رواية قصيرة جدّاً
(ليلة التجلي)*


أبراهيم البهرزي
لثلاث ِ ساعات ٍ كانَ مُنهمكاً في جدالٍ عن المادةِ السوداء ِ والكتلةِ السالبة وهو موضوع المحاورةِ لهذا الْيَوْمَ في الجمعية الكونية الفلسفية ،طُرحَتْ آراء ٌ تتراوح بين الميافيزيقا والتصوف وفيزياء الكم ، كُتِبتْ على السبورة معادلات رياضية وهوامش من الشعر الغنوصي لقبائل التبتِ ، مساهمتهُ الوحيدة عن الموجات متناهية الصغر المنبعثة من الدماغ وتداخلاتها مع الشذى الغامض لورد الباقلاء البنفسجي لم تدرج في سجل التوصيات فغادر يائسا ًمن إمكانية تغيير التقاليد المنهجية للجمعية ، على مبعدة أمتار ٍ من المبنى العتيد كان حشد أطفال ٍ يلعبون الكرات الزجاجية في أحد الأزقة ، أخرجَ من جيبه ِ كيسَ الكرات الذي يحتفظ به ِ دوما ً وظل يلعب ُ معهم لساعتين ِ تقريباً ، خسرَ ثلاثين كرةٍ زجاجيةٍ مما زاد َ من تعاسة ِ ذلك الْيَوْمَ ،عبر الزقاق الى زقاق ٍ آخر يفضي لشارع ٍ جانبي ٍّ ، كانت تلك َ الحانة التي تنطلق ُ منها دوما ً الأغاني القديمة ، الشراب الذي تقدمَّه كان من النوع القوي ِّ والرخيص كما انها تتميز بعاهراتها المتقدمات في السن رخيصات الثمن ، بمعنى انها ملائمة لكل ظروفه ، وقد اعتاد قضاء القليل من الوقت فيها ، أخذ َ طاولة منزوية وراح يشرب ، مرت عليه اكثر من عاهرة صرفهنَّ جميعاً حتى جاءت اخرى جديدة لم يجرِّبها من قبل ، اتفقا على خوض التجربة واتجها للسلم المعتاد قرب مائدة النادل ، كانت تجربة سريعة ، يمكن ان يقال انها اصولية ، كان يريد التخلص من متاعب هذا الْيَوْمَ بأيَّة طريقة، وهكذا جرى الامر ، دفع الحساب للنادل وخرج ، تذكَّر ان موعد حضوره للمعبد صار قريباً فانطلق بين الأشجار باتجاه الخرائب ، كانوا يقيمون طقوسهم للتو ،ً دخل الحالة الشعورية المعهودة كما لو انه يغطس في نهرٍ ، مارس الطقوس الجماعيّة بحذافيرها ، الأصوات والتمتمات التي يتخللها احيانا بعض الصراخ اضافة للحركات البدنية التي صارت تتعب مفاصله ، تأخرت الطقوس قليلا ً قبل أن يتذكّر أنَّ هناك َ ما ينتظرهُ في مقر المكتب السريِّ للغاضبين وهي الحركة السريّة التي انتمى اليها منذ الصبا وأخلص لها ، ولأهميتها عنده فقد قطع طقوسه وتوجه بخطى سريعةٍ الى سردابٍ يقع أسفل احدى البنايات العالية ، كانوا مجتمعين، لم يزل موضوع صيد السلاحف المؤجَّل من الجلسة السابقة قيد البحث ، كانت السلاحف تعبث بالطبيعة كثيرا ً وثمّة اتجاه لابادتها عن بكرة ابيها كما يقال ،غير أنَّ مجموعة لابأس بها في المكتب كانت ترى ضرورة الإيمان بحق السلاحف في الوجود وكان هو على راس هذه المجموعة، لكن الخلافات تفاقمت هذه المرة فلم يكن هناك بدُّ من استخدام مبدأ التطهير، وهو مبدأ متفق عليه في الجمعية يستخدم لحد الخلافات ومنع الانشقاقات وفكرته تتلخص انه في حال انقسام المكتب بين فكرتين متعارضتين. يحق لإحدى المجموعات إبادة المجموعة الاخرى كلها لضمان وحدة المكتب ، والمبادر طبعاً هو المنتصر، وقبل ان يصل الجدال لأشدِّه بادر بطعن اقرب رفاقه المخالفين اليه في القلب طعنة واحدة من سكين يحتفظ كل واحد من المكتب بمثلها في جيبه ، فكان هذا بمثابة الإيعاز للآخرين بتنفيذ عقيدة التطهير ، وخلال دقائق تمت إبادة الراغبين بإبادة السلاحف من قبل مخالفيهم في المكتب ، وكالعادة حمل كل واحدٍ قتيلَه ُ ومضوا صوب المقبرة السرية للحركة حيث تم دفنهم وفقاً للأصول المرعية ، ودع رفاقه ومضى لمنزله ِ تناول الطعام مع زوجته واطفاله بشهيِّة كبيرة ولعب معهم قليلاً حتى نامواَ بعد ان قبَّل زوجته وأبلغها أنَّ لا رغبة لديه في النوم لانشغاله ِ بحسابات تخص بعض البضائع التي ينوي المتاجرة بها، وغادر البيت بعد أن إطمأن َّ لغفوة الجميع ، كانَ مابعد منتصف الليل ساحراً ، لم يصادفه من يمضّي معه بقية الوقت حتى يحين موعد اجتماع الجمعية الكونية الفلسفية ، اتجهَ حيث النهر وجلس على الضفة وراح يتأمل المادة السوداء في السماء حيث مرّت سلحفاة صغيرة وغاصت في النهر فداهمتهُ نشوة انتصار عنيفةٍ دفعته لخلعِ ثيابه كلَّها ثم انزلق َ خلف السلحفاة وراح يغطس عميقاً وهو يفكِّر بالمادة السوداء الثقيلة التي عليه أن يفسِّرها لرفاقه ذات يوم .
‎2018-‎06-‎24
اسم االرواية مستعارا من السداسية الوترية لشوينبرغ (ليلة التجلي)