على باب الله


أبراهيم البهرزي
لماذا يتهالك ( المثقف ) العراقي على أبواب المسؤولين ؟
لماذا يرخص نفسه مستجدياً هباتهم ورضاهم ؟
لماذا يعتقد الأديب او الفنان العراقي انه يستحق من المسؤول صاحب السلطة غير ما تستحقه فئات الشعب الاخرى ؟
فكل أديب او فنان هو مواطن وانسان اولا، يفترض ان يكون لديه تأهيل علمي او عملي يتيح له وظيفة يعيش منها حاله حال بني شعبه ، سواء كان هذا التاهيل باختصاص قريب من ابداعه الفني او الأدبي او من صلبه ، او كان مغايرا لذلك وهو لن يغير من القيمة الإبداعية لإنتاجه في كل الأحوال .
وفقا لذلك فان عليه ان يؤدي عملا ليعيش ، عملا منتجا ً سواء في إطار ملكته الإبداعية او في إطار تأهيله العلمي او العملي …
لماذا يعتقد الكثير من الأدباء والفنانين ان على الدولة ان تمنحهم اكثر مما تمنح سواهم من أهل المهن الاخرى سواء انجزوا شيئا أم لم ينجزوا ، علما ان في الكثير من المهن الاخرى ابداعات وجهود تتجاوز ( ابداع ) الأديب والمثقف العراقي في صيغته الحالية الزائفة
فَلَو قمت بإحصاء لعشرات الألوف من أعضاء الاتحادات والنقابات والجمعيات الفنية والأدبية وعاينت منجزهم الفني والأدبي لوجدت ان ١٠٪؜ بأكثر الأحوال هم ممن يواصلون الإنجاز الفني والأدبي ، وان ١٪؜ من هؤلاء بأكثر الأحوال هم ممن لهم تأثير وصدى عند الرأي العام
ومن الطريف جدا ان هؤلاء القلة غير معنيين بالمسؤول ولا يطرقون الأبواب !
مفهوم الكدية والاستعطاء في الثقافة العراقية أشاعه هؤلاء الذين لا يملكون من الأدب والفن إلا الاسم والصيت ، ظواهر فنية ادبية دون نتاج ادبي او فني
ولأنهم مجرد ظواهر ولاننا مجتمع يتغذى على الشائعات ، ولان النقابات والاتحاد والجمعيات الثقافية عندنا تتشكل من جوقات وشلل ، فقد أتيح لهذه الظواهر ان تتصدر قيادات هذه التشكيلات لتصبح هي واجهاتها ورموزها
غالبا ما اتابع، كقارئ ومشاهد فضولي أمضى عقودا من عمره في متابعة النتاج الفني والأدبي على مختلف مستوياته ، منقبا في الصغير والكبير من أسمائها ، اسماء المرشحين لقيادات هذه النقابات وابحث عن نتاجهم عبر السنين فأجد ان الكثير منهم دون اَي نتاج أساسي جدير بالتذكر ، بل ان بعضهم يتعكز على ( صدفة ) صدرت عنه بطريق التجربة وظلت هي بيضة الديك التي يباهي بها في ميدان الدجاج الثقافي
لشدة اعتباطية هذا المجال عندنا، اصبح كل عاطل عن التحصيل والتاهيل يجد فرصته وسط جوقات أهل الأدب والفن ، منطلقا برحلته من الحانات والمقاهي وصولا الى الإدارات الثقافية والمهنية
الامر لم يكن بالصعوبة كما رايت عن قرب انطلاقا منذ عقد الثمانينات حيث بدأت تضعف تلك المعايير المتعلقة بالنشر او بقبول العضويات في المنظمات الثقافية والتي بلغت أوجها في التسعينات مع نشوء ( التجمع الثقافي ) المرتبط باللجنة الأولمبية والذي من خلاله تم قبول كل أصدقاء الأدباء والفنانين ، بل وكل من يشرب معهم في الحانات كأعضاء في جسد هذا التجمع وحين حل هذا التج اعدوا كأعضاء أصيلين في المنظمات الثقافية ، والكثير منهم دون اَي نتاج يذكر
اما بعد ٢٠٠٣ فقد تفاقم الامر ليصبح القبول طائفيا وحزبيا ومناطقيا ، كمّاً دون اَي نوع ، فكاتب عمود يتيم او كراسة صغيرة او مشتغل بفرقة فنية فلاحية صار من الممكن بدعم حزبي مع ادعاء نضالي مفبرك ان يكون على قيادة اكبر منظمات البلد الثقافية
وهكذا اصبح العاطل الخالي هو المرخص الغالي كما يقال ، اَي من من لا يملك من خامة الأدب والفن شيئا هو الذي يقرر من يكون أديبا او فنانا او صحفيا ،فتم تحشيد كل العاطلين في نقابات متضخمة تعيد انتاج قياداتها مرارا وتكرارا بفضل هذه العضويات المجانية
وهؤلاء بحشودهم هم أساطين ثقافة الكدية والاستعطاء ،بل هم الذين جعلوا هذه الخصيصة سمة للثقافة العراقية وصاروا يطرقون الأبواب على أشد المسؤولين رثاثة في سبيل ترسيخ مفاهيم الجدية والاستعطاء ، وهي مفاهيم لا تعبر دوما عن الحاجة الحقيقية الفعلية للمساعدة ، فاغلب هؤلاء العاطلين عن قيمة العمل الحقيقي حازوا على وظائف تدر لهم اكبر مما تدر ه رواتب الأطباء والعلماء والمهنيين المحترفين بفضل سياسة الرشى والاحتواء التي صارت تمارسها المؤسسات الثقافية في بلد عديم الرقابة الرسمية والضميرية
الجوعيُّ ليس الجائع ، بل المتمكن من مدعي الجوع ،
والجوعية طبع اخلاقي يتنافى وقيم الثقافة القائمة على الكرامة والكبرياء لانها تقوم على هدر الكرامة وارخاص القيمة
ربما يعاني المثقف المصري واللبناني والسوري والمغاربي اكثر مما يعاني المثقف العراقي ولكننا ماراينا جوقات المثقفين في هذه البلدان تتقاطر على أبواب المسؤولين مستجدية بمنتهى الذلة والخنوع ،ربما لان منظماتهم الثقافية لا زالت تعيش مفهوم كبرياء المثقف وعزة نفسه وإبائها
هل لنا بعد ذلك ان نتساءل عن أسباب رخص المثقف العراقي ؟
من المؤكد ان تساؤلا او خطابا كهذا لن يرضي المنتفعين من ستراتيجية الرخص والاستجداء التي وسمت الجسد الثقافي العراقي ، ولكن عدم الرضا عن شيء لا ينفي وجوده ، فلا يمكن ان نعترف بوجوده واقعا ونخجل من توصيفه !
‎2018-‎08-‎09