضوح والحدة، وتصرف بالفعل وكأن الحصار يستهدفه هو، فلم يكتف بإعلان عدم مشاركته ولا وضعه تحديدات على شركاته لتلتزم به، بل العكس تماما، فأعلن ان إجراءات رادعة ستتخذ بحق أية شركة أوروبية تشارك في الحصار الأمريكي!

من جانبها اعتبرت روسيا أن اية إجراءات عقابية ضدها ستعتبر “اعلان حرب اقتصادية”، وهدد ميدفيديف بإجراءات اقتصادية وسياسية مضادة إضافة الى اية إجراءات أخرى ضرورية ضد الولايات المتحدة، فلماذا لا تلتزم بالحصار بدلا من كل ذلك؟ لأنها تفهم ان الحصار هو حصار عليها أيضا، وأنه بحد ذاته نوع من الحرب الاقتصادية على بلدها، وهذا ما يدركه كل من رفض المشاركة.

ألا تحاصر اميركا نفسها بذلك؟
لا شك ان الفارق الكبير بين حجم الولايات المتحدة وايران يعمل في صالح الأولى، ورغم ذلك، كتب احد الصحفيين المعروفين، مقالاً تحت عنوان ساخر: “لتذهب فرص العمل إلى الجحيم، المهم أن نخنق إيران!”ـ بين فيه ان الحصار الغى الكثير من المشاريع الكبيرة الممكنة ومنها صفقة بيع 210 طائرة نفاثة تجارية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بما قيمته بين 40 إلى 50 مليار دولار، بدون حساب الملحقات من قطع غيار وتدريب الخ. فالحصار تسبب في فقدان عشرات الألاف من فرص العمل في اميركا وأوروبا.

ما هو السر في اقدام اميركا على هذه الخطوة إذن؟
لننتبه هنا انه رغم ان الديمقراطيين والجمهوريين يكرهون ايران على السواء، إلا أن هذا الحصار تطلب الإتيان بمثل ترمب رئيسا للولايات المتحدة، مثلما تطلب نقل السفارة الى القدس. إن من وقع الاتفاق النووي كان أيضا رئيسا أمريكيا، فما الذي جرى؟

الحقيقة هي ان ترمب رئيس إسرائيلي اكثر مما هو رئيس امريكي، وهو ومجموعته يعمل بتوجيه إسرائيلي أكثر مما توجهه مصالح اميركا. فلا نستطيع تخيل أي فائدة لأميركا من هذا الحصار وفقدانها للكثير لصالح منافسيها الأوروبيين والروس والصينيين. ولا نستطيع بالمثل ان نتخيل اية فائدة جنتها اميركا من نقل سفارتها إلى القدس، والذي انتهى، رغم التهديد الأمريكي الأشد وقاحة في التاريخ، إلى عزلة أمريكية لم تعرفها من قبل وسخرية من المجتمع الدولي والشعوب.

لقد كانت إسرائيل رافضة منذ البداية لتلك الصفقة الامريكية، وقد لاحظ العديدون ان اللوبي الإسرائيلي قد لعب دورا حاسما في القرار الأمريكي بالحصار. وكان بنيامين نتانياهو قد قال انه دعا ترمب إلى الغاء الصفقة النووية وعقود بوينك مع ايران.

وما الذي سيخسره العراق؟
ينبه عبد الباري عطوان بأن حَجم التبادل التجاري بين العراق وإيران، يقدر بعشرات المليارات من الدولارات سنويا، مُعظَمها وارِدات إيرانيّة رَخيصَة الثَّمن. ويزور الأماكن الشيعيّة المُقدَّسة في النجف وكربلاء حواليّ أربعة ملايين زائِر إيراني سنوياً، ويَدفع هؤلاء 40 دولارًا مُقابَل تصريح الزيارة فقط، ويَدفع كل زائر ألف دولار في المتوسط حسب التقديرات التقريبيّة، وأن اختفاء تلك الواردات قد يُشَكِّل ثُقبًا كبيرًا في المِيزانيّة العِراقيّة، مثلما يشكل اختفاء البضاعة الإيرانية من السوق نقصا حاداً.

ولا ننسى أن ما يقارب 20% من الكهرباء العراقية يولد من الغاز الإيراني، والذي لن يجد العراق بديلا له بسهولة، وبالتأكيد ليس بنفس الثمن ابدا، إن وجد! عندما نضع هذه الحقائق امامنا، سنفهم أننا وافقنا على ان نحاصر انفسنا، بالموافقة على حصار ايران!

هل يمكن ان تكون سياسة الحصار نافعة إذن لأحد؟
يمكن تقسيم تأثير الحصار إلى قسمين: الأول هو فترة تنفيذه، والثاني هو بنتيجتها. والقسم الأول مؤذ لجميع الأطراف على جانبي الحصار بلا شك. أما النتيجة فقد تكون مفيدة أو ضارة. لذلك فإن كانت النتيجة مفيدة بشكل اكبر من ضرر الأول، يمكننا ان نعتبر الحصار “مفيداً”.

لذلك فأن شرط تحقيق اية فائدة من حصار، بدلا من الضرر، هو أن تكون أهدافه موجهة لمصلحتك، وان تكون هذه المصلحة كبيرة تغطي الخسارة في المرحلة الأولى وتزيد عليها. وهذا يعني أنك أنت من يجب أن يقود الحصار لتتمكن من توجيهه حسب مصالحك أولا، ولكي تستطيع ان تنهيه متى ما تحققت تلك المصالح، أو متى ما رأيت ان كلفته عليك زادت عن فائدته المنتظرة.
فهل ينطبق هذا على حصار اميركا لإيران بالنسبة للعراق؟

أولا لا توجد للعراق اية سلطة على الحصار ولن يسأله احد رأيه في الاستمرار به او ايقافه. وثانيا الأهداف من الحصار ليس لها اية علاقة بمصالح العراق ولم تكتب شروطه من أجله! بل يمكننا التأكيد ان الهدف من الحصار هو سحب إيران إلى خندق إسرائيل وهو هدف مضاد للعرب والمسلمين! فالجميع يعلم، انه لو تولت السلطة في ايران جهة توقف دعمها للمقاومة اللبنانية والفلسطينية وطبعت العلاقة مع إسرائيل، فسوف تتوقف العقوبات فوراً، وبغض النظر عن طبيعة علاقة ايران بالعراق او الخليج العربي. بل من المتوقع طبعا أن تكون تلك العلاقات أسوأ، كشرط لرفع الحصار!

ما هي النتائج الأنسب للعراق؟
لنفترض ان الحصار فشل على إيران، وهذا هو الاحتمال الأكبر. فالأداة التي فشلت في العراق ضد صدام، والتي تستهدف اثارة اكبر كمية ممكنة من معاناة الناس بأمل الضغط على حكوماتهم للرضوخ للمطالب الامريكية، وفشلت امام كوبا لأكثر من نصف قرن، هي سياسة محكومة بالفشل خاصة امام ايران، خاصة وان تلك السياسة معروفة بأنها تحطم المجتمعات ولا تضعف أنظمة الحكم.

ما هي نتائج الفشل على العراق؟ أن يكون قد اساء الى علاقته بإيران بشكل كبير، ودون ان يغير النظام في البلد، وبالتالي سيفقد اية فرصة للدعم كان ممكن ان يحصل عليها. خسارة خالصة، وبدون أي مقابل من أي نوع!
أما إن نجح الحصار واسقط الحكومة الإيرانية وجاء بأخرى موالية لأميركا وإسرائيل، بفرض ان هذا ممكن، فإن النتائج على العراق ستكون وبالا حقيقيا! وسيصبح دفع تعويضات الحرب، التي يثير مجرد ذكرها اليوم اشد الغضب عند العراقيين، حقيقة محتملة واقعة، ويدخل العراق نفقا اشد ظلمة من النفق الذي هو اليوم فيه. فما اقره العبادي، وما يهتف له الكثير من الجهلة، ليس فقط عمل لا أخلاقي بجعله العراق هراوة إسرائيلية للضغط على الشعوب، إنما أيضا هو حصار اقتصادي على العراق اكثر من أي بلد آخر، بعد إيران ذاتها!

(0) صائب خليل: موقف العراق من محاصرة ايران – الجانب الأخلاقي
http://www.tellskuf.com/index.php/mq/76753-sg146.html
(1) To Hell With US Jobs, Let’s Get Iran!
http://www.informationclearinghouse.info/50028.htm
(2) U.S. Curbs on Russian Banks Would Be Act Of Economic War – PM
http://www.informationclearinghouse.info/50015.htm
(3) Iran Sanctions Are an Act of War
http://www.informationclearinghouse.info/50012.htm