دراما الدراما
أبراهيم البهرزي
قرأت خبرا وشاهدت صورا لاحتفالية تقوم بها شبكة الاعلام العراقي بمناسبة حصولها على أموال لتغطية انتاج عدة اعمال درامية عراقية .
لفت انتباهي في هذه الاحتفالية ارتداء بعض المهرجين للبونبون باعتبارهم (فنانين) على مستوى فناني هوليود حين تنافسهم على الأوسكار
لا اريد ان أبخس لمبدع حقه في خلق جو من الكاريزما مما تتطلبه الدعايات لخلق النجوم ، لكن يفوت البعض ان اول مستلزمات الكاريزما هو احترام الذات ، فهل كان مستوى ما قدمه بعض هؤلاء مما شاهدناه من اعمال تهريجية اسقطتهم في عيون المتلقين، حري بخلق شيء من الكاريزما ناهيك عن دافع للاحترام الشخصي ؟
رغم ان المال ضروري لعملية الانتاج الدرامي لكن الأهم من المال نفسه هو كيفية إدارة هذا المال بامانة فهل استطعنا خلق إدارة إنتاجية مهمة ؟
من خلال متابعتي لأسماء المكلفين بالعملية الإنتاجية على تترات الدراما العراقية اكتشفت ان هذه العملية المهمة توكل عادة لأي كان ( ممثل فقدحظه في التمثيل ، موظف اداري في المؤسسة ، مصور ،ماكيير ، سائق كرين … حي الله )
لم نستطع خلق منتج فني مهني وربما معاهدنا واكاديماتنا الفنية لا تتوفر على مثل هذا الاختصاص رغم انه اختصاص أساسي ومهم في معهد السينما العالي في مصر منذ الخمسينات.
وفِي حال كهذا فان المال المخصص للإنتاج مهما بلغ قدره سيتبدد هدرا ان لم نقل نهبا ً
ثمة امر يتم التركيز عليه بإفراط يتلخص في اعتبار الممثل لوحده هو سر نجاح العمل الانتاجي وهذا وهم كبير ، فالممثل اداة ،والأداة تكون جيدة او سيئة لكنها في كل الأحوال ينبغي ان توضع في يد من يجيد اختيارها واستخدامها
بعيدا عن حشود المهرجين والارتيستات اللذين شغلو الفضاء ( الدرامي ) في العقد الأخير لأسباب تتعلق بالفساد الضارب في إطناب البلاد. وهو فساد مركب مالي على اخلاقي على روحي على جنسي !
بالرغم من كل ذلك فنحن نمتلك من خامات الممثلين الأصيلة ما يكفي حاجة عشرات الاعمال الدرامية العراقية ، ولكن بسبب الفساد إياه وبسبب الجوقات والتكتلات الفاسدة التي هيمنت على فضاء الشاشة فقد أبعدت هذه الخامات الأصيلة فمنهم من احترم تاريخه وانسحب لعزلته مكتفيا بتقاعده الشحيح ومنهم من هاجر باحثا عن فرص اخرى للعيش
أشك كثيرا في إمكانية نجاح أية مغامرة إنتاجية دون الاستعانة بهذه الخامات الأصيلة المبعدة ، كما أشك اكثر بوجود نية صادقة لإعادة استقطابها بسبب ضغوط المرتزقة والانتهازيين من فناني الصفقات وخوفهم من عودة هذه الأسماء الأصيلة التي ستكسف سطوعهم الزائف .
ثمة امر مهم لا ادري كيف سيمكن معالجته وهو يتعلق بالورق ( مادة العمل من قصة وسيناريو وحوار ) وبالإخراج ، ورغم شحة كتاب الدراما والمخرجين بشكل عام الا ان حالهم مشابه لحال الممثلين ، فالسيئون والانتهازيون كعملة رديئة طردوا الأسماء القليلة في مجال الكتابة والإخراج ايضا وان كان الاعتماد سيبقى على نفس الجوقة التي اتخمت الشاشة لأكثر من عقد مضى بأعمال ذات انفاس انتقامية طائفية وذات مزاج انعزالي ، فان كل مال الدنيا لن ينتج لنا دراما واحدة يمكن ان تقبل في فضاء الانتشار العربي وهو امر أساسي لكل عمل درامي
وان كان الاعتماد سيظل على نفس المخرجين الذين يديرون الممثل بطريقة الأداء المسرحي المتشنج وهي المصيبة العظمى للاداء الدرامي العراقي ، فإننا لن نتجاوز أزمة الدراما المحلية مطلقا ( اقترح حلا لهذا الأشكال اجبار كل ممثل على أخذ حبة فاليوم قبل التصوير !)
يجب ان لاننسى عدم الاهتمام بخلق كوادر فنية في مجال الصوت والضوء والماكياج والديكور والإكسسوار بشكل لا يحتاج ناقدا متخصصا ليؤشر بؤسه ، فهو بؤس فاضح حقا …
ليس عيبا في هذه المجالات الاستعانة بالخبرات العربية كما فعل الخليجيون حين استعانوا بخبرات عربية مصرية وسورية ومغاربية متميزة ، في الأقل من اجل ان تتدرب كوادرنا المتواضعة على المستجدات والخبرات المتحصلة في هذه المجالات مجتمعة بدءا من السيناريو وصولا لصنع التتر وشارة العمل الدرامي .
في الأخير تبقى مسالة تدخل المتنفذين من غير المختصين في آلية انتاج العمل الدرامي بصفة ( الإشراف العام ) او ماشابه ذلك مسالة معرقلة للابداع ، ففي العمل الدرامي وجود شخص متطفل واحد مفروض في اَي مفصل من مفاصل العمل مهما قلت أهميته يمكن ان يفضي الى خلل يعيب كامل العمل .
لي ملاحظة ( بعد الاخيرة) تتعلق بالأدوار الثانوية والكومبارس حيث لوحظ ان اختيار هؤلاء يتم بطريقة الفزعة او كأن هناك ( مسطرا ) بالقرب من استوديوهات التصوير يستأجر منه المخرج أوبعض مساعديه حاجته منهم ليتم زجهم حيثما تطلب الامر دون خبرة او اختبار .
ان عملية صنع كومبارس متخصص هي عملية شديدة الضرورة ، فمجاميع الكومبارس والأدوار الثانوية قد تشغل في العمل الدرامي مساحة اكثر مما يشغله النجوم وان هفواتهم واخفاقاتهم لا تقل عن هفوات وإخفاقات النجوم ، صغر الممثل او كبر ( اعني دوره ) فان خطأه سيظل صورة ماثلة لا يمكن تلافيها في المونتاج لذا فان مهمة الشروع في إعداد كومبارس ثابت ومتخصص لا تقل في أهميتها عن عملية وجود الكورس المختص في العمل الغنائي .
ويبقى الحلم بدراما عراقية على قدر من الاحترام والإقناع رهينا بوجود قيمين محترفين وموضوعيين بعيدا عن جوقات الاهواء والاعتباط .

 

Ibrahem Al-buhrizys foto.Ibrahem Al-buhrizys foto.Ibrahem Al-buhrizys foto.
Ibrahem Al-buhrizys foto.
 
 
Ibrahem Al-buhrizys foto.

‎2018-‎08-‎08