فلسطين التي نحلمُ بها
مصطفى البرغوثي
لم يتعرض شعب في التاريخ الحديث لمثل ما تعرض له الشعب الفلسطيني من اضطهاد منهجي وتآمر مخطط شمل التطهير العرقي، و الاستعمار الإحلالي الكولونيالي، والاحتلال العسكري، والتمييز العنصري، وصولا الى انشاء منظومة الأبارتهايد الأسوأ في التاريخ البشري، لكن كل ذلك الاضطهاد لم يفلح في كسر إرادة الشعب الفلسطيني، أو في اضعاف تمسكه بالبقاء في وطنه، أو في الإصرار على تحقيق حلم العودة لمن هجروا قصرا منه.
والأهم من ذلك أن كل المصاعب و النكسات التي تعرض لها الشعب الفلسطيني لم تضعف بل قوت حلمه الجماعي ببناء وطن حر اسمه فلسطين.
لكن الفلسطيني الذي عاش ويلاتً لا تعد ولا تحصى لا يحلم بمجرد وطن، بل يحلم بوطن يستحق كل التضحيات الباهظة التي قدمها، و يرتقي الى مستوى عطاء مئات الاف الشهداء والجرحى والأسرى، ويحقق آمال الأمهات اللواتي لم يبخلن في العطاء و التضحية، و الشباب الذين ناضلوا من أجل مستقبل أفضل، واستحقوا وطنا تطابق خصائصه دعواتهم من أجل الحرية الحقيقية.
الفلسطيني يحلم بوطن حر خال من الاحتلال، و التمييز العنصري، و المستوطنات الاستعمارية، و يحلم بوطن لا جدران فيه ولا حواجز ولا تقطيع للأوصال، و لا مداهمات أو اعتقالات ليلية ، ولا حدود مغلقة أو تفتيشات مهينة، كما يحلم بأن يعامل باحترام مثل سائر البشر في المطارات وعلى الحدود، و في الموانئ والمعابر.
لكن الفلسطيني يحلم أيضا و إلى جانب التحرر من الاحتلال بوطن تتحقق فيه وحدة الأرض والشعب، و تسود فيه الديموقراطية وحرية الرأي والتعبير والحق في التظاهر، ويُحترم فيه القانون، و يُفصل فيه بين السلطات التنفيذية و التشريعية و القضائية، وتقبل فيه التعددية واختلاف الآراء و الاجتهادات، وتجري فيه الانتخابات الديموقراطية دوريا، وتحترم نتائجها دون السماح بوقف دوريتها، ويقبل فيها حق الأغلبية و تصان معه حقوق الأقلية، و يتعاون فيه الجميع بروح الجبهة الموحدة في مواجهة الاعتداءات و المؤامرات الخارجية.
والفلسطيني يحلم بوطن تُحترم فيه كرامة الانسان رجلا كان أوامرأة، و يُحرَمُ فيه الاعتداء على الناس، أوالمس بكرامتهم، أو التشكيك في وطنيتهم و مقاصدهم عند حدوث اختلاف في الرأي أوالاجتهاد.
الفلسطيني يحلم بوطن خال من الواسطة و المحسوبية، يُقيم فيه الناس حسب كفاءتهم، وعطائهم، واخلاصهم، و يعطوا جميعا فرصا متكافئة في التعليم، و العمل،والأجور، وفي تلقي الخدمات الصحية بغض النظر عن فقرهم، أوغناهم، أواسم عائلاتهم.
و الفلسطيني يحلم بوطن يفاخر به العالم، و دول المنطقة بعد أن ساهم ببناء عدد كبير منها، وطن عادل يجذب اليه أفئدة ودعم كل الفلسطينيين المنتشرين في أنحاء المعمورة ليعززوا بنيانه.
الفلسطيني يحلم ليل نهار بالحرية التي يتعطش لها، وناضل من أجلها، وبذل الغالي والرخيص للوصول لها، فلا تحرموه من حلمه بوطن يحققها.
الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
‎2018-‎06-‎21