أم الخرافات: “لا يوجد ما هو أسوأ مما نحن فيه”! – الجزء الأول


صائب خليل
عندما يعيش شعب تحت اعلام معاد ومسيطر تماما، فإنه سيصاب حتماً بتشوش في رؤيته للعالم وستحل بعض “الخرافات” التي يحقنها الإعلام في رأسه، محل الحقائق، خاصة ان كان الإعلام متطوراً وكفوءاً.
الاعلام في العراق اليوم هو الإعلام الذي اسسه الامريكان (والإسرائيليون؟) في العراق بعد الاحتلال، وهو ليس إعلاماً متخلفاً بالتأكيد فهم سادة هذا العلم في العالم. ويبدو لي انه يتكون من دراسات نفسية واجتماعية في شبكة معقدة الطبقات والمراحل. إضافة إلى ذلك فله امكانية فحص تأثير أية حركة إعلامية على المواطنين ومدى قدرتها على اقناعهم. وجميع وسائل التجسس ومراقبة احاديث الناس، تسهم في ذلك بما فيها الاتصالات التلفونية ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل خاص.

بعض هذه الخرافات أساسية ويمكن ان تعد “مولدة لخرافات” أخرى. ولعل اهم تلك الخرافات المولدة هي خرافة أن “لا يوجد أسوأ مما نحن فيه” وبالتالي “لا يمكن ان يتغير الحال نحو أسوأ مما نحن فيه”.. هذه الخرافة لا تدل سوى على خلل في الرؤية ونقص في قراءة التاريخ وعدم إدراك لحقيقة التدهور المستمر بالنزول الى أسفل. وبالتالي هناك الكثير من التدمير مما لا يزال ممكنا، ومازالت مهمة من جاءوا إلى هذا البلد غير مكتملة وهم يسعون بهمة عالية إلى إكمالها.

يمكننا ان نرى آثار الجهود المبذولة لتثبيت هذه الخرافة في شدة تركيز الاعلام في العراق على ان الأمور سيئة جدا جدا، ولا يكاد يكون هناك أي جهد إعلامي معاكس كما هو متوقع، لتبيان وجود بعض نقاط القوة في الوضع، بل ان من يتورط بمثل هذه المحاولة من افراد الحكومة او مجلس النواب، يقمع فوراً من قبل الإعلام ويجعل عبرة لمن اعتبر.

ما اهمية هذه المقولة “الخرافية” للتخريب؟ إن إعطاء انطباع أننا نقف على كومة من التراب ليس فيها ما يستحق ان نقلق على تدميره، صورة تساعد المخربين على إتمام مهمتهم. فعندما يكونون وحدهم القادرين على رؤية الصالح الذي لم يتم تخريبه بعد، فسوف يتاح لهم تخريبه بلا مقاومة. فـ “الصالح” غير موجود في نظر أهله، فكيف تدافع عن شيء لا تراه ولا تعتقد بوجوده؟

الفائدة الثانية لهذه الصورة المزيفة هي أنها تتيح للمخربين أن يأتوا بنظام اشد خراباً، ويقدموه على أنه “افضل مما كان”. ومثال ذلك استبدال المالكي بالعبادي في عملية انقلاب قامت بها السفارة بمساعدة عملائها من قادة الكرد والمجلس الأعلى وغيرهم. المالكي رجل كذاب ومغفل ومهووس بالكرسي، وقد باع الكثير من مصالح شعبه للأمريكان وللصوص كردستان من اجل كرسيه، لكنه رغم ذلك كان يقول “لا” احياناً، عندما يبلغ جشع حكام كردستان مرحلة يخشى منها أن تحطم صورته. وقال أحيانا “لا” حتى للأمريكان، حين لم يوافق على بقاء قواتهم مشروطة بالحصانة، وهذه تحسب له (أو ضده) في أي ميزان متعقل. والميزان الأمريكي متعقل بدون أي شك في مثل هذه الأمور ويحسب كل شيء، أما الميزان الشعبي العراقي فيقرره الاعلام الذي يمسكه الأمريكان، علنا وسراً.

لذلك، ورغم تقديم المالكي التنازلات الكثيرة للأمريكان وقادة كردستان على حساب الشعب العراقي، رأى الأمريكان وتوابعهم من لصوص الكرد، انه من الأفضل (والممكن)، استبداله بمن هو “أسوأ” منه! شخص يطيع الأوامر بلا مناقشة ولا يعرف كلمة “لا”، حتى لو أدت الى تحطيمه هو بالذات.

لكن لكي يمكن تسويق الأسوأ، يجب اولاً تخريب صورة ما هو موجود إلى مستوى أدنى من ذلك الأسوأ نفسه، بتحويله الى رمز للشر والخراب، إلى شيطان رجيم يمتلك كل صفات السوء الممكنة، إلى شيء “لا يمكن ان يأتي ما هو أسوأ منه”! ويجب تركيز هذه الصورة في اللاوعي العاطفي للعراقي بحيث يثير مجرد ذكر اسم “المالكي”، أعصاب المواطن ويفرز الأدرينالين في دمه فيجعله في حالة تمتنع عليه فيها إمكانية التفكير.

وخير مثال على هذه الحالة هو نموذج المواطن الصدري (وإن لم يكن الوحيد بالتأكيد) الذي تم ايصاله الى وضع يستحيل فيه دعوته للتفكير في الامر، وربما يفضل فيه ان يحكمه ترمب نفسه على ان يقبل مجرد احتمال لتوزير المالكي. وكان الصدري الضحية الاسهل في هذا الامر لسببين: الأول هو أنه يكفي ان يعبر مقتدى عن غضبه من المالكي لكي ينهي أي تفكير ممكن به. والثاني هو ان لدى الصدري أسباب منطقية لكره المالكي، وهذا السبب هو صولة الفرسان التي كان المالكي يريد ان يظهر نفسه “جنرالا عبقريا” لا غنى للعراق عنه، أملا في ان يبقى بفضل ذلك حاكما ازليا للعراق الديمقراطي، فكان لا أخلاقيا في جشعه للحكم من جهة، واحمقا كبيرا من الجهة الأخرى.

لقد تمكن الامريكان من إخفاء عورة العبادي الكبرى عن الناس، بشيطنة المالكي، وإيصال الناس الى “التقفيل التام” فيما يتعلق به. لو لم يتم إيصال الصدريين إلى مرحلة اللاعقلانية عند ذكر المالكي، لتمكنوا من ملاحظة بعض الحقائق الملفتة للانتباه، بموقف مقتدى منه. مثلاً ان مقتدى الصدر، تعامل مع المالكي وشارك حكومته بعد صولة الفرسان، ومرت فترة طويلة بلا حتى انتقاد… ثم انقلب مقتدى بدون سابق انذار، وبدون ان يقوم المالكي بأي عمل جديد يستفزه. فكأن مقتدى يختار الوقت، فيتذكر صولة الفرسان فجأة ويصير المالكي شيطانا، كما صارت إيران شيطانا آخر يستحق الـ “بره بره” بحماس أكبر من الموجه لأميركا نفسها (عدا التصريحات الملطفة للتغطية). أسئلة منطقية، لكن الصدريين تم تنويمهم وشحنهم لكي يستحيل عليهم طرح مثل تلك الأسئلة. ولم يكن بقية العراقيين، خاصة السنة، اقرب كثيرا إلى المنطق من الصدريين في هذا الأمر.
هكذا حصل العبادي على تغطية لجرائمه بحق الشعب، وصارت اية دعوة للمراجعة، بل حتى التنبيه الى خطورة ما يفعله العبادي، تتهم بأنها محاولة من “ايتام الولاية الثالثة”، لاعادته الى الحكم!

لأعطيكم مثالا على انقلاب المقاييس، وغسل الدماغ الذي مورس على العراقيين، وكيف تحولت حتى الحسنات الى “جرائم مخلة بالشرف” وصولا إلى فصل الإنسان العراقي عن الواقع. أرجو مشاهدة الفيديو القصير لخطاب العبادي الانتخابي على الرابط التالي أولا ثم العودة إلى المقالة.
https://www.facebook.com/saiebkhalil/videos/1932981233425603/

ربما لاحظتم “الغضب الشديد” للعبادي من عدة نقاط مثل قلة ما تركه المالكي في خزينة الدولة بسبب بذخه (وهو صحيح)، لكن العبادي لم يقل، أو لم يجد نفسه مضطرا ان يقول كم (من الديون الأخطر والأسوأ في العالم) سيترك هو حين يغادر الحكم! ولاحظوا “غضبه الشديد” أيضا على عدم دفع المالكي لـ “مستحقات الشركات” التي يفتخر العبادي بأنه دفعها لاحقاً. فهل سألتم ما هي تلك “المستحقات” وما قصتها؟ اليكم القصة لأنها مثال ناصع لما يمكن للشيطنة ان تخفيه عن العيون.

قصة “مستحقات الشركات” طويلة، ملخصها هو ان كردستان تعاقدت مع شركات اجنبية بدون رضا او علم الحكومة المركزية، ووقعت عقوداً فاسدةً قدمت لترك الشركات ثروة كردستان على طبق من ذهب. والعقود هي عقود “مشاركة انتاج”، ويتوجب وفقها دفع “مستحقات” لتلك الشركات. إلا ان الحكومة رفضت الاعتراف بتلك العقود وتركت كردستان تتصرف بها وهو موقف متخاذل، لكنه اهون بكثير من تخاذل العبادي لاحقا كما سنرى.

في الجزء الأول من مقالة من جزئين، كتبتها عام 2013، اهاجم فيها المالكي وتخاذله أمام كردستان وأميركا، وكانت بعنوان “ثمن الولاية الثالثة للمالكي – 1 نفطنا لنا ونفطكم لكم ولنا” اشرت فيها ان المالكي “صار أسيراً لحب السلطة، وأن القوى الدولية.. وبضمنها كردستان، … راحت تبتزه وتبتز من خلاله العراق كله”. (والآن نأتي على موضوع مخصصات أو مستحقات الشركات).. “نجح التحالف الكردستاني أيضاً في الضغط على الحكومة لإقرار دفع “مستحقات” الشركات غير المرخصة العقود، التي فرضها الإقليم على الحكومة، على أن تقدم كردستان حساباتها للمركز.
طالبت كردستان بأرقام ادعتها كـ “مستحقات شركات”، بدون تقديم الوصولات، واضطرت بغداد بعد ضغوط كثيرة، أن توافق على الدفع مسبقاً بشكل دفعات، على أن تقدم كردستان لاحقاً وصولات كل وجبة تم دفعها (مع شروط أخرى حول الإنتاج) قبل ان تدفع الوجبة التالية. لكن كردستان لم تلتزم لا بتقديم حصتها من النفط ولا قدمت الوصولات. ورغم ذلك دفعت الحكومة على أساس الاتفاق، دفعة من “المستحقات”، التي هي أصلا غير شرعية. واستمر الضغط فدفعت حكومة المالكي دفعة أخرى بدون وصولات، فبلغ مجموعهما مليار و55 مليون دولار، وانتظرت الحكومة وصولاتها ولكن كردستان لم تقدم أية وصولات عن تلك المبالغ، فأوقف ديوان الرقابة الدفعة الثالثة المقررة.

وجاءت لحظة تقرير الميزانية لعام 2013، وكل ميزانية، هي “موسم ابتزاز” كردستاني جديد للحكومة. طالبت كردستان بدفع كامل مبالغ “مستحقات” للشركات، وبدون تقديم أية وصولات!! (طبعا كلمة وصولات لم تكن تظهر في الاعلام ولا حتى حاولت الحكومة ايضاحها للشعب، وكان الحديث فقط عن امتناع بغداد عن دفع “مستحقات”! وكان المتصدي الأساسي لهذا الابتزاز الكردستاني السافر، هو الدكتور حسين الشهرستاني، والذي صار لصوص الكرد يعدونه عدوهم اللدود وقاموا ضده بحملات تشهير إعلامية شرسة. (وبعد اخذ ورد وضغوط وابتزاز اعفيكم من تفاصيلها) تم تخصيص مبلغ 625 مليون دولار من الميزانية لمستحقات الشركات التي تعاقدت معها كردستان، على أن يقدم لها فور تقديمها الوصولات عن الدفعات السابقة. لكن الوصولات لم تأت ابداً، وبقيت “المستحقات” معلقة، حتى جاءوا بالعبادي ليدفعها صاغراً وبدون المطالبة بأي وصل!

هذه قصة “المستحقات” المخزية التي يمتلك هذا الرجل من العار الصلافة ليصرخ متسائلا: “ليش مستحقات الشركات لم تدفع؟؟” والجواب طبعا لأن المالكي رغم ذله، لم يكن بالخنوع اللازم لدفعها، ولكن العبادي كان يتحلى به!
هكذا، وكما نرى، حصلنا على ما هو أسوأ من السابق، ويتكرر ذلك، فنهبط كل مرة من سيء إلى أسوأ، وتنكشف في كل مرة خرافة “أسوأ شيء ممكن” من جديد، لكننا نبقى مصرين عليها!
فبفضل الشيطنة التامة للحاضر، والجو المتوتر المستقطب الذي يعمل على إخفاء أية نقطة إيجابية مهما كانت صغيرة فيه، ورفض النظر الى الحقائق السيئة التي يحملها البديل المستقبلي الذي يقدم على أنه الأمل، فإننا نتيح لأعداء البلد حرية الاختيار لمن يناسبهم، في مشروعهم لتدميرنا، ونحن نعلم انهم يملئون البلد ويتحينون كل الفرص لاستغلالها!

لا يقتصر استعمال خرافة “أسوأ شيء ممكن” على في هذا الجزء تحدثنا عن تطبيق خرافة “أسوأ ما يمكن” لاختيار رئيس الحكومة، وفي الجزء الثاني سنرى تطبيقها ليس على شخص بل على مجموعة قوانين او قرارات، وهي عقود جولات التراخيص التي تمت شيطنتها والمبالغة بشكل شديد في نقاط ضعفها استعدادا لاستبدالها بعقود كارثية ضمن المؤامرة الجارية على النفط العراقي والتي اطلقت مرحلتها النهائية بتمرير مجموعة مشبوهة يقودها النائب عدنان الجنابي وعادل عبد المهدي ومحمد بحر العلوم، لقانون خطير اسمي زوراً بـ “قانون شركة النفط الوطنية”.
‎2018-‎08-‎04