نعرف ماذا تريد أمريكا من إيران، ولكن ماذا نريد نحن؟


صباح علي الشاهر

ماذا تريد أمريكا من إيران؟
سؤال بالإجابة عنه يتحدد الموقف الصحيح الذي ينبغي إتخاذه من إيران ؟
من السذاجة القول بأن أمريكا تريد مصلحة الشعب الإيراني ، كما من السذاجة الزعم أن الشعب الإيراني في ظل السلطة الحالية ينعم بالرخاء، ويتمتع بحرية الرأي، وأن لا مظالم تطال فئات وأسعة من الشعب، ومن ضمنهم الأعراق غير الفارسية كالعرب والكرد، والبلوش .
إيران وبعيداً عن الخطاب الحماسي البلاغي الذي إعتادت عليه، هي بلد من ضمن بلدان العالم الثالث، تعاني ما تعانية هذه البلدان من ضعف مؤسساتي، ويعاني شعبها كما شعوب المنطقة من الجور، وتغول السلطات الحاكمة، والفساد المستشري في كل مفاصل الدولة ، لكنها والحق يقال تقف بعزيمة وحزم بوجه تجبر أمريكا ، وتقاوم تطلعات إسرائيل .
ولأنها بلد من بلدان العالم الثالث فأن ما بينها وبين بلدان العالم الأول مسافة هائلة من التطور، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بأقوى وأغنى وأعظم بلدان العالم الأول، ألا وهي أمريكا ؟
صحيح أن إيران تمكنت من صنع الأغلبية المطلقة من أسلحتها داخلياً ، لوحدها أم عبر خبرات أجنبية ، وأن تطورها هذا واضح للعيان لا ينكره سوى جاحد لايريد أن يرى الأمور كما هي ، ولكن هذا السلاح مهما بلغ من تطور فإنه لايقارن بما تملكه أمريكا ، ويمكن القول أن إيران لايمكن أن تنتصر في أي منازلة حربية مع أمريكا، ولكن يمكن القول أيضاً وبناءا على المعطيات الميدانية أن أمريكا لن تخرج من هذه المنازلة بلا خسائر ، وخسائر فادحة ، وأنها بالمحصلة لن تسقط النظام إلا إذا غزته كما غزت العراق ، وكل هذا يحتاج إلى تبرير لن تستطيع أمريكا توفيره ، وتأييد أممي لايمكن أن تمثله إسرائيل والسعودية والإمارات ، فالعالم ليس بهذه الضيق ، ولا هذه الهزالة ، تجربة العراق يصعب تكراراها ، والدول المنافسه لأمريكا لن تسمح به ، وأمريكا لن تذهب لوحدها أو مع حفنه من دول أو دويلات هي التي تحميها وتدافع عنها ، وغير قادرة على حماية نفسها، وليس بمقدرورها التعويض عن الدعم الغربي، وصمت العملاقين الروسي والصيني .

ما تريده أمريكا من إيران واحد من إثنين، أما أضعافها وتفكيكها، أو إرتهانها للمطالب الأمريكية ، وليس بإمكان أي مسؤول إقليمي عاقل تهمه مصلحة بلده وإقليمه أن يحسب أن تفكيك إيران يصب في مصلحة شعبه ، أومصلحة الاستقرار في المنطقة والعالم ، لأن تفكيك إيران لو حدث فإنه سيعم كل المنطقة التي لا تختلف مبررات تفكيكها عن المبررات التي تساق في حالة إيران ، أما إضعاف إيران فقد يكون هدفاً محبباً ومرغوباً لبعض الأنظمة في المنطقة ، إسرائيل تحديداً ، والسعودية وبعض بلدان الخليج ، وإضعاف إيران لن يقف عند حدود الإضعاف ، وقد يأتي بمن هم أشد تعصباً من الحكام الحاليين ، ويعلمنا التأريخ أن المتعصبين كانوا دوماً أشد بلاءا لا على شعوبهم فقط ، بل على المنطقة والعالم .
إن خطط أمريكا لا تشير إلى الحرب ، وأن جعجعت بعض الأقلام النزقة بهذا الخيار، لكنها ستنتهج طريقاً ترى أنه أجدى ، ألا وهو الحصار ، ومنع إيران من تصدير نفطها وغازها ، ومعاقبة الشركات التي تتعامل مع إيران ، ليس في مجال النفط فقط ، وإنما في كل المجالات ، وهي ترى أن مثال الإتحاد السوفيتي يمكن تكراره في الحالة الإيرانية ، ونعتقد أن هذه رؤية قاصرة لا تدرك أو تقدر حجم المتغيرات .
إنقضى ذاك الزمن الذي كانت فيه أمريكا تأمر فتطاع ، وجاء زمن يتمرد فيه على الأمريكان حتى الصغار الذين كانوا يعيشون في ظل وحماية أمريكا ، يمكن ملاحظة الحالة الأوربية على سبيل المثال ، فالتاجر النهم ترامب المطالب بلا حدود بالمكاسب من دون مرعاة الغير يعزل نفسه عن أقرب حلفائه ، بسب إبتزازه المتهور، وهو إن أفلح في إبتزاز بعض المهزوزين الذين يرغبون في توطيد مواقعهم عبر التأييد الأمريكي ، فهو غير قادر على إبتزاز دول تحترم نفسها ، إن عدم الحماس الغربي للإنخراط في حرب ترامب الاقتصادية على إيران ، والصين ، وعليهم أيضاً سيتحول لا محال إلى موقف حازم وواضح ، فترامب يبتز العالم كله وليس إيران وحدها . وأن تبتز أكثر من جهة ، وفي آن واحد ، فأنك ستكون الخاسر الأول قبل الآخرين ، فكيف إذا كان إبتزاز هذا الشخص لا يستثني أحدأً لا جوار شمالي( كندأ) ، ولا جوار جنوبي ( المكسيك ، وفنزويلاُ ) ، ولا حلفاء ربطوا مصيرهم بمصيره ، ولا عمالقة بكل معنى الكلمة كروسيا والصين والهند الناهضة .
قد تخرج بعض الشركات النفطية الأمريكية والغربية نتيجة الضغط من إيران ، لكن أمر كهذا سيكون فرصة مناسبة لدخول الشركات الصينية والهندية والروسية السوق الإيراني وبقوة ، وسيكون التعامل بيعاً وشراءأ بعملات أخرى غير الدولار ، اليوان والروبل والروبية واليورو ، وبهذا ستوجه للدولار أقسى طعنة منذ تسيده للنشاط الاقتصادي العالمي، والحسابات هنا تأخذ بعدا إستراتيجياً أكثر منه إقتصادياً فقط، فهذه الدول وبالأخص الصين والهند لا تريدان أن يرتهمن أمنهما في مجال الطاقة التي هي عصب الحياة بيد أمريكا ، ورئيسها التاجر الذي يتصور أنه سيدير أمريكا والعالم كما يدير شركاته العقارية .
ونحن كدول عربية ، مثلما الدول الأخرى ، لا مصلحة لنا بما يقوم به ترامب ، ولا تتفق مصالحنا مع مصالحة المرتبطة جهراً وعلانية بمصالح عدونا إسرائيل ،
أما إذا أفلحت أمريكا في إخضاع إيران ، وجعل إرادتها مرتهنة بأمريكا ، فإن هذا سيكون ضربة قاضية لحلفاء أمريكا من عرب المنطقة ، لأنهم سيصبحون ” إكسباير” خارج الصلاحية ، فما الحاجة لهم إذا كانت إيران أمريكية صهيونية ، ولماذا يتحملون لوم شعوبهم من تعاونهم مع أنظمة آتية من الماضي السحيق ، وهم لا يخفون إستهزائهم وحقدهم الذي لم يعد مبطنا على هذه الأنظمة التي لا يرونها في أحسن الأحوال سوى بقرة حلوب .
‎2018-‎07-‎08