الثاني من آب بين مرحلتين
احمد صبري
“.. وأمام هذا المشهد الذي نتذكره كل عام فإن الانشغال بالماضي وتكريسه سلعة متداولة للحاضر رغم مرور28 عاما على الاجتياح العراقي للكويت لن يصب في مصلحة البلدين، ولا يصب أيضا على إجراءات بناء الثقة وتعزيزها؛ لأنها ستنعكس سلبا على المحاولات الحقيقية لمغادرة تداعيات تلك المرحلة في تاريخ البلدين.”

28 عاما مرت على الاجتياح العراقي للكويت في الثاني من آب ـ أغسطس 1990م، غير أن هذا اليوم وتداعياته على البلدين والمنطقة ما زالت متواصلة رغم المحاولات الجادة للبلدين لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة أساسها الثقة والتعاون المثمر في شتى الميادين.
ومن دون التوقف عند الظروف والأسباب التي أدت إلى الغزو العراقي للكويت، فإن الموقف المسؤول يتطلب مزيدا من إجراءات بناء الثقة بين البلدين وطي هذه الصفحة وتداعياتها على عمق العلاقة الأخوية بين شعبي القطرين الشقيقين.
وما بين الثاني من آب ـ أغسطس 1990 والتاسع من نيسان ـ أبريل 2003 فاصلة زمنية شهدت ارتدادات الاجتياح العراقي للكويت الذي تحمل العراق وحده نتائجه الكارثية، خصوصا الحصار الذي حصد أرواح نحو مليون عراقي على مدى سنواته العجاف، فضلا عن تدمير بنيته التحتية بكل مفاصلها خلال حرب الخليج الثانية عام 1991.
وأصبح الثاني من آب ـ أغسطس 1990 بفعل ما أحدثه تأريخا فاصلا بين مرحلتين ما زلنا نئن تحت وطأته وتداعياته رغم المحاولات الجادة لطي صفحة الماضي، والتطلع إلى المستقبل وبناء الثقة بين العراق والكويت.
فدفع العراق جراء غزوه للكويت فاتورة ذلك اليوم، فتحول بفعل مرحلة ما بعد الثاني من آب بلدا محاصرا معزولا عن العالم لا يقوى على مواجهة قرارات مجلس الأمن التي فرضت الحصار عليه.
وأمام هذا المشهد الذي نتذكره كل عام فإن الانشغال بالماضي وتكريسه سلعة متداولة للحاضر رغم مرور28 عاما على الاجتياح العراقي للكويت لن يصب في مصلحة البلدين، ولا يصب أيضا على إجراءات بناء الثقة وتعزيزها؛ لأنها ستنعكس سلبا على المحاولات الحقيقية لمغادرة تداعيات تلك المرحلة في تاريخ البلدين.
ورغم ما أصاب العراق بعد احتلاله من تدمير أو انهيار الدولة ومؤسساتها ومفاصلها، والفوضى والعنف الطائفي الذي حصد هو الآخر أرواح مئات الآلاف من أبنائه. كما أن الكويت هي أيضا تحملت الأعباء الكبيرة لتداعيات ذلك اليوم، وهذا بتقديرنا يكفي لتضميد الجراح، لا سيما أن العراق قام بتنفيذ جميع القرارات التي ترتبت على غزوه للكويت، لا سيما غلق ملف المفقودين الكويتيين والتعويضات التي دفع معظمها لطمأنة إخوتنا بالكويت حتى يخرج العراق من تداعيات الثاني من آب ـ أغسطس.
إن الموقف المسؤول لمعالجة تركة الثاني من آب يتطلب الإقلاع عن سياسة الانشغال بالماضي وتكريسه سلعة متداولة للحاضر لاستذكار آلام ومآسي ذلك اليوم، وتعرقل أي محاولة مخلصة لتضميد الجراح والخروج من دائرة القلق والخوف والتردد.
ونخلص إلى القول: إن ما يجري في المنطقة والإقليم العربي من استقطاب سياسي وطائفي وأزمات تطلب من البلدين الشقيقين البحث عن المشتركات التي تعزز دورهما، وتسد أية نافذة للإضرار بمستقبل علاقتهما لمواجهة الأخطار المحتملة لتداعيات وارتدادات ما يجري من أجل تحصين بلديهما من أي اختراق جديد قد يطيح بإجراءات بناء الثقة المتواصلة، وتعزيزها بمواقف مسؤولة لحمايتهما من الرياح التي هبت على منطقتنا هي بالأحوال كافة أصبحت بالضد من طموحات شعوبها في الأمن والاستقرار والسلم المجتمعي.
‎2018-‎08-‎03