المؤسسات الدينية والبُعد عن الدين
منتظر الخفاجي
عمل المؤسسات الدينية اجمالاً هو ارشاد المجتمع وتوعيته وزع المفاهيم الصالحة فيه، اي كل ما ينفعه في حياته عموماً فتنظم حياته المادية والمعنوية، لان الدين وضيفته هي تقديم افضل وانفع ما في الدنيا وما في الاخرة للمخلوق، حينئذ تكون هذه المؤسسات عوامل مساعدة في تحقيق غاية الفرد سواء شعر بذلك او لم يشعر.
ولأجل هذا كانت هناك مؤسسات خيرية وفكرية وتربوية وتوعوية وغيرها بل حتى المؤسسات السياسية ان كانت ذات طابع ديني.
نعم هذا هو العمل المفترض لهذه المؤسسات، لكن لو نظرنا الى الواقع الفعلي الان لهذه المؤسسات لرأينا ان الكثير منها وربما كلها لم يستطع تحقيق تلك الغاية او الغايات، وان حققت شيئاً ففي المراحل الاولى ثم تنقطع عن العطاء وبالتالي إما ان تنهار وتكون اثر بعد عين او تبقى قائمة دون حراك فتموت واقفةً او تنحرف عن مسارها وتتحول الى مؤسسة كسبية، طيب… هل نستطيع ان نقف على العلة من ذلك، خاصة وان موت هكذا مؤسسات يعتبر خسارة للمجتمع لا تعوض بحال.
حسب تتبعي لعمل بعض هذه المؤسسات وجدت عدة أسباب لتوقفها عن العطاء وعدم بلوغها غاياتها، ومن الاسباب الكلية لذلك نذكر:
انحراف الغاية التأسيسية، اي عندما أُسست لم تكن أُسست لتلك الغاية التي نادت بها ورفعتها شعاراً وانما كانت لأغراض ربحية او مصالح شخصية، وما حَمِلته من شعارات او سمة ظاهرة هي لأجل اغراء المجتمع المسكين للالتفات اليها لان من المعروف ان الأنسان متدين بطبعه.
ان يكون الانحراف بعد قيام هذه المؤسسة وثباتها، اذ بثباتها فُتحت منها ابواب للمصالح لما لاقته من اقبال نحوها وتزلف من يريد الظهور والكسب عن طريقها، فانجذبت نحو الاغراءات الدنيوية المستجدة وبالتدريج بعُدت عن غايتها وتخلت عن ثوابتها، حينئذ وحسب قاعدة التغيير استحقت ان يرفع عنها التأييد الالهي وان رُفعَ فلابد ان تبوء بالفشل.
ان تكون هذه المؤسسة اسست على التقوى كما يقال والتزمت بأهدافها السامية لكن تقصيرها وتخلفها نابع من قصور جهتها المنفذة اعني ادارتها، فاذا كانت الادارة غير مؤهلة لقيادة المؤسسة الدينية فسوف تتقيد هذه المؤسسة تلقائياً بالمستوى العام لإدارتها والذي سوف يضعفها بضعفه، عندئذ ستموت تدريجاً.
من اهم اسباب عدم فاعلية المؤسسات الدينية هو الوقوف على مستوى عملي واحد، طبعا المجتمعات البشرية وغير البشرية في تغيير مستمر سواء صعوداً او نزولاً وهذا التغيير يتطلب ان تساوقه المؤسسات الدنية ولا تبقى على ركائز ثابتة وطرق تعامل واحدة وإلا فإنها لن تستطيع ان تساهم في البناء المرحلي وتستمر، وانما قد تبني في المراحل الاولى التي كانت ملائمة لحالة المجتمع آنذاك، ومن ثمة سوف يبدأ المجتمع بالابتعاد عنها لأنه يراها في وادي وهو في وادي.
ان رقي المؤسسة الدينية ـوغيرهاـ واستمرارها بالتجديد والتقدم يعتمد اعتماداً جوهرياً على رقي مؤسسيها واستمرارهم في التقدم الفكري والإيماني والاداري ، فإن استقر المؤسس او توقف عند مستوى ما صعُب عليه ان ينقل مؤسسته الى المرحلة اللاحقة، لذلك نرى كثيراً من المؤسسات توقفت من جهة عطاءها للمجتمع بسبب توقف المؤسس عن الاستزادة، وقطعاً ان توقفت عن العطاء ماتت مفتقرةً.
ان توحيد النية لله تعالى في مثل هذه المؤسسات دون ضميمة اخرى هو عبارة عن اعطاء مساحة لله تعالى ليتصرف بهذه المؤسسة بما يراه في صالحها، لكن ان كانت هذه النية مشوبة بشائبة الشريك ـ مهما كان مستوى الشريك ـ فسوف يدعها الله سبحانه لذلك المؤسس وشريكه وعندئذ تكون فاشلة لا محالة اذ لا حياة الا بواهب الحياة.
ظهور الامراض النفسية الى ساحة العمل من قبيل التنافس والنفاق والحسد والتسقيط وتهميش المقابل وسرقة الجهود، يحول العمل من تثبيت المؤسسة الى تثبيت الافراد، من التخطيط لمصلحة المؤسسة الى التخطيط لمصلحة افرادها فلان وفلتان!.
التوسع بالمؤسسة قبل التمكن منها والسيطرة التامة على كامل جوانبها والذي سيؤدي الى تساقط جوانب المؤسسة واحداً تلو الاخر.
من ضمن اسباب فشل مثل هذه المؤسسات هو المجتمع نفس، بسبب اهمال المجتمع لدوره المناط به ، فإن اي مؤسسة اجتماعية تحتاج الى دفع وتحريك من قبل المجتمع عبر النقد والتقويم والمطالبة بحقوقه المتعلقة بهذه المؤسسة، لكن مجتمعنا مشكلته هي الاعتماد كلياً على جهود المؤسسة بل ويصوب كل ما يصدر منها حتي لو خالف قناعاته لان علاقته بكذا مؤسسات علاقة عاطفية وليست عقلية، فيرى كل ما يصدر من هذه المؤسسة هو الحق وما دونه باطل، وهذا بدوره ساهم في ركود تلك المؤسسات لفقدانها للدافع والمحرك المهم.
‎2018-‎06-‎27