عقودٌ من الفشل الأطلسي-الإخواني في سوريا
موفق محادين
كان الأطلسي كله في المعركة، الأميركيين والأوروبيون، وكذلك النفط كله، حتى أن محميات الغاز والنفط المتورّطة دخلت في أزمة مالية جرّاء ذلك، سبع سنوات عِجاف ولم ترضخ سوريا مدعومة من قوى المقاومة وعلى رأسها حزب الله والحزب السوري القومي الاجتماعي، ومن روسيا وإيران وحلف المُمانعة. وها هي تحصد هذا الصمود الأسطوري قوّة اقليمية قادمة وجيش لا يُقهر..
منذ تمزيق سوريا الطبيعية إلى دويلاتٍ في سايكس – بيكو وتحويل الخرائط الجديدة إلى هويّاتٍ كيانية، ظلّت سوريا في عين العواصف الأطلسية الرجعية، ولم يسمح للمؤتمر السوري الكبير أن يُترجم قرارته في شكلٍ من الحُكم والسلطة الواحدة، بالرغم من إرادة ممثّلي ومندوبي المناطق المختلفة من سوريا الحالية ولبنان والأردن و فلسطين.
بل أن ما تبقّى من سوريا بعد وضع اليد البريطانية على فلسطين لغايات تهويدها تعرّض لعمليات سلخٍ متواصلةٍ على يد الاستعمار الفرنسي، وذلك بضمّ أجزاء إلى لبنان الكبير، ثم بضمّ الإسكندرون وكيلكيا وأروفا وماردين، إلى تركيا عشيّة الحرب العالمية الثانية.
ومنذ الإعلان عن حلفِ الأطلسي ودَمْج تركيا في الأطلسي الجنوبي، وسوريا في قائمةِ الاستهدافاتِ ومحاولات الترويض والإلحاق مُجدّداً بالمتروبولات الرأسمالية.
لكن سوريا بعد الجلاء والاستقلال، ظلّت عصيّةً على كل هذه المحاولات، ولم تشهد دولة في العالم الثالث هذا الإصرار الأطلسي، الرجعي على إسقاطها مثل سوريا.
كما تميّزت سوريا عن البلدان المُستهدَفة الأخرى بصمودها، وبالفشل الكبير، الذي كان من نصيبِ القوى الأطلسية والصهيونية والتركية والرجعية العربية:
في خمسينيات القرن الماضي وبالإضافة إلى قيام الكيان الصهيوني على أرض سوريا الجنوبية (فلسطين) فقد كانت سوريا الهدف المباشر لحلف بغداد (الذراع العسكرية للأطلسي الجنوبي) ولجماعة الأميركيين في لبنان (كميل شمعون). وقد خرجت سوريا من معركتها ضد الحلف والعهد الشمعوني مُنتصرةً وقوية، بفضل تلاحُم القوى الوطنية والقومية والتقدمية فيها، كما بفضل الالتفاف الشعبي العربي حولها وبفضل الثورة الشعبية في لبنان التي أطاحت حكم شمعون.
في العقد نفسه، تعرّضت سوريا لتهديدات كبيرة واعتداءات مباشرة من قِبَل الجماعة الإسلامية الحاكِمة في تركيا بإسم (الحزب الديمقراطي) الذي دشنّ أول قاعدة عسكرية كبيرة للأميركيين في المنطقة، وفتح الشرق الأوسط أمام برامج البنك وصندوق النقد الدولي، ونجح في شقّ وحدة صغيرة من الجيش السوري بإسم (الجيش الحر) شمال سوريا، لكن صمود الشعب السوري والوقفة التاريخية للرئيس جمال عبد الناصر، أفشلت المحاولات التركية، وارتد الصمود السوري على تركيا نفسها بالانقلاب العسكري الذي أرسل رئيس الوزراء عدنان مندريس إلى حبل المشنقة.
ولم يكن عقد الستينات أقل صعوبة على سوريا والسوريين، فمن الانفصال 1961 إلى العدوان الصهيوني 1967، لكن سوريا لم تسقط أبداً في أيدي الأميركيين والرجعية.
مقابل حرب تشرين 1973 والاستقرار الذي عرفته سوريا في عقد السبعينات، فإن عقد الثمانينات، كان مريراً ودامياً على خلفيّة كامب ديفيد في مصر والمحاولات الأميركية – الصهيونية لتعميم هذه المعاهدة وإسقاط الحلقة السورية، التي كانت العائِق الأساس لـ (بقية الراغبين العرب) في الالتحاق بكامب ديفيد.
وبالإضافة إلى الخصوم والأعداء التقليديين لسوريا (قوى الاستعمار الجديد، الأميركي والقديم، الفرنسي – البريطاني، والكيان الصهيوني وتركيا الأطلسية والرجعية العربية والإخوانية)، فقد وصل الحد بالعراق وسط التوتّر المعروف مع سوريا إلى التقاطع مع القوى المذكورة، بعد أن كان قد تم استبدال خطوط النفط عبر الموانىء السورية واللبنانية بالموانىء التركية 1976 كجزءٍ من استحقاقات الصفقة الموقّعة مع شاه إيران 1975 والتي تنازل بموجبها عن الأراضي في شط العرب، مقابل وقف دعم الشاه للبرزاني في كردستان العراق.
وقد بدأت السنوات الصعبة في عقد الثمانينات برفض سوريا للمبادرة السعودية لتصفية القضية الفلسطينية، والتي عُرِفت بمبادرة الأمير فهد أو فاس الأولى، فجاء العدوان الصهيوني 1982 على الجيش السوري في البقاع والمقاومة الفلسطينية اللبنانية، وما تلاه من إنقضاء قمّة فاس الثانية بعد أن أصبح الأمير فهد ملكاً، حيث مرّرت القمة المبادرة المذكورة.
ومع إصرار دمشق على رفض العدوان الصهيوني ونتائجه وأهدافه مُتسلّحة بدعم الزعيم السوفياتي آنذاك، أندروبوف، صعّد التحالف الأميركي، الصهيوني، الرجعي من عدوانه الإجرامي على سوريا بتسليح ودعم الذراع العسكرية الإخوانية التي بدأت جرائمها المُبكرة في مذبحة مدرسة المدفعية بالتزامن مع إعلان دمشق رفض كامب ديفيد، وقد تحوّلت كل ساحات الجوار (العراق، تركيا، لبنان عبر الكتائب، الأردن، بالإضافة إلى العدو الصهيوني) إلى جبهة خلفية لدعم الإرهاب الإخواني بالسلاح والمال والتحريض الإعلامي.
ويُشار هنا إلى عاملٍ آخر وشديد الأهمية في هذه الحرب على سوريا، وهو نجاح موسكو رداً على كامب ديفيد في بناء أكبر محور استراتيجي في التاريخ المُعاصِر للشرقَيْن العربي والإسلامي، يبدأ من أفغانستان بعد الانقلاب اليساري مروراً بإيران بعد الثورة التي أطاحت الشاه، وانتهاء بإعلان الميثاق السوري – العراقي بين الرئيسين البكر وحافظ الأسد، ولكن هذا النجاح سُرعان ما تبدّد بعد الإطاحة بالبكر وإشعال الجبهة مع إيران ودعم الإخوان في سوريا.
بالمقابل، وكما في كل مرة، نجحت سوريا في صدّ هذا العدوان ودحره والانتقال من الدفاع إلى الهجوم، وتنسيق العمل مع المقاومة اللبنانية لإسقاط اتفاق (7) أيار الذي فرضه العدو الصهيوني على لبنان، وفرضَ معه بالتعاون مع الرجعية النفطية رئيسين من حزب الكتائب.
وفي السياق نفسه لم تنفع وحدات الإنزال الأميركية – الفرنسية في وقف تحالف دمشق مع المقاومة اللبنانية، بل خسرت نخبتها القتالية في عمليات فدائية استهدفت هذه النُخَب في بيروت وقُتِل فيها حوالى 500 عسكري منها، كما تلقّى العدو الصهيوني ضربات مُماثلة.
ورداً على الهزائم العسكرية للتحالف الأميركي – الفرنسي – الصهيوني – الرجعي – الإخواني، وعلى فشل (الجبهة الشرقية) في إسقاط إيران، وبسبب هشاشة مجلس التعاون الخليجي، ومن أجل إنقاذ مصر كامب ديفيد، جرى الإعلان عن (مجلس التعاون العربي) من مصر والعراق والأردن واليمن، لكن هذا المجلس سُرعان ما سقط في قلب التناقضات الداخلية لقوى (الجبهة الشرقية) نفسها، كما أن الإنتفاضة الفلسطينية أعادت القضية إلى مربّعها الأول بالتصادُم مع كامب ديفيد وموقع مصر فيها.
في العقدين التاليين، العقد الأخير من القرن العشرين، والعقد الأول من القرن الجديد، تمكّنت سوريا في ظروفٍ اقليمية ودولية قاسية من الصمود والحفاظ على سيادتها وخياراتها الوطنية، ويبدو أن الأميركيين كانوا ينتظرون غير ذلك، بعد الإنهيار السوفياتي، الجدار الدولي لسوريا، وبعد معاهدات واتفاقيات، وادي عربة وأوسلو، وبعد أن أصبحت الإمبريالية الأميركية على حدود سوريا لا إمبراطورية وراء البحار.
إن الانتظار الأميركي الطويل لسقوط سوريا، دفعهم آخر الأمر، إلى الحشد وتجميع كل الأوراق الممكنة ودفعها جميعاً ومرة واحدة في مواجهة دمشق، فكان ذلك أكبر حشد عسكري ومالي وإعلامي وسياسي ضد دولة في العالم (نصف مليون إرهابي مُدجّجين بالسلاح وأكثر اللوجستيات تطوّراً على الأرض، من قِبَل الأقمار الصناعية، وآلاف المواقع والمنابر الإعلامية ومبالغ خيالية تكفي لتسليح جيوشٍ جرّارة)..
كان الأطلسي كله في المعركة، الأميركيين والأوروبيون، وكذلك النفط كله، حتى أن محميات الغاز والنفط المتورّطة دخلت في أزمة مالية جرّاء ذلك، سبع سنوات عِجاف ولم ترضخ سوريا مدعومة من قوى المقاومة وعلى رأسها حزب الله والحزب السوري القومي الاجتماعي، ومن روسيا وإيران وحلف المُمانعة.
وها هي تحصد هذا الصمود الأسطوري قوّة اقليمية قادمة وجيش لا يُقهر..
وفي كل ما سبق، ثمة قواسم مشتركة تصل إلى حد الثوابت طيلة العقود التي مرت على سوريا وهي في عين العاصفة..
1- إن سوريا عصيّة على الكسر والرضوخ بالرغم من كل الظروف الاقليمية والدولية.
2- إن الإخوان المسلمين في سوريا كانوا شُركاء في كل محطات العدوان والتدخّل الخارجي وخاصة الأميركي.
3- إن لبنان إما أن يكون خاصِرة رخوة أو خاصِرة قوية لسوريا.
4- إن أحزاب اليمين التركي وخاصة التي تتّخذ من الإسلام غطاء لها من عدنان مندريس إلى أوزال إلى أردوغان، هي من أخطر أدوات الأطلسي ضد سوريا.
‎2018-‎06-‎27