درس بوكوفسكي
أبراهيم البهرزي
الجميع كان يرفض كتابات تشارلز بوكوفسكي ، مامن صحيفة تافهة او بائسة الا وردت ما يكتبه واصفة إياه بأسوأ الصفات ، اكثر من ثلاثين عاما وهو يكتب كل ليلة ويسكر كل ليلة. ويُعاشر أية امرأة تصادفه دون حساب للذوق او القيمة ، عجائز ، صبايا ، مشردات ، مومسات ، متعافيات او مريضات لافرق عنده ،فهو كما يقول مرة انه مارد امرأة مطلقا
كان يدرك انه رجل فاشل ، هكذا ظل يعبر عن نفسه ، اضطر للعمل في مكتب بريد ،يقوم بتفريق الرسائل حسب العناوين ، لاشيء غير ذلك ، وما يكسبه كان يصرفه على الكحول او النساء العابرات او القمار إن فاض من حسابه شيء
لا يملك في شقته البائسة غير آلة طباعة قديمة جدا يظل يضرب عليها الليل كله ويسكر ، حتى يجد نفسه في الصباح ممددا على الارض
ثلاثون عاما وهو يعيش هذه الدوامة وما بقيت دار نشر صغيرة او كبيرة ولا صحيفة شهيرة او مغمورة الا وأرسل لها نتاجه الذي كان يرفض مع اشنع عبارات التقزز
مع ذلك لم يبدل طريقته في الكتابة لأجل الحصول على رضا القيمين على الطباعة والنشر
كان لا يستطيع الا ان يكون صادقا مع نفسه في ما يكتب ، صادقا حد الفضيحة واللعنة والتقزز والقرف ، يلعنون الطريقة التي يكتب بها فلا يزداد الا ايمانا بل وعنادا وتماديا في الصدق الفاضح
في حياته الماجنه ، فشله المتواتر ، سبابه واهانته لكل ادعاء وزيف
ظل يقف عاريا تماما تحت الضوء الساطع
حين تجاوز بوكوفسكي الخمسين من العمر غامر ناشر شاب كان قد أسس لتوه دار نشر متواضعة ونشر له رواية أولى كان اسمها ( مكتب البريد ) المكان الذي عمل فيه لثلاثين عاما فانتبه القرّاء له ، عامة القرّاء ، لا النخب ولا النقاد فصار مطلوبا على صعيد شعبي ما اضطر دور النشر و نقادها المأجورين للانتباه اليه ، فقد صار مفيدا بغض النظر عن الاتهام بالبذاءة الذي طالما واجهوه به ، صار جالبا للمال وصارت تطبع الملايين من كتبه
ست روايات وعشرات الاعمال الشعرية والكثير الكثير من المال
ولكن هل تغير بوكوفسكي؟
هل تغيرت طريقة حياته؟
ابدا ٌ !
ظل يعاشر نفس فئات النساء ويقامر مع نفس البائسين ويشرب في اكثر الحانات شعبية
حين واجهوه اولا بالفشل ، آمن بفشله وأصر عليه ، صار يكتب بصدق عن حياته الفاشلة ، وأصر على الصدق وحده ، دون تصنع ولا حذلقات ، كان يعي ان على المرء ان يكتب حياته المتفردة بكل صراحة ، فلا حياة لفرد تشبه حياة فرد اخر
الإبداع ان تكتب حياتك لا حياة الآخرين ،فالآخرون موجودون في تفاصيل حياتك بطريقة ما ان صدقت في الكتابة
كتب بوكوفسكي بصدق عن حياته الفاشلة فنجح
وكتب اخرون بزيف عن حيواتهم الناجحة ففشلوا
وحين لا تجد في نص كاتب حياته الشخصية التي يخاف او يخجل من رسمها في أعماله ، فإنك لن تجد في المقابل شيئا من حياتك او روحك في متن العمل
ولا يقرا الانسان عملا إبداعيا الا ليجد صدى من حياته فيه فيستريح …
ذلك درس بوكوفسكي

 
Ibrahem Al-buhrizys foto.Ibrahem Al-buhrizys foto.
Ibrahem Al-buhrizys foto.Ibrahem Al-buhrizys foto.Ibrahem Al-buhrizys foto.
 
 
 

‎2018-‎07-‎29