ياروسلاف هاشيك .. حكاية صعلوك حقيقي
إبراهيم البهرزي
بعض الكتاب لا يمتلك غير حياته الشخصية مادة للكتابة ، وعادة ماتكون حياة ً استثنائية ً فرضتها ظروف خارج إرادة الكاتب احيانا او بارادته الشخصية احيانا اخرى
هذا النوع من الكتاب لا يمكن ان يعرف بأكثر من عمل واحد يسرد فيه تجربته وينتهي كل شيء
قد تكون لديه اعمال اخرى ، غير ان مايبقيه في الذاكرة عملا أساسيا واحدا
من هؤلاء الكاتب التشيكي (ياروسلاف هاشيك ) والذي عرف عالميا ً بعمله الذي اشتهر بعد وفاته قبل بلوغه الأربعين من العمر تحت عنوان ( الجندي الطيب شفيك وما جرى له في الحرب العالمية ) والتي نشرت بثلاثة اجزاء من أصل أربعة. لم يمهله الموت لإكمال الأخير منها ، والتي تترجم احيانا اختصارا تحت عنوان ( يوميات الجندي الطيب شفيك )
ولد هاشيك في براغ عام ١٨٨٣ ورحل فيها ايضا عام ١٩٢٣ ، كان ابنا لمعلم فقير ظل يشرب بلا هوادة حتى موته المبكر تاركا هاشيك وهو في الثالثة عشر من عمره ، كان كسولا جدا في مدرسته وليعيل نفسه اشتغل صبيا عاملا في صيدلية وانتسب لأعدادية تجارية في الوقت نفسه ، كان محبا للتسكع. يمضي عطلاته متسكعا خارج براغ حيث كان يذهب ماشيا الى سلوفاكيا والمجر دون ان يكون في جيبه فلسا واحدا ، معتمدا في عيشه على التسول ومرافقة قوافل الغجر والمحتالين الذين تعلم منهم اغلب عاداته في الخداع والاحتيال
حين أنهى مدرسته التجارية استطاع التوظف في بنك صغير ، لكنه مع اول راتب مضى متسكعا الى سلوفاكيا
تتسم حياته الاولى بطبيعة متمردة ، فقد ساهم طفلا في التظاهرات ضد الألمان وكان يميل لتحطيم زجاج الدوائر الحكومية واشعال النيران في منازل المسؤولين ، والاشتباك لسبب او دون سبب مع الشرطة ما أدى الى قضائه فترات طويلة بين السجن والتوقيف
في العشرين من عمره وجد نفسه عضوا في واحدة من الحركات الفوضوية الناشئة وراح يلقي خطبه في معامل النسيج وفِي المناجم محرضا على الإضرابات. والعصيان وسجل عند المخبرين كعنصر شديد الخطورة
ما غير شيئا من حياته هذه الفترة هو لقاءه مع الصبية ( يارميلا ماييروفا ) التي أحبته وأحبها حبا شديدا ، وقد جوبه حبهما بالرفض الشديد من والديها البورجوازيين بسبب معرفتهما بطبيعة أفكاره المتطرفة. وطريقة عيشه ولبسه اللامبالي
خلال واحدة من مهاجماته للشرطة ألقي القبض عليه وأودع السجن وراح يكتب من سجنه قصائد الحب الى يارميلا ، بعد خروجه من السجن طلب يدها فاشقق والداها عليه واشترطا ان يخضع لفترة تجربة ومراقبة قبل موافقتهما. يثبت فيها تخليه عن بوهيميته وافكاره المتمردة وطريقة عيشه ولباسه والاهتمام بهندامه
ولكنه فشل في الاختبار حيث لم يلبث ان سجن لمرتين خلال هذه الفترة بسبب قيامه بإنزال واحراق إعلام الامبراطورية النمساوية في الساحات العامة
فقرروالدا يارميلا ابعادها عنه والرحيل عن براغ الى ابعد ريف ممكن ، لكنه ظل يلاحقهم في المحطات حتى نفدت نقوده فعاد الى براغ ماشيا عشرات الاميال
وحين وجد عملا في مجلة اسمها ( عالم الحيوان ) ذهب الى والدي يارميلا وأخبرهم انه عمل صحفيا واستقر وتم اختباره لفترة من قبلهم جاهدَ ان يكون فيها ملتزما قدر الإمكان ، حتى اقتنعا به ووافقا على زواجه منها
لم يلبث بعد الزواج ان طرد من المجلة لقيامه بكتابة تحقيقات عن حيوانات فريدة لا وجود لها الا في مخيلته ما تسبب في فضيحة للجريدة المذكورة
وحيث انه لم يكن يطيق الحياة الزوجية المستقرة فقد اختفى مرة وحين عاود الظهور ادعى انه انتحر من فوق جسر المدينة عند بقعة ماء مباركة وانه بعث قديسا بعد غرقه ، الامر الذي اثار بعض الفوضى في الشارع ما استدعى الشرطة لأيداعه فترة ليست بالقصيرة في مستشفى المجانين ، وبعد خروجه من المصحةأسس متجرا لبيع الكلاب اطلق عليه ( معهد علم الكلاب ) واقنع زوجته بمساعدته في المتجر ، غير ان خيالاته والأساطير التي كان يصنعها عن كلابه تسببت له بمشاكل كثيرة مع الزبائن ما أدى به لاغلاق المتجر ، قرر بعدها ان يشتغل بالسياسة فأسس حزبا اسماه ( حزب التقدم المعتدل والسلمي ضمن حدود القانون ) كي يبعد عنه شبهات الفوضوية ورشح نفسه للانتخابات البرلمانية عن الحزب ثم اكتشف ان التبرعات التي كان يجمعها من أنصار الحزب كان يصرفها في الحانة التي يجتمع فيها مع الفوضويين ، وبسبب ذلك تركته يارميلا والتحقت بإبويها بعد ان أنجبت منه طفلا ، كان هجرانها له عاملا لانغماسه مجددا في الحياة البوهيمية فاختفى لمدة طويلة عن كل حضور اجتماعي وكانت الشرطة تبحث عنه دون جدوى حتى عثر عليه في بلدة نائية متقمصا شخصية قديس روسي تحت اسم ٍ حين يقرا بالتشيكية مقلوبا ًيكون معناه (قبّل مؤخرتي ). وخلال التحقيق معه ادعى انه يراقب أنشطة رئاسة الأركان النمساوية فظنوا به جاسوسا روسيا كبيرا قبل ان يكتشفوا بالصدفة انه ليس سوى هاشيك المختفي .
حين اندلعت الحرب العالمية الاولى. تطوع هاشيك وأرسل الى هنغاريا ومن هناك الى الجبهة ،. اكتسب خلال خدمته في الفوج علاقات متعددة مع كبار الضباط من خلال قيامه برواية الطرائف لهم وكتابة القصائد العاطفية لحبيباتهم كما روى ذلك قي كتابه بدقه ، وحين حوصر الفوج وانسحب الضباط والجنود. رفض هو الانسحاب وظل في خندقه حيث ألقى الروس عليه القبض وأودع في معسكرات الأسر القاسية
استطاع خلال وجوده في الأسر من كسب صداقة احد قادة المعسكر وإقناعه بالعمل في مكتبه الخاص ، وحين قام الروس بتشكيل الفيلق التشيكي من التشيك الموجودين في روسيا تطوع معهم وعين مسؤولا عن التوجيه المعنوي للفوج ومقره كييف ومن هناك راح يكتب متملقا النظام القيصري وداعيا الى تنصيب إمبراطور من ال رومانوف لحكم التشيك وراح ينشر دعاياته المناصرة لآل رومانوف والمعادية للبلاشفة
لكن ما ان قامت ثورة أكتوبر البلشفية حتى غادر كييف متوجها الى موسكو وانضم للجيش الأحمر وبعد شهر اصبح عضوا في الحزب البلشفي وصار يؤسس لنفسه موقعا في الحزب فعين سكرتيرا لمكتب الطباعة في محلية الحزب ثم رئيسا للقسم الدولي في الدائرة السياسية للجيش الأحمر الخامس وأكمل دورة في مدرسة الحزب الشيوعي السوفيتي ( كم يذكرني بمحتال شيوعي عراقي صعد نجمه بعد ٢٠٠٣مع فارق القيمة الإبداعية طبعا !)
امتنع بعد هذا الصعود البيروقراطي عن الشراب لأكثر من عامين وتزوج من امرأة روسية ادعى فيما بعد انها سيدة أرستقراطية من أسرة الامير ليفوف
وحين لمع نجمه دعاه الحزب الاشتراكي الديمقراطي التشيكي للعودة الى براغ ، فعاد وبدا بكتابة الافتتاحيات في صحيفة الحزب المركزية ، لكن حنينه ليارميلا لم ينقطع فرفضت ان تشاركه الحياة مع ( الأميرة الروسية ) فعاد مجددا الى حياة الياس والاكاذيب وصناعة الأساطير والعربدة فطرد من الجريدة ولأجل ان يجد مصدرا للعيش قام بكتابة ( يوميات الجندي الطيب شفيك ) وحين أنهى كتابه الاول منها لم يحد ناشرا فغامر بطباعته طباعة رخيصة على حسابه فتلاقفه القرّاء بسبب لغة السخرية والطرافة والتجديف ما جعل ناشرا يوافق على طباعة الأجزاء الاخرى ، فتحصل لديه شيء من المال اشترى فيه منزلا ريفيا سكنه مع ( اميرته الروسية ) غير ان المال دفعه للانغماس مجددا في حياة الصعلكة والعربدة والشرب المتواصل ما لم تعد صحته تحتمل كما السابق فمات قبل إكمال الكتاب الرابع من يومياته ولما يبلغ الأربعين من العمر ولَم يحضر جنازته غير ابنه وزوجتيه وبعض أصدقاءه الفوضويين
اشتهرت اليوميات بعد رحيله وترجمت ملايين النسخ لمعظم لغات العالم حيث اعتبرت كشهادة ساخرة من رجل يواجه غول الحرب بكل سبل الاحتيال من اجل الاحتفاظ بحياته بعيدا عن اكاذيب الحماسة والوطنية والنضال المعروفة عن قصص الحرب الاخرى
لا ادري ماذا نسمي شفيك
محتال
أم صعلوك
أم فيلسوف ؟

أم فيلسوف ؟

Ibrahem Al-buhrizys foto.
2018-07-31