قانون القومية الإسرائيلي .. بين الواقع و التعاطي الفعلي .
بقلم .. الدكتور حسن مرهج

بداية ، لابد أن نستذكر نص وعد بلفور الشهير، والذي يقول : “إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي ، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين …” ، و بالتالي و انطلاقا من هذا الوعد يمكننا القول بأن الخطورة التي حملها أنه لم يعترف بوجود الشعب الفلسطيني على اعتبار القول ” الطوائف غير اليهودية المقيمة في اسرائيل ” ، من جهة أخرى و حسب استطلاعات للرأي فأنه توجد موافقة مبدئية من قسم كبير جدا من الجمهور العربي على صيغة «الدولة اليهودية والديمقراطية» الصيغة التي ترفضها قيادة هذا الجمهور كما هو معروف رفضا باتا ، و بحسب الاستطلاعات أيضا فأنه 67٪ يرفضون جملة «لإسرائيل حق في أن تعرف نفسها الدولة القومية للشعب اليهودي»: 69٪ من المسلمين، 78٪ من المسيحيين و 53٪ من الدروز.

” أزمات المنطقة العربية و دورها في قانون القومية الاسرائيلي “
لا شك بأن أزمات المنطقة العربية و الحروب المفتعلة بها ، و محاولة تعزيز فكرة الانقسام عبر إقامة كيانات تقوم على اساس قومي أو ديني عرقي ، أعطى دافعا قويا لإسرائيل لإعلان قانون قوميتها ، و في هذا القانون أبعاد تريد اسرائيل فرضها ، فالبعد الديني الذي يجمع تكتلات على اساس روحي يقابل الاساس الديني للدول و التيارات العربية الاسلامية ، كما يهدف هذا القانون إلى إحراج عرب 48 عبر الانصهار في اسرائيل و اخرجهم من أرضهم التاريخية ، و بالتالي ارساء قواعد النموذج الديني للدولة اليهودية ، و هنا يمكن القول بأن الأخطر في هذا القانون إغراء الأقليات الأخرى في المنطقة من التوجه إلى نفس الهدف و إقامة كيانات شبيهة ، و بالتالي قد تحدث صراعات أهلية تزيد حالة الانقسام في المنطقة العربية .
إن الخطأ الذي وقع به مُشرعي هذا القانون ستزيد عزلة اسرائيل ، لا سيما بعد فشل مشروع الشرق الأوسط الجديد ، لكن الخطورة أيضا و المرافقة لهذا الخطأ ، تتمثل في شطب حق العودة للفلسطينيين رغم تقليل السلطة الفلسطينية برئاسة عباس من شأن الطرح المذكور والذي قال :”نحن معترفون بدولة إسرائيل منذ العام 1993، وتكرر هذا الاعتراف أكثر من مرة، ولم يسألنا أحد الاعتراف بيهودية إسرائيل حتى قبل عامين. من وجهة نظرنا يستطيعون أن يسموا أنفسهم ما يريدون”. ولكن أبو مازن تراجع عن موقفه السياسي وأعلن عن رفضه الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية.
في مقابل ذلك يبدو أن ردود الفعل من قبل الشارع العربي في اسرائيل لم تكن على مستوى القانون ، بمعنى و بناء على القانون الجديد كان من المتوقع أن تكون هناك احتجاجات عارمة تؤدي إلى الضغط على مُشرعي القانون لإلغائه او تعديله ، و هذا ما لم يحدث ، و هنا يمكننا القول و انطلاقا من مضمون القانون الرامي إلى فرض يهودية الدولة بأن تبعيات هذا القانون ستكون كارثية ” إن صح التعبير ” على الشارع العربي ، الأمر الذي دفع بالدروز إلى لقاء رئيس الوزراء الاسرائيلي للاعتراض على مضمون القانون ، و أكثر من ذلك ، فقد هدد الدروز في الجيش الإسرائيلي من التخلي عن الخدمة و الاحتياط في الجيش ، و بالتالي هناك الكثير من علامات الاستفهام التي تنطلق من مشروعية الاحتجاجات ضد القانون ، و لكن الصمت و الاستكانة ستكون عنوان المشهد المقبل تجاه هذا القانون .
و من الجدير بالذكر ، أنه على مر السنوات الماضية ، ومنذ بدأ تجنيد العرب في الجيش الإسرائيلي عام 1956، لم يكن هناك أرقام حقيقية حول أعداد الجنود الملتحقين بالجيش، ولكن في عام 2012 أكدت نتائج دراسة بعنوان ” الوجود الإسلامي بالجيش الإسرائيلي ” أعدها مركز ” جافا ” للدراسات الاستراتيجية والسياسية التابع لجامعة ” بار إيلان ” الإسرائيلية أن أعداد العرب بلغت 12 ألف عربي مسلم في صفوف الجيش الإسرائيلي، بينهم 1120 مصريًا ، ولقد انعكس التمييز ضد العرب عموماً في الجيش، من ناحية المناصب والرواتب، فقط في السنوات الاخيرة بدأت تمارس المساواة تجاه بعض الجنود والضباط العرب الدروز بالأساس في بعض الوحدات العسكرية، لكن هذه المساواة لم تتغلغل إلى داخل القواعد العسكرية، خصوصاً فيما يتعلق بالجنود العرب من غير الدروز ، كما يمكن القول أن فكرة تجنيد الشبان العرب في الجيش الاسرائيلي، وبعد نقاشات طويلة ودراسات عميقة، توصلت القيادة الإسرائيلية إلى قناعة بأن تكون الخدمة إجبارية فقط لأبناء الطائفة العربية الدرزية ، وأما بقية العرب من المسلمين والمسيحيين، فتقرر أن يفتح المجال لهم للتطوع في الخدمة بشكل اختياري.

” اسرائيل و السعي إلى إقامة الدولة اليهودية “
إذ تسعى إسرائيل إلى إقامة الدولة اليهودية الخالصة، ويقضي هذا المخطط بتطهير الداخل الإسرائيلي، أو بمعنى أصح ما تراه “إسرائيل” مجالها المجتمعي الداخلي، من الوجود الفلسطيني المتزايد باطراد ، لما له من انعكاسات خطيرة عليها في المستقبل العاجل والبعيد معاً ، ذلك أن الهدف الرئيسي لهذا المخطط الكبير هو تحصين وتغليب العنصر اليهودي في داخل اسرائيل ، بهذا المعنى ، يبدو جلياً هذا البعد الخطير لمحاولة “إسرائيل” انتزاع موافقة أو تغطية دولية للمضي قدماً في سياسة التوسع الاستيطاني ، في موازاة الممارسات في مواجهة الفلسطينيين في الضفة الغربية، كما في داخل أراضي العام 1948 ، فهي تحاول التنكيل بهم لدفعهم أو دفع المزيد منهم إلى المغادرة بفعل التعديات المتواصلة، وتحت وطأة الضغوط التي تشتد عليهم .
‎2018-‎08-‎02