هل يكون العراق «آخر» آلام الأمة؟
محمد شريف الجيوسي
مثلما كانت معاهدة «كامب ديفيد» بداية كسر تابو التحريم المعلن والرفض المطلق واستحالة التعامل وطنياً وقومياً وإيمانياً مع الكيان الصهيوني، كان توريط العراق وإيران في حرب ضروس لا مبرّر لها ثم توريط العراق في دخول الكويت في عملية لم يكن مستعداً لها، فكانت المدخل لحصاره بذريعة أنه يهدّد أمن جيرانه، ثم ذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل ما كانت لتتوفر له القدرة على امتلاكها في أعقاب حربين وحصار دولي خانق.
وكان مطلوباً في ظلّ مناخ سياسي مناسب، تمثل باختلال ميزان القوى العالمي جراء انهيار الكتلة الاشتراكية والاتحاد السوفياتي وخروج مصر من معادلة الصراع مع الكيان الصهيوني، ابتلاع المنطقة ابتداء بالعراق باحتلاله عام 2003، وكان ذلك مقدّمة الاختلاف العربي الشامل وضياع التضامن العربي ولو في حدّه الأدنى، متجلياً بالتخلي عن العراق والقبول بسلطة بريمر المندوب السامي الأميركي على العراق.
تبع ذلك شنّ أكثر من حرب إسرائيلية على المقاومتين اللبنانية والفلسطينية وبناء الجدار العازل وتكثيف الاستيطان الصهيوني وتمكين حماس من الانقلاب على سلطة قبلت أن تكون جزءاً منها لتتدثر بها فيبدو انقلابها شرعياً، ثم لتنقلب في ما بعد على محتضنتها سورية، فيبدو خروجها كأنما هو خروج الشرعية الفسطينية «مرغمة» من سورية، ولتبدو مشاركة بعض إرهابيّيها في القتال، إلى جانب العصابات الإرهابية ضدّ سورية بمثابة نزع للصفة اللصيقة بدمشق بأنها الحامية والداعمة والمحتضنة للمقاومة، واستبدالها ظلماً بتهمة النظام الذي يقتل شعبه .
وبالتزامن مع احتلال العراق وقيام سلطة بريمر المعترف بها من جامعة عربية أشبه بـ «الجائحة»، بدأ التحرّش الأميركي بسورية، فقدّم كولن باول شروط بلاده الـ 8 والتي رفضتها دمشق جملة وتفصيلاً وكان من بينها طرد الفصائل الفلسطينية المتمركزة في الأرض السورية، ووقف أيّ مساندة للمقاومة العراقية في وجه الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق، وعملت واشنطن على جعل الخطة السورية الممنهجة للخروج من لبنان، كأنها مرغمة على ذلك.
بعد كلّ ذلك، جاء دور الفوضى الخلاقة ومشروع «الشرق الأوسط الجديد» وما أسمي «الربيع العربي».. تجاوزاً، فكان الاتفاق الأميركي الإخواني على أن يركبوا ويشعلوا ثورات مبرمجة لا تتجاوز قضايا مطلبية وحريات شكلية لا ترتقي إلى معانٍ استراتيجية كالوحدة والتحرير، ولا ترفض النفوذ الغربي الأميركي في المنطقة العربية ولا تتطرّق للاحتلال الصهيوني الإحلالي الاستعماري لفلسطين، بل وتحوّلت بالصراع العربي الصهيوني إلى صراع أسموه عربياً فارسياً وسنياً شيعياً، وجرى استغلال ذلك أبشع استغلال في المشرق العربي بخاصة.
الآن وقد فشلت الثورة المضادة في البلدان العربية التي أشعلت فيها، وتتوجّه هذه البلدان للتعافي، فإنهم يحاولون مجدّداً فتح جبهة إيران باعتبارها صاحبة النفوذ القوي في العراق، والظهير القوي لسورية مع روسيا وظهير المقاومة اللبنانية وبعض الفلسطينية، حيث بدأت أميركا بفرض حصار جديد وتحشيد سياسي وعسكري ضدّها ومحاولات إنشاء ناتو عربي يحمل بذور فشل ذريع . وهو الأمر الذي يتسبّب الآن بأزمة اقتصادية خانقة في إيران والعراق معاً.
الطبقة الحاكمة في العراق باتت عبئاً على إيران وعلى الشعب العراقي بما هي عليه من فساد ظاهر وتذبذب سياسي وغيره، ولا يبدو أنها مؤهّلة لإصلاح ذاتها، أو أنها تتوفر على قدرة لتجاوز أزمتها لضخامة العفن والفساد المتورّطة فيه ولاستهدافها من تركيا الطامعة في الشمال ومن مطامع الأكراد المتنامية والسعودية في الجنوب ومن يقيم هناك من بقايا العهد السابق، فضلاً عن الخلايا النائمة من بقايا داعش، وما تدبّر واشنطن من دواعي العودة مجدّداً إلى العراق، وربما لانشغال إيران في ملفات أخرى، وهي الملفات التي تحاول أميركا وحلفاؤها من الغربيين والرجعيين إدامتها أطول فترة ممكنة، بحيث تنشغل إيران بها عن دورها في العراق، جراء الحصار ولإضعاف دورها فيه وللحيلولة دون المساهمة في إصلاح اختلالاته البنيوية…
ومن هنا يبدو أنّ العراق ليس مقبلاً على التهدئة السريعة موضوعياً، ويرجح انه سيدخل في انتفاضة وربما فوضى ممتدّة زمنياً… قد تعصف بالتركيبة الحاكمة كلياً وبالفساد المعشش فيه وبالنفوذ الخارجي الأميركي تحديداً ، وقد تكون روسيا وسورية مؤهّلتين أكثر من غيرهما لدور مهمّ في العراق بحكم اعتبارات كثيرة بعد أن تكون دمشق قد خرجت من أزمتها وستلحق بهما الصين، وقد تلعب روسيا دوراً واسعاً في تحقيق مصالحات محلية واسعة، ومن المستبعَد إنهاء الوجود الإيراني ولا ينبغي ذلك موضوعياً لاعتبارات مفهومة على أن يتصاحب ذلك مع المصالحات.
السؤال هل سيكون العراق بعد سنوات أخرى من المخاض الأليم، نهاية آلام الأمة بعد أن كان البداية، وهي البداية التي تخللها عقد اتفاقيتي «وادي عربة» و»أوسلو»، بالتزامن مع تجريده من عناصر قوّته وحصار سورية المتمثل بقرار معاقبتها الذي اتخذه الكونغرس الأميركي عندما رفضت تلبية الاشتراطات الأميركية.
سيتعافى العراق بعد مخاضات عسيرة وسيسانده بعض أمته كالجزائر وتونس ولبنان وعُمان. إضافة لسورية… واليمن وليبيا بعد تعافيهما.. إضافة لمن ذكرنا من دول صديقة كإيران وروسيا والصين.
m.sh.jayousi hotmail.co.uk
‎2018-‎08-‎09