مقاطعة الانتخابات في العراق… ما لها وما عليها
صادق الطائي
تداعيات الانتخابات البرلمانية في العراق ما زالت مستمرة، بين شد وجذب القوائم الانتخابية، وحراك البرلمان الذي شارفت دورته الانتخابية على الانتهاء، ومن أهم ظواهر هذه الدورة الانتخابية بروز تيار شعبي أطلق على نفسه تسمية (مقاطعون) التي اطلقها ناشطون كهاشتاغ، ورفع شعار مقاطعة الانتخابات البرلمانية لإفشال العملية السياسية ورفض المشاركة في صعود السياسيين الفاسدين والفاشلين لسدة البرلمان والحكومة مرة أخرى.
إذن ما هي آليات الضغط التي استخدمها تيار مقاطعون؟ وما هي الخطوات اللاحقة التي أعقبت الانتخابات؟ وما هي الخطط المستقبلية لمواجهة عمليات تشكيل الحكومة، وما ستفرزه الانتخابات التي جرت؟ وهل يمكن أن يتحول تيار مقاطعون إلى تيار سياسي له ممثلون في الحراك السياسي؟
في البدء يجب ان أشير إلى أن كل ما سأذكره بخصوص تيار مقاطعون من معلومات وتوصيف وكلمات أو مصطلحات، ليست اجتهادا أو وجهة نظر، إنما هي معلومات قائمة على ما نشره ناشطو التيار في وسائل التواصل الاجتماعي، والصحافة الإلكترونية من معلومات وبيانات وتوصيات. أما التحليل الاجتماعي والسياسي لهذه المعلومات فبالتأكيد لي.
بعد مرور 15 عاما على بدء الحراك السياسي في العراق، وثلاث دورات انتخابية أفرزت برلمانات وحكومات متتالية كلها كانت متسمة بشكل كبير بالفشل، وعدم القدرة على تنفيذ الحد الأدنى المطلوب من خدمات وأمن وحياة سياسية سلسة. لذلك أصيبت قطاعات واسعة من المجتمع باليأس، وأصابت اللاجدوى نسبة كبيرة من العراقيين، جعلت عزوفهم عن المشاركة في الانتخابات نوعا من الانتقام من الشريحة الفاسدة من السياسيين المتصدين للعمل السياسي.
لكننا إذا بحثنا عن الأطر السياسية التي حاول بعض الناشطين الذين لعبوا أدوارا قيادية في تيار المقاطعة تقديمها لتأطير عملية المقاطعة كحراك ديمقراطي سلمي رافض، نجدهم قد أصيبوا بالكثير من التشوش وعدم الوضوح، فقد انتشرت في بدء انطلاق الحملة إشاعة مفادها «إذا قلّت نسبة المشاركة في الانتخابات عن 25% فإن الانتخابات ستعد باطلة، وعندها ستتدخل الأمم المتحدة لتفرض حكومة تسيير أعمال، وتشرف على التحول الديمقراطي الحقيقي في العراق»، المشكلة عدم اعتراض الشخصيات المثقفة في حراك مقاطعون على هذا الكلام، أو إصدار بيان نفي، أو تفنيد لهذه الإشاعة لإفهام جمهور المقاطعين ممن لا يملكون خبرة قانونية أو سياسية لمنعهم من الانجرار وراء الإشاعات، وتركوها تتدحرج وتكبر حتى خدعت قطاعا واسعا من المتذمرين من العملية السياسية، وأقنعتهم بعدم المشاركة.
تحرك جناح من المؤيدين للمقاطعة بحراك من نوع مختلف، مفاده أننا إذا قاطعنا بعدم الذهاب الى الانتخابات، فإن الفاسدين سيزورون أصواتنا لصالحهم، فولد جناح من المقاطعين يطالب بالذهاب للانتخابات وإبطال الورقة الانتخابية، لكن المتشددين من المقاطعين عدوا ذلك التفافا على مبدأ المقاطعة، واعترافا ضمنيا بأن الانتخابات سيشوبها التزوير لذا فإن الأجدى هو عدم الذهاب.
وهنا تكرر سؤال ملح ممن يريدون أن يفهموا لماذا سيقاطعون، على الاقل ليضعوا مبررات قانونية وسياسية أمام انفسهم لما سيقدمون عليه ، فكتب قادة تيار المقاطعة توضيحا أو إجابة للسؤال «لو سألتم: لمَ دعوت وقدت الحملات للمقاطعة، لقلت لكم: 1- لأن القوى الطائفية والعرقية استلبت البلاد ومقدراته، ولا يجوز أن نمنحها فرصة ثانية، ويجب تعديل قانون الأحزاب لنمنعها. 2- لأن قانون الانتخابات ليس عادلاً، فيأخذ أصواتنا ويمنحها لغير من صوتنا لهم، ولهذا يجب إنهاء هذا القانون، الذي يرسخ بالقائمة شبه المفتوحة نظام المحاصصة. 3- لأن المفوضية ليست مستقلة، وهي تابعة لإرادات القوى المهيمنة التي لا تألوا جهداً في التزوير لصالحها، وإلى آخره من الأسباب التي قدمناها طيلة السجال لأكثر من سنة قبل وبعد إجراء الانتخابات».
قبل الانتخابات بيومين، في 10 مايو 2018 أصدر بعض مثقفي تيار المقاطعة بيانا طرح للتوقيع، ووقع عليه مئات المثقفين والنخب في فيسبوك، وكان معنونا بـ»بيان إلى جماهير الشعب العراقي المقاطعة»، ومن أهم ما جاء فيه «باسمكم نحذر الجميع من تزوير النتائج، عبر تغيير واقع نسبة المشاركة وعبر التلاعب بالأصوات، وسنكون مع أبناء شعبنا مراقبين لكل حالات التلاعب، فإن ثبت أنها استخفت بقوة الشعب وإرادته، سيكون الرد الشعبي الهادر في الشوارع لحماية الديمقراطية من سراقها ومغتصبيها». ومع مراقبة يوم الانتخابات كان المقاطعون يزفون البشرى بشأن نسبة المشاركة المتدنية فكتبوا «لا تصدقوهم حين يقولون بلغت النسبة 20% هذه نسبة كاذبة، فإذا بلغت النسبة 20% هذا يعني على الأقل تسعمئة ناخب وصل لكل مركز اقتراع، وأدلى بصوته، فالمراكز تحتوي بحدود أربعة آلاف وخمسمئة ناخب، والمشاهدات البسيطة للجماهير تقول إن معظم المراكز لم تبلغ حتى أربعمئة مصوت خلال الساعات الماضية».
لكن سرعان ما تبخر هذا الفرح مع إعلان المفوضية عن نسبة المشاركة التي وصلت الى حوالي 45%، ليتحول عرس المقاطعين الى أن الأغلبية هي لمن قاطع (نسبة 55%) ، ولكي يطمئنوا من ينتظرون رد فعل الأمم المتحدة ، اقتطعوا إشارة يان كوبيش في اجتماع مجلس الأمن – نيويورك، واجتزأوا النقطة اليتيمة التي اشار فيها للمقاطعة، وأهملوا فيض المديح للعملية الديمقراطية، وركزوا على قوله «ويعود قرار أكثر من نصف الجمهور الانتخابي أن لا يمارسوا حقهم الديمقراطي إلى العديد من الأسباب، لكنه في الواقع يبعث إشارة قوية إلى النخب التي تحكم البلاد منذ عام 2003، وهي بمثابة صرخة مدوية إلى ممثليهم تدعوهم إلى أن يكونوا أخيراً بمستوى طموح الشعب، وأن يوفروا احتياجاته وأن يضعوا مصلحة الشعب العراقي والأمة العراقية فوق المصالح الحزبية أو الطائفية أو الشخصية أو الفئوية». يا للسعادة لقد وصل صوت المقاطعين لممثل الأمم المتحدة واوصى السياسيين بأن يستمعوا لصوتهم الهادر ودمتم.
عندما أظهرت نتائج الانتخابات ما لم يتوقعه أو يتمناه المقاطعون من ازاحة 70% من نواب البرلمان القديم عبر صناديق الاقتراع، أصابهم الهلع وانطلقت تصريحاتهم مضطربة مثل «إن النتائج غير المتوقعة التي قلبت التوقعات والإرادات الخارجية، وقضت على كل الحسابات، لم تكن لتحصل لولا تيار المقاطعة الشعبية الواعي، الذي أدى لتغيير جميع الخطط والسيناريوهات التي أعدتها القوى الدولية والإقليمية، وهي بغض النظر عن تقييماتنا لصلاحية القوى الفائزة، تؤكد انتصار القرار العراقي على كل مخطط غيره، ولهذا فإن المقاطعين سيتريثون باتخاذ أي موقف هو من حقهم لكونهم الأكثرية الشرعية، ليمنحوا القوى الفائزة فرصة تشكيل الحكومة على أساس تحالفات وطنية بعيدة عن كل تحاصص إثني وطائفي، لتشكيل دولة عدالة اجتماعية أساسها المساواة والقانون والمواطنة». وهنا يكمن المضحك المبكي في طروحات تيار المقاطعة، الذي يزعم أن مقاطعته قادت إلى تغيير البرلمان، وأنه سيطالب الحكومة الجديدة بتطبيق الإصلاح كما يراه! اذن لماذا لم تشاركوا وتدعموا هذا التيار الذي فاز، او التيارات الرافضة للطائفية والاثنية وانتم الاغلبية (55%) لتجعلوا فوز العلمانيين الوطنيين مريحا وبالتالي ستكون مطالبتكم لهم بإصلاح قانون الانتخابات وقانون الاحزاب أسهل وامكانية تحقيق ذلك اكبر؟
وابتدأت حملات الشماتة تنهمر من تيار المقاطعة مع كل حادثة تحصل في بلد تعرض للكوارث السياسية على مدار أكثر من نصف قرن، دمرت وعي شعبه وامتحنته بشتى صنوف القهر من الانقلابات، إلى تسلط الأنظمة الشمولية، إلى الحروب الخارجية والداخلية، الى المجاعات والحصار حتى اعتى أنواع الإرهاب والاحتلال الأجنبي.
فهم شامتون إذا حصل تفجير، وشامتون إذا صوت البرلمان (الفاسد باعتقادهم) الذي يبحث عن مخرج لخسارته على إعادة العد والفرز اليدوي، وشامتون عند استخدام أجهزة المسح الالكترونية التي وباعتراف المراقبين الدوليين والمحليين بأنها قللت نسبة التزوير إلى اقل نسبة مقارنة بالدورات الانتخابية السابقة، وشامتون إذا أحرق أصحاب النوايا السيئة المبيتة لعرقلة العملية السياسية لمخازن المفوضية، وشامتون في كل صغيرة وكبيرة.
لكن مع لا جدوى حملات الشماتة ابتدأت علامة استفهام تكبر بوجه من نظر وقاد حراك المقاطعة، سؤال مفاده: الآن ماذا نفعل؟ هل المظاهرات هي الحل؟ لأن من كتب بيان الى الشعب أشار إلى «رد شعبي هادر» في حال تزوير الانتخابات، لكن مثقفي تيار المقاطعة هاجموا المظاهرات واعتبروها حلا فاشلا، إذ كتبوا «لا تظاهر، حتى نوطن أنفسنا على ألا تكون تظاهرات ما بعد الفطور- لان الكلام كان في رمضان- للتصفيق والغناء لمدة ساعة والعودة للبيت، لتقول لنفسك إنك لست مناضل كيبورد، لقد كشفت تجربة ثلاث سنوات، ضعف فهم المقاومة السلمية، وكلما قلنا لقياداتها التي باعتها: صعِّدوا، ظنوا أننا نتحدث عن اعتصام، وحتى الاعتصام أسقطو أضراسه، وصار يقبِّل ولا يعضّ، وقد بيّنت المقاطعة طرقا مغايرة لهذه المقاومة»، اذن ما هي الخطوة المقبلة في هذه (الطرق المغايرة في المقاومة السلمية)؟ لا أحد يعلم حتى الان ولم يظهر منها الا الشماتة.
‎2018-‎06-‎27
كاتب عراقي