غسان كنفاني.. حي في الذاكرة
عبير بسام

لم يكن غسان كنفاني قائداً عسكرياً أو رجل أمن بل كان أدبياً وصحفياً. سلاحه الكلمة، التي فندت جرائم الإحتلال الصهيوني ووثقت النكبة الفلسطينية بأبعادها الإنسانية والأخلاقية وفضحت الجرائم الصهيونية في حق المجتمع الفلسطيني. لم يكتب غسان كنفاني يوماً عن الأم أو الأخت المعذبتان أو المستكينتان، بل كتب عن المرأة الفلسطينية بكل ما تمثله من قوة وجرأة ومقدرة على انتاج أجيال من المقاومين الصامدين الذين يدافعون عن حقهم. أكثر ما كتب عنه هو الألم الذي عانى منه، وما يزال يعاني منه الفلسطيني منذ انتزعت أرضه. كتب عن غربة الفلسطيني في المخيمات في داخل فلسطين وخارجها، وعن مأساة التهجير وحلم العودة، التي عاشها أصحاب الأرض. نعود لنتذكر اليوم غسان كنفاني أولاً كمقاوم الكلمة الذي أحيى القصة الفلسطينية، وثانياً لأن أمثاله يجب أن يتجذروا رمزاً في البال لأجل حماية الذاكرة الوطنية والقومية.
ابن يافا، ذو الثانية عشر، هُجِر منها هو ووالديه وأخوته السبعة إلى صيدا في لبنان في العام 1948. فهو يعرف يافا، ويعرف فلسطين، وخبر مرارة التهجير والترحيل عن أرض الوطن. لم يمثل أدب فلسطين ومقاومتها بالصدفة، بل من خلال التجربة المؤلمة والقهر. لا يخفى أن غسان كنفاني لم يبق كاتباً وأديباً على المستوى الفلسطيني أو مستوى الوطن العربي فقط، بل تجاوز الحدود إلى باقي أصقاع العالم، تماماً مثلما فعل ناجي العلي وفدوى طوقان وغيرهما. منهم من نجى من آلة القتل الصهيوني ومنهم من استشهد ليبقى عنواناً لأدب الذاكرة في عالمنا العربي وفي فلسطين بالذات. تلك الروايات والقصص التي حملت أوجاع النزوح لأجيال توالت منذ 1948 وحتى اليوم، ولولا توثيقها لما استطعنا أن نحملها نحن ومن بعدنا في حنايانا لتنشأ في كنفها أجيال مقاومة ما تزال تطالب باسترداد الحق السليب.

في لقاء مصور لغسان كنفاني، يمكن العودة إليه على موقع “اليوم السابع”، يتحدث فيه عن عملية ميونيخ وعن أحداث أيلول الأسود في الأردن والمقاومة ومحادثات “السلام” مع كيان العدو، حيث يتجلى موقفه المقاوم. اذ يرفض توصيف المذيع الأميركي: أن ما يحدث هو صراع عربي أو فلسطيني- “اسرائيلي”، ويرفض أن يوضع الفلسطيني والإسرائيلي ضمن هذا المفهوم الضيق، اذ يقول وبطريقة أربكت مضيفه أن الفلسطينيين هم أصحاب أرض ووطن، وطردوا ظلماً من أرضهم وليس لهم سوى البقاء والمقاومة والقتال حتى يستردوا حقوقهم، والأمر ليس قابلاً للتفاوض. يقول: “إننا أصحاب قضية في فلسطين، وأن الفلسطينيين يفضلون الموت واقفين وهم يدافعون عن قضيتهم، وأن هذه الأمة ستواصل الكفاح حتى النصر وأن هذا الشعب لن يهزم”. وأكد في مقابلته بأن ما يحدث ليس صراعاً أو حرباً أهلية كما يريد الصحفي الأميركي أن يسميها، بل هو حركة تحررية تقاتل من أجل العدالة، وأن القضية هي قضية شعب تعرض للعنصرية والإحتلال. وأما في الموقف من محادثات “السلام” مع الكيان الاسرائيلي، فاختصرها كنفاني بأنها: “محادثات استسلام…وأي نوع من الحديث [مع الإسرائيلي] هو كالحديث بين السيف والرقبة”. وفي النهاية يؤكد أن خطف الطائرة في ميونيخ 1972: “كان من أهم الأمور صحة، والتي قمنا بها في حياتنا”. ويوضح أن العملية كشفت عالمياً عمق كذبة ما يسمى “دولة اسرائيل” والمعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني.
ولكن هذا النوع من التصريح وضعه والعديد من المثقفين على لائحة الإعدام. فواقعة اغتيال غسان كنفاني كانت الأولى من نوعها، حيث استخدم الكيان الاسرائيلي السيارات المفخخة لأول مرة في عمليات الإغيتال وأريد بها مسحه عن الوجود لأنه لو كانت السيارة في مرآب البناء، الذي يقطن فيه لكانت النتيجة انهيار المبنى على من فيه، وخسائر فادحة في الأرواح.
كان قتلاً انتقامياً بكل معنى الكلمة. ففي العام 2005 كشفت “يديعوت أحرنوت” أن عملاء جهاز “الموساد” هم الذين اغتالوا غسان كنفاني في 8 تموز/ يوليو في العام 1973. وكانت العملية ضمن “حملة الثأر”، التي حملت توقيع غولدا مائير بتصفية كل من اعتبرته جزءاً من عملية ميونيخ، وطالت حتى المفكرين!

نفذت عمليات الإغتيال في عدد من الدول ضد الفلسطينيين بعد مقتل 11 من الإسرائيليين خلال دورة ألعاب ميونيخ في العام 1972. وكما اتضح فيما بعد، وبحسب “يديعوت أحرنوت”، أن اللاعبين الإسرائيليين قتلوا بشكل متعمد من قبل البوليس الألماني وبقرار اسرائيلي.
ربما ليبرر الكيان الاسرائيلي لأصدقائه في الغرب حملة اغتيال النخب الفلسطينية، الذين ضاق ذرعاً بهم. ومن الذين اغتالهم العدو انتقاماً في ذلك العام أسماء يجب أن لا تنسى مثل الدكتور أحمد الهمشري ممثل منظمة التحرير الفلسطينية وأستاذ الحقوق الفلسطيني باسل الكبيسي في باريس، وكلاهما تم اغتيالهما في باريس ومن ثم أنيس الصايغ مدير مركز الدراسات الفلسطينية في بيروت، الذي أصيب إصابات بالغة في وجهه وعينيه، وكان الهدف تدمير المركز والوثائق التي يحفظها، والذي عاد ليقضي عليه ويسرقه إبان اجتياح بيروت، 1982. ويدعي الإسرائيليون أن كل من نفذ فيهم حكم الإعدام هم ضالعون في عملية ميونيخ. اذ أنهم يعتبرون أن كل مفكر وكاتب وعالم هو جزء من عملية المقاومة ضدهم. كما طالت العمليات قادة مثل: كمال عدوان وكمال ناصر وحسن سلامة وكثيرون. وحتى اليوم، لم يتوقف الكيان الاسرائيلي عن اغتيال النخب من أمثال ناجي العلي، في العام 1987 حتى فادي محمد البطش، عالم الهندسة الإلكترونية في ماليزيا، في العام 2018، وغيرهم أسماء عديدة ستبقى في البال.
لقب الكنفاني بـ “صاحب الأدب المقاوم”؛ وبقيت رواياته مثل “عائد إلى حيفا” و”أم سعد” ومجموعاته القصصية مثل “أرض البرتقال الحزين” و”القميص المسروق”، وشخصيات مثل “أم حسن” المرأة الفلسطينية التي تنتظر عودة ابنها حسن في كل يوم من النضال ضد الإسرائيلي، متجذرة في عمق الثقافة الفلسطينية وطرحت رواية عائد إلى حيفا مفهوماً جديداً للوطن والعودة. روايات لا تمحى وسيبقى غسان كنفاني رمزاً يجسد في روايته الشخصية الفلسطينية بكل أبعادها وتطوراتها. بعد اغتياله ترجمت مقالاته وأعماله جميعاً إلى 17 لغة في العالم ونشرت في أكثر من 20 بلداً وتحول الكثير منها إلى أعمال سينمائية واذاعية وتلفزيونية، وأما هو فقد بقي خالداً ورمزاً للقضية الفلسطينية، التي يمثلها، ولم ولن يستطيع الكيان الاسرائيلي اغتيالها.
‎2018-‎07-‎11