جوليا بطرس، وثقافة السواعِد البَنَادق
أمين أبوراشد
التقييم الثقافي الوطني لحفلتيّ السيدة جوليا بطرس في صور يوميّ 21 و22 تموز، اقترن مع تأريخ عظمة صور وضخامة المعبد الروماني، وجاء التنظيم المُبهِر ليُضفي هالة حضارية تستحضر كل التواريخ، ولو أن تحديد المهرجان في تموز بدا وكأنه جاء بتوقيته الصحيح لمُناضلة لبنانية واجهت بصرختها “غياب شمس الحق”، وواكبت التحرير المُشرِّف عام 2000 والنصر المُكلَّل بالكرامة في تموز 2006، وأسَّست لثقافة السواعِد البنادق التي بلغ عدد حامليها 25 ألفاً، تقاطروا من داخل وخارج لبنان ومن كل أطياف الشعب اللبناني لتلاوة أنشودة “أحبائي” بحناجر تُرنِّم صرخات الشموخ، فيما كانت جوليا ترفع لهم قبضة تُحاكي سواعدهم الواثقة بمن حقق الإنتصارات، وهذه السواعد التي يؤمن أصحابها بديمومة الحاجة الى المقاومة، هي نفسها التي كانت في مارينا الضبية منذ عامين، وزحفت الى صور تحت “شمس تموز الكرامة” لتصدح صرخات النصر على مسمع من الصهيوني الذليل.

للواحد والعشرين من تموز رمزية تُعيدنا الى نفس التاريخ من العام 2006، وللثاني والعشرين منه الرمزية الأكبر:

– في 21 تموز 2006، واصلت قوات الاحتلال نهجها التدميري بالاعتماد على سلاح الجو، ولم توقف قصف مناطق الضاحية الجنوبية، وأمعنت في تدمير المُدمَّر، ومنها مبنى الإعلام المركزي لحزب الله والإدارة المركزية لمؤسسة الشهيد. وفي الجنوب، استمرت سياسة “الأرض المحروقة”، فدمّرت الطائرات ما تبقى من جسور وعبَّارات وطرق رئيسية في النبطية، واستهدفت بالقصف والغارات مؤسسات تعليمية لجأ إليها المواطنون،كما أغارت الطائرات المعادية على المواقع المدنية في بعلبك ولم تسلم المؤسسات التعليمية والاجتماعية أيضاً من العدوان، في الوقت الذي حاولت فيه قوى العدوان التقدُّم باتجاه بلدة مارون الراس فاصطدمت بمواجهة عنيفة من قبل المقاومين الذين كبدوا العدو سبعة قتلى وجرح عشرين من جنوده، إضافة الى تدمير ثلاث دبابات ميركافا..

وفي 21 تموز 2006، جددت كوندوليزا رايس رفضها الدعوات إلى وقف فوري للحرب الإسرائيلية على لبنان، وقالت إن “ما يجري هو آلام مخاض لولادة شرق أوسط جديد”، هذا الشرق الأوسط الجديد، الذي من أجله أحرقت أميركا وعملاؤها بلدان الشرق وهجَّرت وقتلت الملايين من الأبرياء، ووصلت الى تخوم لبنان وهُزمَت بسواعد الجيش والشعب والمقاومة.

– في 22 تموز، كانت الرمزية الأكبر لمهرجان صور، لأن العدو الإسرائيلي أقدم في 22 تموز 2006 عبر طيرانه، الى استهداف وسائل البث والاتصال، حيث قصفت هوائيات إرسال تلفزيون “المؤسسة اللبنانية للارسال” وأعمدة إرسال لتلفزيون “المستقبل” وتلفزيون “لبنان” ومحطات إذاعية، فضلاً عن أعمدة بث للهواتف الخليوية في تربل شمال لبنان، وذلك في محاولة لقطع أي وسيلة اتصال يمكن استخدامها للتواصل بين اللبنانيين.
حصل كل هذا في 22 تموز 2006، في الوقت الذي تواصلت فيه المواجهات البطولية التي خاضها رجال المقاومة في القرى الحدودية، وردُّوا على قصف مارون الراس بأن أمطروا بصواريخهم المستعمرات الصهيونية: افيفيم، ونهاريا، وعالوت، وشومرة، وكرمائيل، وطبريا وصفد.

هذه هي الرمزية التمُّوزية لمهرجان صور، أن تصدح حناجر اللبنانيين على أرض الجنوب كرامة انتصارات، في نفس اليوم الذي حاولت فيه إسرائيل تدمير وخنق هوائيات الإرسال والتواصل عام 2006، وهذه هي سواعد اللبنانيين ترتفع تحية للمقاومة التي تُجيد توجيه الرسائل الصاروخية، بأن قصف مارون الراس استوجب قصف سبع مناطق إسرائيلية دفعة واحدة.

إننا من مهرجان فني ثقافي جَمَع كل شرائح الشعب اللبناني، نقرأ الوعي الوطني لدى شباب لبنان، خاصة أولائك الذين كانوا أطفالاً يوم التحرير عام 2000 ويافعين عام 2006، وواكبوا عظمة الصمود اللبناني في دحر الإرهاب عام 2017، نتوجَّه الى السيدة جوليا بطرس بتحية الإكبار ونؤكد لها واثقين، أن وطن الإنتصارات لن تغيب عنه بعد اليوم “شمس الحق”، لأننا عرفنا الحق وسلكنا دروبه بقوانا الذاتية، ولن نُورِث أولادنا سوى الحق المرسوم على وجه شمس تموز…
‎2018-‎07-‎30