العرب و آيسلندا وكأس العالم!!
حفيظ دراجي
المشاركة العربية في مونديال روسيا لحد الآن أثارت الكثير من التساؤلات والتعليقات وكانت أحيانا مادة للسخرية والاستهزاء في شبكات التواصل الاجتماعي من طرف جماهير الكرة العربية التي عبرت عن تذمرها من الآداء والنتائج والاخفاق على الأقل في التأهل للدور الثاني الذي يعتبر بالنسبة لهم إنجازا كبيرا في كل الظروف يستحق الانفاق عليه والافتخار به لإلهاء الناس وامتصاص غضبهم وتذمرهم من إخفاقات متنوعة في مجالات عديدة غطت عليها الكرة.
ماعدا آداء المنتخب المغربي المتميز أمام البرتغال وإسبانيا فإن المنتخبات العربية تلقت 24 هدفا ولم تسجل سوى6 أهداف، ولم تحصل سوى على 4 نقاط من أصل 33 نقطة ممكنة في 11 مباراة لعبتها قبل مواجهة تونس لبنما في المجموعة السابعة، وهو رصيد تعيس ومخيب من حيث الأرقام إذا استثنينا تحقيق السعودية لأول فوز لها في نهائيات كأس العالم منذ 24 عاما على منتخب مصر في مباراة كانت أقرب الى الودية منها الى الندية الرسمية وكان فيها المنتخب السعودي أفضل من المصري الذي كان ظلا لنفسه وخيب آمال جماهيره وعشاقه التي كانت تنتظر آداءا ونتائج أفضل في مجموعة تعتبر الأسهل وربما الأضعف لأنها لا تضم أي منتخب مصنف مع الكبار!
قد يكون من السابق لأوانه القيام بتقييم شامل ودقيق للمشاركة العربية في مونديال روسيا بأكبر عدد من المنتخبات عبر التاريخ لكن الأكيد أنها لم تكن موفقة ولا تعد بتغييرات ترفع سقف الطموحات مستقبلا لأن العقدة ستستمر ويستمر معها التسيير العشوائي والارتجالي للقدرات والمواهب الفنية التي نزخر بها والتي تفوق دون أدنى شك قدرات إيران مثلا وكوستاريكا واليابان وكوريا الجنوبية وبنما وكذلك آيسلندا.
جزيرة آيسلندا التي لا يتعدى عدد سكانها 340 ألف نسمة لم تكن مخيبة في المونديال خطفت التعادل من الأرجنتين في أول مشاركة لها في المونديال بمنتخب يضم لاعبين هواة يحترفون الطب والمحاماة والفن والتجارة وغيرها من المهن لكنهم كانوا متشبعين بإرادة وعزيمة وتنظيم رائع امتدادا لتشبع مجتمعهم بقيم العدالة والحرية وجودة التعليم التي جعلت من جزيرتهم تحتل المركز الرابع عشر ضمن الدول الأكثر تطورا وفي مستوى إنتاجية الفرد وجودة التعليم والخدمات الصحية والحريات الشخصية والعدالة الاجتماعية وكذا تكافؤ الفرص بين المواطنين..
قد يتساءل البعض ما هي علاقة الكرة بالتنمية والتطور والعدالة، وقد يقول البعض لا مجال لربط هذا بذاك وبأن الكرة هي مجرد لعبة لا علاقة لها بشؤون حياتية أخرى، لكن الحقيقة أنها جزء من كل لا يمكن فصله عن بعضه البعض لأن الكرة هي أيضا فكر وفلسفة وتخطيط وتسيير متقن للمهارات التي تتوفر عليها البلدان العربية ولا نحسن استغلالها والاستثمار فيها، والفشل أو النجاح هما امتداد لنجاح أو فشل منظومة سياسية ورياضية واجتماعية وفكرية مرتبطة بالمجتمع برمته.
الكرة عندنا تلقى اهتماما إعلاميا جماهيريا لا مثيل له لكنها لا تحضي بالاهتمام نفسه والعناية والإتقان من طرف المسيرين والمدربين الذين تخضع خياراتهم لاعتبارات ذاتية غير مهنية لا علاقة لها بالاحترافية والكرة الحديثة ومتطلباتها الفكرية والعلمية فتجد السعودية مثلا تقيل مدربها الذي قادها إلى المونديال قبل أشهر قليلة من الحدث، وتجد مصر تصر على الاعتماد على نجمها محمد صلاح وتقحمه مصابا رغم أن المنتخب لعب مباراة جيدة أمام الاورغواي من دون صلاح، وتجد نفسك لا تفهم بعض الخيارات الفنية والتكتيكية لنبيل معلول وهيرفي رونار.
قد يقول البعض أيضا بأن خروج المنتخبات العربية هو أمر طبيعي وعادي في ظل الصعوبات التي واجهتها منتخبات اسبانيا، البرتغال والأرجنتين للمرور الى الدور الثاني لكن الأمر مختلف تماما بين منتخبات عملاقة تتعثر لأسباب ظرفية ومنتخبات عربية تنفق الكثير المال دون أن تقدر على مسايرة المستوى العالي وتخرج في كل مرة تجر أذيال الخيبة وتجعلنا نندم على التأهل والمشاركة في أكبر محفل كروي عالمي.
قد يقول البعض الآخر أن المنتخبات الافريقية لا تختلف عن نظيراتها العربية في نوعية المشاكل التي تتخبط فيها ومع ذلك تحقق نتائج أفضل من العرب على غرار ما تفعله نيجيريا والسنغال وقبلهما غانا وكوت ديفوار والكاميرون، لكن العكس هو الصحيح فالمنتخبات الإفريقية كان بإمكانها الوصول دوما الى أدوار متقدمة لو كان التسيير والتنظيم والتخطيط في مستوى المواهب التي تملكها القارة السمراء والتي تبقى نتائجها دائما أفضل من نتائج العرب في النهائيات في وقت لازلنا نراوح مكاننا ونرتكب نفس الأخطاء رغم مشاركاتنا العديدة في نهائيات كأس العالم وقدراتنا المادية والبشرية التي تفوق قدرات آيسلندا مثلا..
العبرة ليست بالعدد ولا بالأموال المصروفة، والتخطيط للنجاح ليس ظرفيا مرافقا لما قبل الحدث بل إنه منظومة متكاملة تلعب فيها التفاصيل دورا كبيرا، ونحن العرب في غالب الأحيان نهمل التفاصيل الخفية لأنها لا تهم اعلى الأقل لأنه في نظرنا لا تظهر في الواجهة ، على الرغم من أن آيسلندا أظهرتها التفاصيل إلى العالم كصورة نمطية ترابطت فيها الكرة بجميع مكونات البلد، آيسلندا مثال يستحق البناء عليه لمن يبحث عن النجاح الدائم لا الظرفي … العرب سيقولون كالعادة سنرى وسنفكر بعد اربع سنوات!!
إعلامي جزائري
‎2018-‎06-‎28