التظاهرات التي تتواصل الآن ،هي أنبل ما حدث في العراق منذ ٢٠٠٣

ابراهيم البهرزي
لسبب وحيد هو انها تظاهرات عفوية لافضل لأي حزب او حركة او مجموعة فكرية خلفها ، وهي بذلك لا تمتلك روح الاستعراض والدعاية والنوايا النفعية التي تهيمن على التظاهرات ذات النهج الحزبي والسياسي المحض
هي تظاهرات مطلبية لشباب فقدوا الثقة بالجميع ، والجميع هنا لا تعني غير جميع الأحزاب والتيارات السياسية التي ساهمت في صناعة وإدامة أفشل عملية سياسية مرت في تاريخ العراق المعاصر
اما الحديث عن أحزاب معارضة فهو حديث خرافة للأسف ،لان العملية السياسية بطبيعتها التي رأينا ، لم تكن غير مشروعا نفعيا اندفع الجميع للحصول على مغانمه التي كانت بحق مغانم غير مشروعة سواء كانت بوجهها الرسمي كرواتب وامتيازات خرافية لمناصب ومواقع شكلية يشغلها أشباه أميون من اتباع الأحزاب والاسر الحاكمة ، او كانت بوجهها اللاشرعي من خلال عمليات الفساد والنهب غير المسبوقة.
الذين تظاهروا في الأغلب هم من الشباب الذين كفروا بكل الأحزاب والحركات التي لم تطرح برنامجا حقيقيا واحدا للإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي بقدر ما كانت تدير حملاتها الانتخابية تحت يافطات انشائية ملت الجماهير من تكرارها والتي صار من شبه اليقين لهذه الجماهير أن هذه الأحزاب وجماهيرها لم تعد غير جمعيات نفعية تصبو للحصول على منافع غير مشروعة في إطارات استعراضية يقودها أشباه مثقفين ، ومن المعروف ان شارع المتنبي مثلا والمقاهي الثقافية هي أبعد شوارع البلاد عن خطى فقرائها .
هذه حقيقة قارة قد لا يتقبلها البعض
الأضرار التي حدثت قياسا لحجم الجماهير ومساحة انتشارها وظروف الغضب والمناخ الذي يحيط بذلك هي أضرار ليست بالكبيرة قياسا لما يحدث من حالات متشابهة في أكثر بلدان العالم تحضرا ، فقد يحدث أن تجد بعض اليائسين من ضعاف الوعي وهم يمارسون نزعة تخريبية غاضبة في كل مكان ، وبمعيار عالمي فان هؤلاء الشباب كانوا رغم عفويتهم منضبطين لحدود معقولة ،فلم يؤشر المراقبون وجود فرد واحد مسلح فيها بأبسط أنواع الأسلحة البيضاء، ورد الفعل الرسمي بحسب الصور الواردة كان عنيفا بشكل لا مبرر له غير خوف الفاسدين في السلطة على مغانمهم من الضياع
واجب السلطة الأساس الان هو الاصغاء بجدية لمطالب هؤلاء الشباب وهي في الغالب مطالب خدمية ، والمطلب السياسي فيها هو مطلب اخلاقي بحت يتعلق بمحاسبة كبار السراق الذين تعرفهم السلطة جيدا وأشرت بلسان رئيسها مرارا على تجاوزاتهم ولكن دون اتخاذ اَي فعل حقيقي للمحاسبة
عمليات الفساد الكبرى في كل القطاعات ليست سرا على رئيس الوزراء نفسه ، وكان أقل موقف يمكن اتخاذه لإقناع المتظاهرين هو اقالة وزير الكهرباء. وتشكيل لجنة فنية للإشراف على مفاصل الوزارة ولجنة تحقيقية في مصير مليارات الدولارات التي صرفت هباء على هذا القطاع
كان لهذه الخطوة مثلا ان تكون رسالة تطمين لهذه الجماهير ، فليس مقام وزير أعز من دماء الشهداء الثمانية والجرحى المئات من الشعب مابين متظاهر ورجل أمن
لا افهم كمواطن السر الذي يمنع رئيس الوزراء من اتخاذ قرار ضد بؤر الفساد المعروفة لاقناع المتظاهرين بامكانية الإصلاح سوى ان الرجل مهدد من قبل هذه البؤر
وكان عليه استخدام جهازه القوي ،جهاز مكافحة الاٍرهاب بمباغتة بؤر الفساد المعروفة بدلا من إرسالهم لمواجهة المتظاهرين
لكنه اخطأ الاتجاه مرة اخرى
اعتقد ان الانتفاضة لا تمتلك نوايا تخريبية او سياسية كما يُزعم البعض ، ربما تتربص بعض الجهات السياسية الفاشلة فرصا لركوبها ،لكن المراهنة على وعي واستقلالية هؤلاء الشباب كفيل بفرز من يحاول الاساءة لسلمية التظاهر وقد قاموا فعلا بردع بعض المتجاوزين من ضعاف الوعي
على من بيده الأمر ان يصغي اولا ، فالهراوات تزيد من الغضب والقسوة تديم العنفوان ، هذا درس أفرزته كل حركات الاحتجاج التاريخية ، وحذار حذار من الدم
دم المتظاهر أو دم رجل الأمن سيان
‎2018-‎07-‎18