“الخوذ البيضاء” .. الوجه الآخر

خميس التوبي
على الرغم مما مثله تدخل الدول الكبرى لإخراج عصابة ما يسمى “الخوذ البيضاء” من سوريا من مؤشر على اقتراب الدولة السورية من استعادة عافيتها، والتخلص من أدران مرحلة تآمرية امتدت لأكثر من ثماني سنوات، فإن عدم تسليط الإعلام التابع لتلك الدول (الكبرى) والموالي لها الضوء على عملية الإخراج، والأدوار الخطيرة التي لعبتها هذه العصابة ضد الشعب السوري ودولته بأكملها، لا يخرج عن السياقين العام والخاص اللذين مرت بهما كل التدخلات والأدوار من قبل معسكر التآمر والعدوان، حيث كانت الافتراءات والأكاذيب وأساليب التحريض والتشويه والتحريض، والإرهاب والغلو والتطرف والتدمير هي المرتكز والجوهر.
وبعيدًا عن أي مبالغة، فقد كانت عصابة ما يسمى “الخوذ البيضاء” هي الوجه الآخر لعصابات الإرهاب بقيادة “داعش والنصرة”، من حيث الدعم غير المحدود من قبل القوى المكوِّنة لمعسكر التآمر والعدوان، بمد هذه العصابات بما تحتاجه من عدة وعتاد وسلاح وعقول وخبرات وفنيين في جميع المجالات، مع فارق بسيط هو أن وظيفة تنظيمي “داعش والنصرة” ومن معهما من التنظيمات الإرهابية الأخرى إحداث الصدمة والرعب من خلال الإيغال المفرط في سفك دماء الشعب السوري، وارتكاب مجازر بالجملة، واتباع أبشع أساليب التعذيب والقهر والحرمان والظلم ضد المدنيين وغير المدنيين، على النحو الذي بدا ـ على سبيل المثال ـ مع الطيار الأردني معاذ الكساسبة بوضعه في قفص وحرقه بالنار حيًّا، وبقْر صدر الجندي السوري وأكل قلبه، وقطع رؤوس أطفال ومسيحيين، وصَفِّ المدنيين وهم مقيدون ثم إطلاق النار على رؤوسهم، وغير ذلك من المشاهد المروعة والبشعة، مع أساليب التدمير والتخريب الممنهجة، فتعمل هذه التنظيمات الإرهابية على تصوير مشاهد إجرامها بحق المدنيين والعسكريين بطريقة احترافية وإبداعية لأهداف معروفة من بينها نشر الرعب في صفوف الناس بقصد إخضاعهم وتبعيتهم الطوعية لهذه التنظيمات.
أما وظيفة عصابة ما يسمى “الخوذ البيضاء” فهي الأخطر ليس من حيث مستوى الخبرات والأدوات التقنية العالية التي تدخل في صميم مهامها المسندة إليها فحسب، وإنما من حيث فبركة الجرائم بحق المدنيين تارة وارتكابها تارة أخرى وإخراجها إلى الرأي العام العالمي على أنها من فعل الجيش العربي السوري والحكومة السورية، وكثيرًا ما كان يحصل هذا الجرم لهذه العصابة عند انعقاد جلسة لمجلس الأمن الدولي أو جلسة للجمعية العامة للأمم المتحدة، أو اجتماع خاص بدول ما يسمى “أصدقاء سوريا” أو مؤتمر؛ كمؤتمر جنيف ومؤتمر أستانة، ومؤتمر فيينا وغيرها، وكذلك عند قيام الجيش العربي السوري بعملية عسكرية تستهدف تطهير المدن والمناطق السورية من رجس التنظيمات الإرهابية.
ويتمثل أبرز أدوار عصابة “الخوذ البيضاء” في إعداد مسرح الجريمة، سواء بارتكاب الجريمة حقيقةً أو تمثيلًا باستخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين من الأطفال والنساء، في مناطق عمليات الجيش العربي السوري، وتصوير المشاهد وإخراجها وتقديمها إلى العالم على أنها من صنع الجيش العربي السوري، والهدف من ذلك واضح، وهو عرقلة الجيش العربي السوري وإرباكه والتحريض ضده من جهة، ومن جهة أخرى لتوظيف الجريمة المفتعلة في شن عدوان على الشعب السوري، كما بدا ذلك من خلال مسرحية السلاح الكيماوي في مدينة خان شيخون بمحافظة إدلب والتي ترتب عليها قيام الولايات المتحدة بشن غارات عدوانية على قاعدة الشعيرات، وكذلك من خلال المسرحية الكيماوية في مدينة دوما بالغوطة الشرقية والتي ترتب عليها العدوان الثلاثي الذي قامت به كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
والاحترافية في التصوير والإخراج تمثلت في مساحيق البودرة الشبيهة بالغبار الناتج عن الغارات، والأصباغ الحمراء المشابهة تمامًا للون الدماء والتي استمرأت عصابة “الخوذ البيضاء” تنفيذها، ولكن كما كانت الصور فضَّاحة، كانت الاعترافات السريعة الفاضحة لهذه التمثيليات والمسرحيات الرخيصة، حيث شهادة الطفل السوري، ذي الحادية عشرة من عمره، والذي يدعى حسن دياب، حول مسرحية استخدام السلاح الكيماوي في مدينة دوما كفيلة بتعرية حقيقة عصابة “الخوذ البيضاء” وكشف الأهداف التآمرية للدول التي تقف وراء هذه العصابة. فقد نفى الطفل خلال حديث لقناة “روسيا 24″ تسممه جراء هجوم كيماوي في دوما، كما روى ما جرى معه يوم الحادث. وأوضح حسن أنه ذهب يوم السابع من أبريل برفقة والدته إلى المركز الصحي بعد سماعهما لنداءات بالتوجه إلى أقرب النقاط الطبية، وأكد أن مسعفين رشوه بالماء، وصوروا ما جرى فور وصوله للمستشفى.
أما والد الطفل فقال إن ابنه حصل مقابل مشاركته في تصوير “الهجوم الكيماوي” على “تمر وبسكويت”، مؤكدًا أن حسن كان في حالة صحية جيدة.
وبغض النظر عن الجهة المباشرة التي وراء تكوين هذه العصابة، سواء كانت بريطانيا من خلال ضابط الجيش البريطاني السابق وعميل MI6 جيمس ميسيور، أو تركيا كما جاء في تقارير بشأن هذه العصابة، إلا أنها تبقى إحدى أذرع حلف شمال الأطلسي ذي الطبيعة المعادية والاستعمارية والمستهدفة للدولة السورية، وما يؤكد ذلك هو الحرص الكبير الذي أبدته الدول الكبرى في الحلف للحفاظ على هذه العصابة، والتنسيق مع حليفها الاستراتيجي كيان الاحتلال الإسرائيلي لتهريبهم عن طريقه حتى لا يقعوا في قبضة الجيش العربي السوري، وتفتضح حقيقتهم بصورة أكبر وأجلى عن الثابت عنها الآن، وهو ما يعني أن بينهم ضباطًا وعملاء استخبارات، وبالفعل من يدقق في سحنات وملامح الغالبية منهم سيجد أنها لا تدل على أن أصحابها سوريون.
وفي تقديري أن معركة الجنوب التي بدأها الجيش العربي السوري لتطهير المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيمات الإرهابية هي التي سرَّعت من تحرك حلف شمال الأطلسي لإنقاذ شبكته الاستخبارية والإرهابية المسماة “الخوذ البيضاء” من سوريا، لأنه ستنكشف هوياتهم في حال كانوا مع الإرهابيين الذين استسلموا وطلبوا نقلهم إلى محافظة إدلب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن تمويلهم العالي الذي يقدر بالملايين شهريًّا لم يكن في وسع الدول المشكلة لهذه العصابة الاستمرار في تمويلهم، ولعل عدم تدخل حلف شمال الأطلسي لعرقلة معركة الجنوب السوري للجيش العربي السوري، والتخلي عن دعم التنظيمات الإرهابية هناك، كان أحد دواعيه هو إنقاذ هذه العصابة الخطيرة المسماة “الخوذ البيضاء”.

khamisaltobi@yahoo.com
‎2018-‎07-‎30