داعش وزراعة وطنها البديل في فلسطين
د. رائد المصري
بهدوء… فمنذ سنوات ليست بعيدة استولت جبهة النصرة القاعدة في سورية على اللواء 52 في الشمال في إدلب، بالتزامن مع وصول المعارك الى السويداء وارتكبت مجزرة بحقِّ الدروز في بلدة قلب لوزة في إدلب وتبنَّت عملية التنفيذ. هي واقعة ذكَّرت العالم بمجازر العصابات الصهيونية في فلسطين: دير ياسين وكَفَر قاسم، وذكَّرت بوظيفتها الاجتثاثية التهجيرية للشعوب تمهيداً لزراعة أو لصناعة الوطن البديل…

إذن هي ارتكابات يُريدون من خلالها وعبر التحليل النفسي العام الاستسلام والتسليم بأنَّ ما شاهده وتعايش معه أبناء الأمَّة حتى الأمس القريب هو المكتوب والمقدَّر لشعوبها، بتفتيتها وبتدمير الحضارة وإنجازات التاريخ والجغرافيا وإحراق الأرض بمَن فيها وعليها…

هؤلاء هم الأعداء، وهم كذلك أصدقاء «إسرائيل» بالطبع وأعداء مقاومات التحرُّر الوطني والقومي، يريدون لمصافي تكرير النفط ولطرق عبور أنابيب الغاز ولمصبَّاتها، ومعها يريدون لشبكات سكك الحديد وللأوتوسترادات أن تعبر من طنجة وتونس وبنغازي إلی اللاذقية والإسكندرون والموصل والبصرة، وأن تمرَّ وتلتقي بفلسطين المُغتصبة، ويُريدون لأموال العرب أن تُتْقِن فنَّها في القتْل وتستمرَّ في صناعة سَيَلان الدماء وإنتاج القبور في سورية والعراق واليمن وليبيا وفلسطين حتی تقوم فيها أنظمة تُعلن ولاءاتها بالذلِّ وبالعلن للصهاينة ولمشاريعهم الإلغائية. فقتلوا في كلِّ عواصم الوطن العربي كلَّ الأمل، وبعدها جاؤوا بداعش والنصرة استكمالاً لحروب الموروث التاريخي والديني والقبلي العربي المجبولة بها هذه الأمة التعيسة…

يراهنون ويدفعون العرب بأغلبيتهم وبوعيهم الجَمْعي لملاقاة دينيس روس بكلِّ حوامله وأثقاله وطروحاته اليهودية، ومعه جاريد كوشنر وثُلةٌ من شباب مبعوثي ثيودور هيرتزل الجُدد إلی المنطقة، ويروِّجون للتطبيع مع «إسرائيل»، ولعدم القلق منها، وبضرورة القلق من إيران ومشروعها في المنطقة العربية، لذلك فاضت عبقرياتهم بضرورة إنتاج التحالف بين العرب و»إخوانهم اليهود» لإقامة الناتو العربي ضدَّ ما أسْمُوه الأعداء الفرس والمجوس، الصفويين والرافضة والعَجَم، من دون الإشارة الى السلاجقة العثمانيين.. وإلاَّ فلتسقط وتُذبَح وتُشتَّت منظومة دول المقاومة والممانعة التي هزمتْهم وشكَّلت عِبئاً وثقلاً كبيراً عليهم وعلى حلفائهم…

إنَّها الجريمة الداعشية الجديدة في السويداء التي كَشَفَت عن حجْم الهزائم الكبرى التي تعرّض لها المشروع الاستعماري ومعه الصهاينة الداخليون قبل صهاينة هرتزل، وتُبرز حجم الانتصارات التي حقَّقتها شعوب ودول المنطقة الرافضة للتقسيم ولـ»إسرائيل»، وهو ما دفعهم لتحريك أدواتهم على الأرض عُنفاً وتوحُّشاً في استهدافٍ مُمنهج للمدنيين الآمنين… واليوم أرسلوا داعش الى السويداء بينما هم كانوا قد مارسوا داعشيتهم أفعالاً في فلسطين منذ ثلاثينيات القرن الماضي تحت مسمَّى الهاغاناه والأرغون والبلماخ. فكلنا يتذكّر بالأمس القريب أحْرقوا المناضل الفلسطيني علي الدوابشة في نابلس وقبله أحرقوا المناضل محمد أبو خضر في القدس.. فهل اقتبسوا ذلك من التاريخ العربي القديم؟

ولضرورة المقارنة فقد شنَّت عصابة الأرغون الإرهابية سلسلة من الهجمات بعد الحرب العالمية الثانية راح ضحيتها ما يزيد عن 250 من العرب الفلسطينيين في تلك الفترة في أول عمليات لها، وبعدها كرَّت سُبحة القتل والتهجير والارتكابات المنظَّمة وجرائم العصابات الصهيونية بحقِّ العرب على الطريقة الداعشية:

اقتحمت عصابات الهاغاناه قرية بلدة السيخ ولاحقت المواطنين العزَّل، وذبحوا من النساء والأطفال ما حصيلته نحو 600 شهيد. وُجدت جثث غالبيتهم داخل منازل القرية.

داهمت عصابات الـ «شتيرن» و «الأرغون» و «الهاغاناه» قرية دير ياسين الواقعة غرب مدينة القدس وشرع أفراد العصابات الإسرائيلية بقتل كل مَن وقع في مرمى أسلحتهم.

مجزرة المجدل: في 17/10/1948، وفيها هاجمت كتيبة من منظمة «ليحي» الإرهابية التي يقودها الإرهابي موشي ديان قرية المجدل، وقد أبيدت عائلات بأكملها، وقد أسفرت المجزرة عن مقتل 200 من الشباب والنساء والأطفال.

مجزرة الصفصاف: في 28 تشرين الأول من عام 1948 عبر هجوم مزدوج على القرية سبقه قصف من الطيران دخلوا بعدها وجمعوا الشيوخ والأطفال والنساء واختاروا الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 55 سنة وأوقفوهم في صفوف وبدأوا بإطلاق النار عليهم على مرأى ومسمع أمهاتهم وأولادهم. وقد ارتكب الصهاينة مجزرة رهيبة لا تقلّ عن مجزرة دير ياسين وقبية ونحالين. ذهب ضحيتها أكثر من 70 شهيداً.

مجزرة أسدود: في 28/10/1948 قام فيها صهاينة باحتلال القرية وقتل كل مَن صادفهم فيها اغتيالاً.

مذبحة الدوايمة: في 29 أكتوبر 1948 هاجمت الكتيبة 89 التابعة لمنظمة «ليحي»، وبقيادة موشيه ديان، قرية الدوايمة الواقعة غرب مدينة الخليل وحاصرتها المصفحات الصهيونية من الجهات كافة ودفعت سكانها إلى مغادرة القرية، حيث قام المستوطنون الصهاينة بتفتيش المنازل واحداً واحداً وقتلوا كل مَن وجدوه فيها رجلاً أو امرأة أو طفلاً..

إلاَّ أنَّ أكثر الوقائع فظاعة كان قتل 75 شيخاً مسنّاً لجأوا إلى مسجد القرية في الدوايمة في صباح اليوم التالي وإبادة 35 عائلة فلسطينية كانت في إحدى المغارات تمَّ حصدهم بنيران المدافع الرشاشة.

مذبحة كفر قاسم: في 29 أكتوبر 1956 وعشية العدوان الثلاثي على مصر تولَّت قوة حرس حدود تابعة للجيش الصهيوني تنفيذها. كما قتلوا 12 امرأة كنَّ عائدات من جَمْعِ الزيتون وعلى مدى ساعة ونصف سقط 49 قتيلاً و13 جريحاً هم ضحايا مذبحة كفر قاسم.

مجزرة سَعْسع: في 30/10/1948 قام صهاينة بالهجوم على القرية، حيث كان عدد الشهداء مجهولاً .

مجزرة عيلبون/ طبريا: في 30/10/1948 وفيها احتلّ الجيش الصهيوني عيلبون وجرى جمع سكانها وقتلوا 14 شاباً منهم.

11- مجزرة الحُولة: في 30/10/1948 التي وقعت في قرية الحولة من قبل فرقة «كرميلي» التابعة للعصابات الصهيونية التي احتلت القرية، حيث جمَعَت حوالي 70 فلسطينياً ظلُّوا في القرية وأطلقت عليهم النار.

12- مجزرة عرب السَّمنية: في 30/10/1948 حيث قام جيش العدو بمجزرة في القرية بعد اقتحامها ولم يعرف عدد الشهداء الذين جرى إطلاق النار عليهم فيها.

13- مجزرة صالحة: في 30/10/1948 اقتحمت فيها عصابات الهاغاناه القرية وقاموا بإطلاق النار على كل مَن كان فيها حيث بلغ عدد الشهداء 84 شهيداً .

14- مجزرة الدير والبعثة: في 31/10/1948 وفيها اقتحم الجيش الصهيوني المنطقة وأطلق النار على السكان فيها، حيث بلغ عدد الشهداء فيها أربعة، وبعدها:

قاموا برمي القنابل على المقاهي وعلی الحافلات المدنية في أكثر من منطقة في فلسطين وفي الأسواق الشعبية، وقاموا بتفجير الفنادق في القدس عام 1946 وبتفجير السفارات وبتفخيخ سيارات الإسعاف والطرود البريدية منذ ما قبل العام 1947…

اليوم ليس هناك من داعٍ للاستغراق في التفسير والتحليل والتأويل، فهذا هو السِّياق السياسي والتاريخي المعاصر لداعش الإرهابي والتي كانت تُعرف حينها بالميليشيات الصهيونية… هل داعش والنصرة وأخواتها وكافة مشتقاتها هي مجرَّد أسماء حركية لمنظمات «بلاك ووتر» أو «الخوذ البيضاء» أو لِما يسمُّونه بالثُّوار الجُدد والمراصد الإعلامية التي تُقام في بلاد الغرب والفرنجة؟

مهما كان من خلافات واختلافات ونزاعات وتقسيم وتجزئة وتفتيت وتفكيك وشرذمة… ومهما حالوا: ففلسطين هي القضية وهي الطاقة التي تُدير بها الأمة محرِّكاتها، وهي الأساس في الوعْي القومي والوطني… صوِّبوا بوصلتكم نحوها ووجِّهوا البنادق إلى تل أبيب وما عدا ذلك كلُّه مضيعةٌ للوقت وللجهد وللأعصاب…
‎2018-‎07-‎30
أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية