:”قمة ترامب – بوتين …. ماذا عن النتائج المنتظرة …ولماذا لاتثير قلق القارة العجوز !؟”
بقلم :هشام الهبيشان.

تزامناً مع التفاؤل المفرط الذي يبديه بعض المراقبين بخصوص النتائج المنتظرة لقمة – ترامب – بوتين ، بات من المؤكد أنّ السمة الواضحة لنتائج هذه القمة والتي بدأت تتسرب من خلال اجتماعات اللجان المشتركة التي ترتب ملفات هذه القمة ،تؤكد استمرار الخلافات مايؤكد استمرار الصراع الروسي – الأمريكي ، ولا يمكن لأي متابع أن ينكر “تحديداً “مدى وحجم الخلاف الدائر حول أوكرانيا وملفات المنطقة العربية وإيران وملفات عدة تتصدر اولوياتها توزيع مناطق النفوذ بين واشنطن وموسكو، بعض المتابعين يدركون جيداً أنه في هذه المرحلة تحديداً فإن الدولتين كلتيهما الروسية والأميركية تعيشان الآن في حالة حرب سياسية ساخنة جداً قد تتطور مستقبلاً إلى صدام عسكري مباشر “والمطلوب من هذه القمة فقط هو ضبط ايقاع الخلافات حتى لاتصل لدرجة الأشتباك العسكري المباشر “ولامانع من حدوثه عسكرياً بين الحين والاخر بحال الضرورة من خلال الوكلاء بعيداً عن الجغرافيا الأمريكية والروسية “، وهذا الشيء ينسحب أيضاً على الصراع الاقتصادي- التجاري الدائر اليوم بين واشنطن وبكين، الذي قد يتطور مستقبلاً إلى صراع سياسي – عسكري كبير.

الأوروبيون بدورهم يدركون ويعون حجم هذه الخلافات ،ويدركون جيداً ايضاً ان هذه القمة هدفها هو فقط ضبط ايقاع الخلافات الروسية – الأمريكية حتى لاتتطور لنزاع عسكري سيفرض عليهم أن يكونوا جزءاً منه ،وهم بدورهم لايمانعوا بالمطلق وليس لديهم أي بواعث للقلق من هذه القمة ونتائجها “المعلنة والسرية “لأنهم بدورهم حاولوا قدر الإمكان التخفيف من حدة التوترات السياسية والعسكرية والاقتصادية بين واشنطن من جهة وموسكو وبكين من جهة أخرى ،وهذا الأمر ينسحب أيضاً على بريطانيا التي توترت علاقتها بالفترة الأخيرة مع روسيا ،فهي الأخرى تريد لهذا التوتر بينها وبين روسيا أن يبقى بأطار سياسي “مرحلياً ” ولاتريد بالمطلق أن يتطور لصراع عسكري ، لأنها تدرك جيداً أن أي صراع عسكري روسي – غربي ،ستكون نتائجه كارثية على الجميع .

وهنا ، وعندما نتحدث أن الأوروبيون ليس لديهم بواعث للقلق من نتائج قمة ترامب – بوتين ،فـ نحن هنا نتحدث عن حقائق الخلافات بين الروس والأمريكان والتي يدركها الأوروبيون جيداً ،فهذه الخلافات كادت أن تتطور بالمرحلة الأخيرة لصدام عسكري “نووي – كارثي “مباشر وخصوصاً عندما هدد بوتين بالرد على أي هجوم أمريكي عسكري نووي يستهدف موسكو أو حلفائها ” وهذا الملف بذاته هو من دفع نحو عقد القمة بين ترامب وبوتين ،فالأمور كادت أن تنفلت من ايدي الجميع ،وتتطور نحو سيناريو عسكري كارثي سيشمل القارة الأوروبية بمجموعها وستكون من أهم مسارح هذا الصراع العسكري ،فالقمة وكما تحدثنا هدفها ضبط ايقاع الخلافات بين الروس والأمريكان ،والمستفيد الأكبر من ضبط الأيقاع هذا هم الأوروبيون ،فسيمنحهم ضبط الايقاع هذا ،مساحة مناورة اوسع مع الروسي وكذلك مع الأمريكي ، فورقة التلاعب والاستفادة من الخلافات الروسية الأمريكية تتقنها جيداً بعض الحكومات الغرب أوروبية “المانيا – فرنسا “.

الأوروبيون ،بدروهم يعون جيداً بأن الخلافات الروسية – الأمريكية ،لايمكن أن تحل بقمة رئاسية ولابمجموعة قمم وأن نهايتها “ستكون المواجهة العسكرية المباشرة “،ولكن هم يسعون قدر الأمكان لتأخير هذه المواجهة ويحاولون ضبط أيقاعها ، رغم ان الروس بهذه المرحلة تحديداً ، وأكثر من أي وقت مضى اصبحوا بشكل اكثر واقعية تحت مرمى وتهديد مشروع امريكا ، فالروس اليوم باتوا بين مطرقة الدرع الصاروخية الأمريكية التي باتت بحكم الواقع قريبة من الحدود الروسية، وتشكل خطراً محدقاً بأمن المنظومة العسكرية الروسية ،وخطر خسارة اوكرانيا لصالح الغرب، واحتمال فقدها لكثير من مناطق نفوذها بالشرق الاقصى والشرق الاوروبي وبالشرق العربي، وسندان تقويض جهودها التوسعيه والوصول إلى مناطق ومراكز نفوذ جديدة والاستغناء عن مراكز نفوذها القديمة لصالح القطب الاوحد الأمريكي والانكفاء على نفسها ، وليس بعيداً عن كل ذلك الملف السوري وغيره من الملفات وخصوصاً الثروات الطبيعية وملفات حقول الطاقة بالدول التي تتحالف مع الروس “الثروات الطبيعية الايرانية- كمثال” ، ومن جهة اخرى يدرك الروس حجم المؤامرة الأمريكية ، والتي أفرزت ما يسمى “بحرب النفط” ، والتي تستهدف اركاع القوة الروسية ، والحد من تصاعد النفوذ الروسي بالاقليم العربي.

وهذه الضغوط التي تمارسها واشنطن على موسكو ، يعرف الأوروبيون أن الوصول إلى مسار تفاهمات حولها بين الروسي والأمريكي بهذه المرحلة هو “شبه مستحيل ،فهذه الملفات تحتاج إلى تفاهمات “كبرى “((لايريدها الأمريكي بالمطلق ))” وهنا من الواضح أن هناك جملة من التعقيدات الأمريكية التي تمنع الوصول إلى هذه التفاهمات، هذه التعقيدات تدفع نحو تأكيد صعوبة بناء وثيقة تفاهم أمريكية – روسية ،قادرة على ضبط إيقاع الصراعات الدولية بما ينعكس على حلول سريعة لمعظم الأزمات المحلية والإقليمية والدولية، والأوروبيون كما قلنا يدركون ويعون حجم التعقيدات الدولية وحجم الصراعات بين موسكو وواشنطن ،وليس لديهم أي بواعث للقلق من قمة ترامب – بوتين ، بل قد يكونوا هم من الرعاة الرئيسسين لهذه القمة ،لتجنيبهم نيران أي صدام عسكري –روسي – أمريكي .

ختاماً، من المؤكد أن أزمات وصراعات الروس والأمريكان ، لن تستطيع قمة ترامب – بوتين ،وضع أي حلول لها ،ولكن قد تستطيع ضبط ايقاعها “لتبقى باطار سياسي – اقتصادي مع عدم الممانعة بحال الضرورة بالاشتباك العسكري غير المباشر عن طريق الوكلاء بعيداً عن الجغرافيا الأمريكية والروسية ،”وهذا مايريده الأوروبيون بهذه المرحلة بالتحديد .
‎2018-‎07-‎13

*كاتب وناشط سياسي – الأردن.
hesham.habeshan@yahoo.com